حول تاريخ أول ماي : من قلب شيكاغو ! / مقال للشهيد حسين مروة (الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني)

          من هناك، حيث تبلغ المعركة ذروتها بين القوى التي تدرج إلى الفناء، وبين القوى التي تصعد إلى العلاء،

          من هناك، من قلب شيكاغو نفسها، انبثق النصر ذات يوم، منذ نحو سبعين عاماً (1)  في مثل يومنا هذا: أول أيار،

          كان النصر في جانب واحدٍ من المعركة، هذا صحيح، ولكنه الطليعة في جوانب المعركة كلها، ولكن المنتصر فيه هو حامل الراية في الصاعدين، ولكن المنهزم فيه هو الذاهب مع فلول المنحدرين الدائرين،

        وكان النصر – مع هذا – أمراً محتوماً، لأنه حكم الحياة بأن ينتصر فرسان الحياة،

       وأولئك الذين دوّنوا تاريخ الإنسانية الحديث، أولئك أنفسهم – فيهم الخبيثون والطيّبون – لم يستطيعوا فراراً من أن يجعلوا انتصار أول أيار، حدثاً من أحداث الإنسانية الكبار في القرن التاسع عشر، ذاك المليء بالأحداث الكبار الكبار،

       وماذا يعني يوم أول أيار في حقيقة معناه، وماذا يعني ذلك النصر العظيم ينبثق من شيكاغو نفسها ذات يوم؟

       لقد انكشف للقضاء، يومذاك، وجه الحق في مؤامرة حمقاء، بل في جريمة نكراء، فإذا القضاء يتقدّم إلى عمال شيكاغو على استحياء، ثم إذا هو يمسح عن جبين هؤلاء العمال وصمة إجرام أراد أعداء الحياة أن يلوّثوا بها هذا الجبين الطيب البريء، هذا الجبين الذي اعتاد أن يعطي الحياة فيضاً من النعمة والخير كلما رشح بقطرة عرق، واعتاد أن يعطي التاريخ وفراً من القوة والعزيمة كلما اختلج بنبضة صراع، واعتاد أن يدفع بمركبة الحياة والتاريخ معاً إلى قمة جديدة كلما انبجست منه دفقة حركة وإبداع،

       ويوم مسح القضاء تلك الوصمة اللئيمة المفتعلة عن جبين العمال، مذ انكشف له وجه الحق في المؤامرة الأثيمة، أليس يصحّ القول بأن القضاء نفسه قد انتصر على نفسه يومذاك، ومسح الوصمة ذاتها عن جبينه هو أيضاً كما مسحها عن جبين عمال شيكاغو؟ ألا ليت القضاء، في كل مكان من الأرض، يجعل يوم أول أيار عيداً له كما جعله العمال في كل مكان من الأرض، يوم عيدهم ألعظيم، فإنما النصر في مثل هذا اليوم، كان نصرَ العمال ونصرَ القضاء في آن،

    ولولا أن القضاء قد انتصر على نفسه في ذلك الحادث، ولولا أنه أطلق أن يقف أمام الباطل، قد انكشف له الباطل موقفاً بطولياً جريئاً حاسماً، حتى قضى عليه بالهزيمة أشنع هزيمة – لولا ذلك – لكان للتاريخ ذات يوم مع القضاء موقف عسير يحاسبه فيه الحساب الشديد العسير، ولكان حتماً على التاريخ أن يكشف فعلة القضاء، كما كشف بيديه الأَثَمة المجرمين الذين نسجت أيديهم خيوط المؤامرة على عمال شيكاغو، ولكانت تلك فضيحة في عمر القضاء ربما طال بها الزمن وهي تنضح بالعار،  

     ولكنّ القضاء انتصر يومذاك على نفسه، كما انتصر العمال أنفسهم، فكان حقاً – إذن – أن يكون أول أيار يوم نصرٍ مزدوج: نصر لجبين العمال الذي يعرق أبدا ليفيض النعمة والخير، وينبض أبداً ليدفع مركبة الحياة والتاريخ صُعُداً إلى القمم، ونصر لجبين القضاء الذي يُفترض فيه أن يعرق ليكشف عن وجه الخير غبار الأشرار، وينبض ليمنع البغي عن جنود الحياة، عن العمال،

       ألا ليت القضاء، في كل مكان، يجعل أول أيار، يوماً يُسترجع فيه حساب عام مضى، ويثبت فيه حساب عام جديد، ليظلّ أبداً ذلك المشعل الذي يطرد ظلمة الباطل عن آفاق الحق، ويمسح غبار الشر عن وجه الخير،

       وكما أنّ العمال، منذ عهدهم بأول أيار، لم يناموا قَط على النصر العظيم في يومهم ذاك، بل ظلّوا دائبين في ساحة المعركة جهاداً يُحرزون النصر بعد النصر، في كل مكان وفي كل زمان، كم نرجو أن يعود القضاء في كل مكان وكل زمان كذلك، إلى نصره الأكبر في أول أيار، ليظلّ أبداً قويّ العزم على الدأب في ساحة المعركة جهاداً، يُحرز النصر لرسالته الكريمة بعد النصر،

        ويمرّ اليوم زمانٌ أشبه بزمان أول أيار منذ نحو سبعين عاماً (1) وشيكاغو اليوم أشبه بشيكاغو في ذلك اليوم، والمعركة تبلغ أعلى الذروة بين القوى التي تدرج إلى الفناء، وبين القوى التي تصعد إلى العلاء، ولكن النصر كائنٌ اليوم وبعد اليوم أعظم مما كان يوم ذاك.

      فإليكم أيها الأخوان البانون الصانعون أطيب التحيات في عيدكم العظيم. 

* عنوان مقالة كتبها الشهيد حسين مروة في جريدة ” الأخبار” البيروتية  بتاريخ 1\5\1955

*(1) (133 عاماً حتى اليوم: هناء م،)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *