فلسطين. بين صفقة القرن والتطورات الأخيرة للإمبريالية الأمريكية. تحليل فريق نوفمبر للاشتراكية.

Résultat de recherche d'images pour "photos luttes palestiniennes"

لقد فرض ترامب “صفقة القرن”.  هذه الخطة الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية تعكس في أعماق واقعها، التحول من العولمة المالية إلى تأكيد الهيمنة الأميركية، تحت شعار ينادي به الرئيس ترامب: أميركا أولاً.  [إن هذا التحول، المفروض حتى على حلفاء الولايات المتحدة عن طريق الضربات، العقوبات، أو التهديدات التي تشنها المحاكم الأميركية. ] يُخضع هذا التحول حلفاء السابق لنزعة أحادية تكشف عن التناقضات الإمبريالية التي يخفيها النمو و العولمة  في أحسن أحوالهما.

لم يفرض ترامب صفقته على الفلسطينيين فقط، بل فرضه على القوى الأخرى التي كانت إسرائيل “مستعمرتها متعددة الجنسيات”، التي أنشأها التقسيم العالمي، نتيجة للحرب العالمية الأولى. هي في الواقع المستعمرة الوحيدة التي ولدت «متعددة الجنسيات»، الفرنسية-الإنجليزية،  خلال الحرب العالمية الأولى، باعتبارها النموذج الأصلي للحروب على المستعمرات وتقاسم العالم.  وقد اقترح مبادروها الصهاينة إنشاء هذا الكيان ليس من أجل المساعدة على مشروع استعماري أو استعماري لبلد واحد بل من أجل جميع البلدان الامبريالية. لكن من خلال عمله، جعل ترامب للتو هذا الكيان المستعمرة الحصرية للولايات المتحدة.
لا أحد في العالم سيندد بملكية الولايات المتحدة.  فإسرائيل، منذ زمن طويل، أصبحت مسألة سياسة قومية للولايات المتحدة، كما كانت كل المستعمرات لكل دولة من الدول المستعمرة.

في هذا السياق فرنسا وإنجلترا، أول عرّابين لإسرائيل، وألمانيا وإيطاليا و مجموعة الدول التي تخلصت، تقليديا، من ذنبها تجاه يهود أوروبا، أو التي تطالب بحماية الإمبراطورية، تسارع بالاعتراف “بصفقة القرن”، أو “اتفاقية سايكس-بيكو” أخرى.  أو الموافقة على إمبريالية جديدة ليس لها سوى “حروب، وجب إنهاؤها” ـ من أجل ضمان المزيد من الأرباح لمجمعاتها العسكرية-الصناعية و رأسماليتها المالية ـ هذا من ناحية، و تزايد غطرستها الحربية و عنترياتها من جهة أخرى، للتخويف و الترهيب و الإخضاع… . نفس أساليب رجال العصابات التي تجد جذورها في أنثروبولوجيا، ليس شعب، بل دولة الولايات المتحدة الأميركية.  أول أنثروبولوجيا تم صنعها بالكامل، وخاصة من قبل السينما، هو أنثروبولوجيا الإبادة الجماعية و”العنف الوقائي”، تحت ذريعة التهديدات الهندية التي أصبحت مع الوقت تهديدات للهوية «البلاستيكية».  وعلى هذا فإن حصارهم المشروع للفلسطينيين في محميات، يعتمد على هذا النوع من الأنثروبولوجيا بقدر ما يعتمد على الحاجات التكتيكية للهيمنة على العالم.  هذه الانثروبولوجيا توحد بين الديمقراطيين والجمهوريين، والاحتياجات التكتيكية تعلل الحاجة إليها وتنوع من أساليبها.

إن قرار ترامب، تحت المظهر الغريب للنزوة الفردية، هو نتيجة لعملية بدأت في أوسلو. أصبحت هذه “الصفقة” ممكنة بعد نحو عشرين عاماً من اضعاف الدول العربية. إنها علاقة القوى التي تطورت بعد استصغار هذه الدول بداية من الشقوق الأولى في كامب ديفيد،  إلى غاية الثورات الملونة التي تحمل اسم «الربيع العربي»، مرورا بخطة السلام في لبنان عام 2002 وتدمير العراق في عام 2003. إن نهاية هذا القرن هي نهاية هذه العملية. ترامب لا يقدم الجديد، باستثناء إضفاء الشرعية على ما كان قائما في الواقع: الجولان المحتل، الأراضي الفلسطينية المصادرة التي لا تزيد عن فتات، خيانة الأنظمة العربية الخاضعة و العميلة للولايات المتحدة الأمريكية والحليفة سرا ودائما لإسرائيل.

على أرض الواقع، فإن إسرائيل لا تحصل على سنتيمتر واحد أكثر مما كانت لتحصل عليه بالفعل، بينما انكسر العالم العربي من جديد بين جبهة رافضة لكامب ديفيد، و جبهة المساومة والخضوع. على العكس من ذلك، فإن القضية الفلسطينية هي من تكتسب دعما جديدا ودعما قويا جدا، من طرف تونس و قيس سعيد.

إذا كان ترامب يضفي الشرعية على حالة الأمور فحسب، فما الجديد إذن؟
من خلال هذا القرار، فإن ترامب يمدد إلى المستوى السياسي ما حققه بالفعل في المجال الاقتصادي: قوانينه الإقتصادية الكونية مثل العقوبات الكونية التي يفرضها في مجال القرارات السياسية. تصبح إسرائيل والشرق الأوسط وفقاً لهذا القرار (وأوهامه) ساحة الرهانات الأميركية فقط. فهي تضرب مصالح الأوروبيين، المتمثلة في تأجيل «مفاوضات المفاوضات»، نفاق فاقع خاصة و أنه تزامن مع «أقصى ضغط» ضد الفلسطينيين: قصف، واغتيالات جماعية أو مستهدفة، واعتقالات تعسفية، ومصادرة الأراضي والممتلكات، كل هذا أثناء الدردشة في الأمم المتحدة حول “عملية السلام”.

ترامب ، الذي يريد النجاة بنفسه بقدر ما يريد النجاة بالولايات المتحدة الأمريكية، قطع بحسم هذه العقدة المستعصية من النفاق الأطلسي ، عن طريق طرد شركائه الأوروبيين من السيطرة على المستعمرة متعددة الجنسيات التي كانت حتى ذلك الحين الكيان الصهيوني. لم يرتكب هؤلاء الشركاء أي خطأ: فألمانيا تطالب فرنسا بمشاركة ترسانتها النووية معها ومع بقية بلدان الاتحاد الأوروبي، في حين يصرح ماكرون، بعد الإعلان عن وفاة كلينيكية لمنظمة حلف شمال الأطلسي، أن روسيا أوروبية.
لذا فإن صفقة القرن هو قمة علاقات القوى التي بنيت منذ أوسلو، ولكنها لا تأخذ في الاعتبار الثقل الجديد لروسيا والصين وإيران. هذا يعني أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على الاحتفاظ بمواقعها، التي تتقدم فيها بتزايد كل من روسيا والصين (باكستان، والهند، وفنزويلا، والقرن الأفريقي).
من بين الأهداف غير المعلنة لصفقة القرن هذه، هو مشروع حلف “شمال أطلسي” عربي مدعوم من طرف الأوروبيين في منظمة حلف شمال الأطلسي. يريد ترامب تحالفاً يتلخص هدفه الجيوستراتيجي الأكثر وضوحاً في عرقلة القاعدة الاستراتيجية الإيرانية لطريق الحرير الجديد.هذا القرار ضد كل شعوب العالم، ولكن بشكل خاص ضد ثلاثي روسيا، الصين، إيران.فهو يدفع المتحالفين للقيام بالعمل مع فرض ضرائب على البلدان التي تستفيد بالفعل من “حماية” الجيش الأميركي. الشعار الذي يرفعه ترامب حاليا هو: من الآن فصاعدا، يجب عليكم أن تدفعوا ثمن قواعدنا عندكم، والأكثر من ذلك، أن تعملوا من أجل مصالحنا الجيوستراتيجية! هو وراء إحياء حلم شيمون بيريز القديم (العلوم اليهودية + الأموال العربية + اليد العاملة المصرية)، يناشد القوى الرجعية و هي إسرائيل الغارقة في الأموال العربية من أجل سد الطريق لطرق الحرير.

إن إيران تشكل المنصة الجغرافية المثالية لنجاح كامل للممر الاقتصادي الصيني الباكستاني وتطوره في العديد من الاتجاهات. فتوجه باكستان نحو استمرارية استراتيجية الصين-باكستان-ايران ستجعل إيران تتسبب في تخريب عشرات السنوات من الاستثمار الإمبريالي الأميركي، وستشكل تحولاً جيوستراتيجياً كبيراً لصالح قطب الصين وروسيا. ستغلق أوراسيا بشكل دائم في وجه الإمبراطوريات الغربية.و بهذا، يصبح احباط ايران ضرورة جيوستراتيجية لقطع طريق الحرير الجديدة. كما أن موقف معظم الدول العربية من «كامب ديفيد» لصالح الصفقة يفسر أيضاً خوفهم الموهوم من منافسة الغاز الإيراني لهم في البحر الأبيض المتوسط، والقوة الإيرانية المضاعفة بطريق الحرير (4).

حتى أوروبا ستدفع الثمن
في ضوء ما درسناه أدناه، يمكننا القول أن مرحلة سياسية جديدة في تاريخ الإمبريالية قد ولِدَت للتو، ألا وهي المرحلة التي نشأت من الأحادية الأميركية فوق الوطنية. يتعين علينا أن نتكلم عن آخر التطورات الملموسة التي لم يسبق لها مثيلأحيانا،كما يتعين علينا أن نسمي هذه التطورات بمسمياتها في عملية الفهم والنضال:
إن صفقة القرن دليل على انتهاء السيادة، كل السيادات داخل العالم الغربي وخارجه، بما أنه من الضروري تسمية مكان ولادة الرأسمالية وتطورها. لكنها في المقام الأول ابنة الأزمة العامة للرأسمالية. بعد أن بلغت هذه الأزمة أبعاداً هائلة، فإنها تفرض على كل مركز تاريخي للرأسمالية، الولايات المتحدة، وإنجلترا، وفرنسا، وألمانيا أن يسعى إلى إيجاد حلول خارج أوهام العولمة التي اغتيلت بظهور أقطاب اقتصادية جديدة، كأسواق بديلة، وعولمتها أيضا (الصين، وأوراسيا، وبريكس)و التي هي في طريقها للتخلي عن الدولار. المخرج الوحيد لهذه المراكز التاريخية للرأسمالية يتلخص في العودة إلى إمبراطورياتها. آسيا لإنجلترا وأفريقيا لفرنسا وأوروبا الشرقية لألمانيا بالإضافة إلى تحالفهم من أجل البقاء. فالسياسات الإمبريالية الأميركية وتلك التي تنتهجها المراكز التاريخية للرأسمالية تعبر عن تفاقم أزمة الرأسمالية المزمنة. عدم وجود بديل عن الاتجاه المتناقص لنسبة الربح اللازمة للرأسمالية يعزز هذه الأزمة، مثل الأسواق المأمولة باسم البيئة، ناهيك عن التقشف المفروض على كل شعوب العالم. وحدها الحرب هي التي تضمن توسيع نطاق الارباح الحالية، وبيع الاسلحة، وفتح ميدان تجاري جديد، عن طريق استئجار الجيوش النظامية، المدعوة لتصبح جيوشا مرتزقة.
كل ما سبق يجعلنا ندرك أن جميع الشعوب أو الدول أو البلدان أو المجتمعات الأخرى يجب أن تمتثل للإرادة الأمريكية. تحت طائل الأسلحة أو الحصارالعائد الى القرون الوسطى، الذي لم يعد يحرم مدنا بل بلدانا بأكملها من الضرورات الأساسية للحياة. ستدفع المملكات البترولية العربية المزيد من الثمن. فعلى غرار الأموال التي تم الحصول عليها من البرامج السابقة المخصصة للفلسطينيين، سيمر مبلغ خمسين مليار دولار من خلال الحكومة الإسرائيلية قبل أن تمر في جيوب شركاتها التي ستبني للفلسطينيين؛ وسيستخدم جزء منها في خلق نظام أوليغارشي أليف (مصطلح “حركي” غير متكيف مع السياق الفلسطيني) لتلبية احتياجات الغاصبين. كما ستدفع أوروبا ثمن مدرسة هنا وسينما هناك، ووعاء من السميد، والعار أن ترى تبرعاتها للفلسطينيين مدمرة على الأرض أو بالطائرات.

إن صفقة القرن هي إعلان حرب لجميع شعوب العالم. ليس العرب فقط بل الشعوب الأوروبية. ماذا عن الشعب الأمريكي؟ هل يعرف على الأقل أين تقع إيران أو إسرائيل؟
إن إعادة رسم الحدود، الحدود الأردنية بكل تأكيد، التي تشكل الأساس الذي تقوم عليه هذه الصفقة، تمثل وعداً بعنف متجدد. ذلك أن موقف الدول العربية ينبئنا عن مدى عجز هذه الدول والحكومات، التي تحيطها سنوات من المديونية، و من تفقير شعوبنا، ومن نشر اليأس المبرمج في مجتمعاتنا، عن قيادة المقاومة.

إن أول أثر على الصعيد السياسي لصفقة القرن هو تفكيك وهم الهوية العربية، أسيرة جامعة الدول العربية التي أسسها أنتوني إيدن، و كذا كشف النقاب عن الخط الحقيقي للانقسامات داخل العالم العربي: لا أحد على الإطلاق أبعد عن عربي مناهض للإمبريالية من عربي مناصر للإمبريالية.  هذا الخط، فور عودته إلى السطح، من شأنه أن يعزز المعسكر المناهض للإمبريالية الذي صقلته الصراعات في العراق وسوريا وإيران وفلسطين.

إن الكشف عن الصداقات الخفية مع إسرائيل يفكك وحدة الجبهة التي شلت القوى المناهضة للإمبريالية. هذه الخيانة المخزية تحررهم، وتضع في مقدمة خط الفصل المناهض للإمبريالية، فوق الانقسامات العرقية الطائفية الزائفة. لذى، فمن الأمكن أن نكافح الامبريالية الان على مكافحتها قبل عشرين سنة، خاصة مع إظهار الطابع العميل للانظمة العربية، وهو الطابع الذي لم يعد يخفيه أي تجميل ديني أو عرقي أو طائفي. ما الانطباع أن ترامب قد انتصر إلا نتيجة هذا الخضوع، في حين أن صفقة القرن في واقع الأمريشير الى تقهقر الإمبراطورية.


هذه الحرب ستمسنا


إذا كانت صفقة القرن هي نهاية السيادات، سواء في مركز العالم الغربي أو في محيطه، فإن بلدنا يقع في أقرب البلدان المحيطة. فنحن لا نتوهم أو نتخيل د اصرارنا على تفاقم التناقضات الامبريالية وتأثيرها على أمننا وسيادتنا، خاصة بتفاقم العدوان علينا، لإخضاعنا إلى جانب أو لآخر.

و منه، حان الوقت لكي تتخذ الضمائر الوطنية موقفا وتدعم كفاح الشعب الفلسطيني، كل الشعب الفلسطيني. فمن المستعجل أن يتحرك الجزائريون المناهضون للاستعمار و الامبريالية لاستغلال كافة الأشكال الممكنة والتي يمكن تخيلها لدعم القضية الفلسطينية. المكان الذي يبدو لنا أكثر دلالة على هذه التعبئة هو الجامعة. لقد حان الوقت لمواجهة الحملات البشعة للطابور الخامس الذي ترفض شخصياته دعم الفلسطينيين لأنهم عرب، أي بعنصرية، لقد حان الوقت لمعارضة وإدانة العديد من حالات التطبيع التي لم تتوقف قط مع إسرائيل، تحت ذريعة الثقافة، وأن الكتاب والفنانين هم من “مواطني العالم”، متناسين بذلك أن “مواطنة العالم”، تفرض المزيد من الواجبات في مواجهة المشاكل الكبرى التي يواجهها العالم.

لقد تطورت الصداقة المفتوحة أو الخفية مع إسرائيل تطورا كبيرا في بلدنا في حين تقدمت العنصرية العمياء والغبية المعادية للعرب بما فيه الكفاية، من دون أن يدرك هؤلاء العنصريين أنهم، هم والبدو الذين يهينون “إخوة في التطبيع مع إسرائيل”.

يجب أن نظل متيقظين بشأن تحالفاتنا مع دول الخليج التي ظهر ازدواج أنظمتها. في الوقت نفسه، يتعين علينا أن نعمل من أجل إقامة تحالف على المستوى المغاربي لصالح فلسطين. نحن بحاجة لاعادة التفكير بسيادتنا واستقلالنا وحصانتنا من العدوانية المتزايدة للامبريالية بشكل عام والامبريالية الامريكية بشكل خاص. صفقة القرن هي تقوية أراضي أكبر قاعدة أمريكية في العالم “إسرائيل”، هي قوة وثروة أكبر في وادي الأردن، هو تحالف التقنيات العسكرية الممنوحة لإسرائيل بأموال المملكات العربية،. هو الإعداد للمعركة العظيمة حول الغاز في البحر الأبيض المتوسط. إن حرب الغاز هذه سوف تهدد بلدنا و دولتنا أشد تهديد. وقد بدأت بالفعل في ليبيا للحصول على هذا الغاز. اضافة الى ما يحدث في مالي، نحن الشعب الجزائري، في حاجة إلى الكفاح ضد الحروب، وضد العدوان، و إلى مناشدة الشعوب الأوروبية لكي تجد السبيل إلى المظاهرات الكبرى ضد الغزوات الإمبريالية.


خارج الدولة والحكومة، إن للتعبئة الشعبية أهمية حاسمة في منع هذه الحركة. بكل وعي، عقل، وتحرر من الطرق المختصرة العمياء والتنوع المتناقض في رؤية الحقيقة الفلسطينية، ستلعب حتما دورا كبيرا. هل سنتمكن، كمواطنين، من إعادة اكتشاف مسارات التضامن المناهض للإمبريالية والمؤتمرات، المحاضرات، الاجتماعات و المظاهرات؟

فريق نوفمبر من أجل السيادة الوطنية، الاقتصاد الذاتي التوجه و الاشتراكية

حرر يوم 6 فيفري و نشر يوم 8 فيفري 2020

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *