محمود الأطرش : بحث إنتقادي لـنظرية “الجزائر أمة في طور التكوين “

  André Ferrat et la création du Parti communiste algérien (1931 ...
                                                

                                                          مــقـــدمــــــــة                                                                                                                                                     

تناول بعـض الكتاب البرجوازيين والـمتمركسيـن و أعـداء الشيـوعـيـة هـذه النظريـة، نظريـة ”الجزائـر أمـة في طـور التكويـن” بمخـتـلف الإنتــقادات ، و كأنها من المبادئ الماركسيـة ـــــ اللينينيـة ، لـتـبـريـر عدائـهم و حملاتهم على الأحــزاب   و الحركة الشيوعـية، و لاسيما في الشرق العربي و تبنت الأوساط الإستعمارية و الرجعـية هذه الإنـتقادات  و ضمتها إلى ترسانات دعاياتها لتموين حربها الباردة و الحارة ضد الشيوعية و إيديولوجيتها الماركسية ـــــ اللينينية  و ضد الإتحاد السوفـيـتي     و حركات التحـرر الوطـني و حـق الشعـوب في تقـريــر مصيرهـا بنفسهـا، و ليست الحملات القائمة بإسـم إنقاذ يهود الإتحاد السوفييتي و حرب الفيتـنام و الشـرق الأوسط، إلا إحدى وجوهها السافـــرة.

أصبح من الضروري أمام وضع كهذا أن يشرح الشيوعـيون و بالأخص الجزائريون هذه النظرية التي وضعت على ما يـبدو لأسباب تكتيكـيـة خلال مرحلـة معـينـة، و تحديـد موقـفهم منها كـنظـريـة مناقـضـة للـتعاليم الماركسيـة ــــ اللينينية، التي أول من نادى بحق الشعـوب في تـقـرير مصيرها و ركزته على أسس عـلمية كمرحلـة أولى من مـراحــــل البناء و الثورة الإشتراكية، و جاهـدت بكـل قـواها ضد عـدوان الإمبرياليين على حقـوق الشعوب و ضد إحـتلالهـا لأقـطارها، كما جاهدت   و تجاهد من أجل تطبيق هذا الحق عمليا في الحياة، سواء كان في المحافـل الدوليـــة أو فـي تقديم المساعدات المادية   و المعـنوية بسخاء لكافة ضحايا العدوان الإمبريالي و لـيست مواقـف الإتـحاد السوفييــتي و بلدان المنظومة الإشتراكية،   و قـوى الحرية و السلم في العالم، من مساعـدة الشعب الفـيتـنامي البطل و شعوب الشرق العربي ضد عـدوان الإمبرياليين الأمريكيين و الإسرائيليين سوى إحـدى الشواهـد على ذلك.

يساعـد هـذا البحث المتواضع الناشئة الماركسية ــــ اللينينية و لاسيما في القطر الجزائري، على الإطـلاع على بعض الأسباب و الدواعي التي أدت إلى ظهور مثــل هذه النظرية في الجزاـئر بلادنا، و التي دعاها بعض الشيوعيين بالبدعة في الماركسية ــــ اللينينية و ما سببته من خسائر و لا سيما للحزب الشيوعي الجزاـئري، و أدت إلى إنعـــزالـه عن باقي الحـركات الوطنية التحريريـة و الجماهير العاملة في ميدان النضال الوطني، بعدما ألقـت بــــه في أحـضـان الأقلية القومية الفرنسية و الأوروبية ردحا من الـزمن رغـم نشاطــه الـمـتـنامي و الخارق في مجال النضال الإجـتماعي و الوطني في    آن واحـد.

و الهدف من هذا البحث تسليح الناشئة الثورية بإطلاعها على ناحـية هامة من تاريخ الحركة الشيوعـية و الوطنية الثورية في قطـرنا الجزائري، و موقف الأمـميـة الشيوعـيـة من هذه القضايا، و منها قضيـة تعـريب الحزب الشيوعي الجزائري بغية توجيهه نحو القيام بمهمته التحريرية، وإنتزاع حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بنفسه حسب الأسس و التعاليم الماركسية ــــ اللينينية، ثم لإطلاعها على حقيقة موقف هذه التعاليم من هذه النظريــــة الخاطئة و الـمناقضة في نفس الوقت للواقع و للشخصية الجزائـرية التي كان الشعب الجزائري بكليته ينشدها.

يجد القراء في هذا البحث بعض النبذ التاريخية المأخوذة مما كتب عن تاريخ الجزائر قصد إثبات وجود الأمة الجزائرية قبل الإحتلال الفرنسي و بعده، خارج نطاق الأقـلية القومية الفرنسية و الأوروبية و كذلك بعض النصوص المنقولة عن ماركس و إنجلس و لينين، و كلها تدين مثـل هذه النظرية و تدحضها من أساسها، و تؤيد على أسس علمية حق الشعوب كافة في إستـقلالها التام و تـقـرير مصيرها بنفسها، و تطالب الشيوعـيين و البروليتاريا الثورية  في أوروبا بتأييد هذه الحقوق، و تفـرض عليها العمل بـجد و عـزم في مساعـدة الشعوب المـستعمرة على إنتزاع الحقوق هذه.

و المرجو في الختام أن يقوم هذا البحث بالواجب نحو الناشئة الثورية و مساعـدتها للرد من هذه الناحية على تهجمات الإمبرياليين و الرجعيين المحليين أعوانهم و المغامرين و باقي أعداء الشيوعية و الأفكار الماركسية ــــ اللينينية و التقدم، من كل حــدب و صوب، ثم لتـجـنب الوقـوع في مثـل هذه الأخطاء، و لتقويم ما تــراه في هـذا الميدان من إعـوجاج أمامها  و تحديد مهامها في القـيام بالثورة الوطنية الديمقراطية، بغـيـة بـلوغ و بأســرع ما يمكـن مرحلة الثورة الإشتراكية في الجزائر.

    محمود الأطرش        في 06 يناير 1973         

قـضـية تعـريب الـحزب الشيوعي الجزائـري

قبل الخوض في صحة أو عدم صحة النظرية القائلة : ”الجزائر أمة في طور التكوين” تـلك النظرية التي فرضت على حزبــنا الشيوعي الجزائري من الخارج، و لم تجد مع الأسف من يدحـضها من الداخـل، و اٌتخذ منها حزبنا دستورا لسياستة الوطنية و الإجتماعـية منذ عام 1939 حتى إنبثاق حرب التحرير الجزائرية عام 1954، من المهم الإشارة إلى خطة التعريب التي وضعتها الأممية الشيوعـية، أمام الأحزاب  و الحركات الشيوعية في الأقطار العربية،   و لاسيما في العشرينات من قرننا هـذا، مثـل الجزائر، فـلسطين، سوريـا و لبنان.

تـنص هذه الخطة على توجيه نشاط الأحزاب و الحركات الشيوعـية في الأقـطار العربية أولا و قبل كل شيء نحو الجماهير العاملة العربية و الفلاحين و المثـقفين الثوريين، لتجنيدهم و تنظيمهم حول مطالبهم اليومية الوطنية منها      و الإجتماعـية، و دعم نضالهم لتحقـيق و لاسيما أمانيهم في الحرية و الإستقلال و حقهم في تقرير مصيرهم. و فسح المجال في نفس الوقـت أمام إنخراطهم في تلك الأحزاب و الحركات،  و تسلم مراكز المسؤولية والقيادية فيها. كما حددت هذه الخطة دور جماهير الأقليات القومية العاملة، في تلك المرحلة، مرحلة التحرير الوطني، بدور الحليف      و المساعـد للحركة الوطنية التحررية و الإجتماعـية.

                                          كيف قوبلت خـطة التعـريب ؟

لم تقابل هذه الخطة الماركسية ــــ اللينينية بالإستحسان من جانب الكثير من القيادات الشيوعية آنذاك في الأقطار العربية، و كانت مؤلفة في أكثريتها الساحقة من أبناء الأقليات القومية، مثـل الرفاق الفرنسيين في الجزائر و شمال إفريقيا، ومن الرفاق اليهود في فلسطين و الرفاق الأرمن في سوريا و لبنان، و اعـتبرت تلك الخطة منافية للمبادئ الأممية، في حـين أن لينين يقول بصدد الأممية ما يلي :

”إن مركز الثقـل في التثـقـيف الأممي للعمال في البلدان الظالمة  المضطهدة، يجب أن يقوم حتما على الدعاية لحرية البلدان المظلومة المضطهدة في الإنفصال، و على الدفاع عن هذه الحرية، بدون هذا لن تكون هناك أممية …”   (لينين، ماركس، إنجلس: الماركسية الطبعة العربية ص 451 – 454.)

كما إعتبرت تلك القيادات شعار التعريب و خطة التعريب بؤرة للتعصب القومي و الشوفـينية العربية داخل الأحزاب الشيوعـية، فهي و إن وافـقـت عليها في الظاهـر، إلا أنها كانت تقاومها بكـل قوامها في الباطن، و للمثـل أضافت لها قيادة الحزب الشيوعي للفلسطينيين آنذاك بعد إعلان موافقتها عليها عبارة : ” زائد التبلشف، فصارت : تعريب + تبلشف = شيوعي عربي فلسطيني. و معـنى زائد التبلشف هنا هو أنه لا يجوز للرفاق العرب أن يتوصلوا الهيئات المسؤولة في الحزب، حتى يبرهنوا من الناحية العملية على بطولة في تحمل مشاق الإرهاب الإمبريالي ــــ الصهيوني    و الرجعي و العــذاب و التـشرد و السجون … و حـتى يبرهـنوا من الناحية النظرية على إستيعابهم للمبادئ الماركسية ــــ اللينينية، و ذلك في الوقـت الذي لم يطلب مثـل هـذا التبلشف من الرفاق غـير العـرب.

تجاهلت تلك القيادات بأن التعريب أي تعريب الأحزاب الشيوعـية في أقطارنا العربية لا يمت بأي صلة لا للتعصب القومي العربي و لا للشوفينية، و أن مقاومته بأي شكـل من الأشكال لا يأتي إلا عن الشوفينية و الإستعلاء القومي العنصري، و قد أثبتت التجارب و التاريخ صحة هذه المقـولة، كما تجاهلت أيضا، بأنه كان مرحلة تاريخية لازبة،  و ناتجة عن طبيعة الدور الذي تقـوم به الجماهير الشعبية الجزائرية العاملة و الفلاحـين و المثـقفين الثوريين     و الشعب الجزائري، في تلك المرحلة، مرحلة التحرر القومي و الإستـقلال، و هي مرحلة لا مجد عـنها في بلوغ التحرر الإجتماعي و الثورة الإشتراكـية.

و بما أن الأقلية القومية الفرنسية و الأوروبية في الجزائر كانت غـير مرشحة آنذاك للقيام بهذه المهمة التاريخية التي لن تـقوم بها سوى الجماهير العاملة و الفلاحين و المثقفـين الثوريين الجزائريين، كما أظهرت لنا التجارب صحة ذلك، و عليه فقد كان هدف التعريب ليس فقط تكوين أحزاب على صورة هذه الجماهير من الناحية الشكلية، بل        و مساعدتها دون التدخـل في شؤونها على إختيار ما تراه صالحا لقيادتها، من الرفاق الذين حازوا على ثقتها بفضل ما أبدوه من إخلاص و تضحـية في تـنفيذ خطة التعريب، و ما أبدوه من تفاني في تحقيق أماني الجماهير العاملة         و الشعب الجزائري الإستـقلالية، و من الذين أظهروا مقــدرة في تجنيدهم للنضال لإنتزاع مطالبهم اليومية و حقوقهم.     و بمثـل هذه الطرق فقط كان يتم تكوين حزب شيوعي طلائعي حقا في الجزائر.

لأنه لا يمكن للجماهير الشعبية العاملة أن تسيير خلال تلك المرحلة خلف جوزيف، وأندريه و فرانسوا، حتى    و لو كانوا من خيرة المناضلين في سبيل قضاياها، لأنهم ينتمون للقومية الحاكمة التي ميزها الإمبرياليون الفرنسيون    و فضلوها على حسابهم، و عليها اٌعـتمــدوا في توطيد إستعمارهم، و تعزيز إستغلالهم و سيطرتهم على الشعب الجزائري، و نهبهم لثروات بلاده.

و بالعكس فأنهم يسيرون خلف زيد و بكر و أحمد، إذا ما أظهروا إخلاصا و تفانيا في النضال من أجل تحقيق أمانيهم الوطنية و الإجتماعية، و لأنهم إنبثقوا من صفوفهم و ينتمون لنفس القومية المظلومة و المهضومة الحقوق،    و يحـدثـونهم بنفس اللغة، و ينتسبون لنفس العادات و التقاليد، و يقاسمونهم السراء و الضراء و بهم يحتمون، تلك     هي بإختصار بعض العـوامل الأساسية التي أوجـبت مطالبة الأممية الشيوعـية بتعريب الأحزاب الشيوعـية في     الأقــطار العـربية.

أصبح بالإمكان تطبيق خطة التعريب من الناحية النظرية في الجزائر، و لاسيما إعلان إستقلال الحزب الشيوعي الجزائري و إنفصاله عـن الحزب الشيوعي الفرنسي، في المؤتمر السابع للأممية الشيوعية عام 1935، غـير أن التركيب العـضوي للحزب حـتى بعـد إنعقاد مؤتمره الأول في أكتوبر 1936، و كان يتألف في أكثريته من الأعـضاء و الإطارات الأوروبية، و تدخـل الحزب الشيوعي الفرنسي في شؤونه الداخلية، حال بينه و بين القيام بمهمة تعريب صفوفه حسب المبادئ الماركسية ــــ اللاتينية.

من الخطأ التفكير بأن مهمة التعريب تــنحصر في حشو بعض الهيئات المسؤولة في الحزب  بالرفاق العرب فحسب، بل و بإتباع سياسة وطنية تحريرية إستقلالية، ترمي أولا و قـبل كـل شيء إلى إنـجاز مهام الإستقلال الوطني للجزائر و العمل على إنتزاع حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بنفسه، مع محاربة في نفس الوقت أخطار الفاشية كأكبر خطر يهــدد مصير الإنــسانية جمعاء بالإستعـباد و الحروب و الدمــار.

                                   زيـارة موريس تـوريـز للجـزائـر عام 1939 و نتائجها

و كانت زيارة الرفيق موريس توريز، الكاتب العام آنذاك للحزب الشيوعي الفرنسي عام 1939 للجزائر مشفوعة بفرض نظرية جديدة على الحزب الشيوعي الجزاـئري و هي نظرية : ”الجزائـر أمة في طور التكوين ” تلك النظرية التي اٌتخذها حزبنا دستورا لسياسته الوطنية و الإجتماعـية منذ عام 1939 حتى إنبثاق حرب التحرير الجزائرية عام 1954، فقد جاء في خطاب ألقاء موريس توريز في شباط ( فـبراير) 1939 في الجزائر العاصمة ما يلي :

” يوجد هنا في الجزاـئر أمة تتكون تاريخيا، و يمكن لجهود الجمهورية الفرنسية أن تساعـد و أن تستهل تطورها، ألا يوجـد بينكم هنا الأحفاد المنحــدرون من العشائر النوميدية القديمة التي بلغـت خلال العصور السالفة درجة معينة من الحضارة، و استطاعـت أن تجعل من أراضيها إهراء لروما القديمة، و بينكم أحفاد أولئك البربر الذين أنـجبوا للكنيسة الكاثوليكية القديـس أوغسطان أسقف هيبون  (عنابة) و أنـجبوا في نفس الوقـت دونات الذي اٌنـشق  (عـن الكنيسة)،     و أحفاد أولـئك القـرطاجيين و الرومان و جميع الذين أسهموا خلال قـرون عـديـدة في إزدهار تـلك الحضارة، التي لا تزال بادية معالمها حتى اليوم بما تركـتة من آثار عديدة كأطلال تبسة و مدور، التي زرناها منذ بضعة أيام ، و هنا الآن أبناء العـرب الذين جاؤوا خلف رايـة النبي و كذلك أبناء الأتـراك اعـتـنقوا الإسلام و جاؤوا من بعدهم فاتحين جدد،        و اليهود الذين استوطنوا بكثرة هذه الأرض منذ قرون، إنصهر هؤلاء جميعا على أرضكم الجزائرية و اٌنضم إليهم اليونانيون و المالطيون و الإسبان و الإيطاليون و الفرنسيون، و أي فرنسيين، فرنسيون من جميع مقاطعاتـنا،           و بالأخص من فرنسيي الأراضي الفرنسية مثـل كورسيكا و سافوا، و من أرض الألــزاس الفرنسية الذين جاؤوا عام 1871 لكيلا يصبحوا بروسيين، هنا أمـة جزائرية تـتكون هي أيضا من إختلاط عشرين جنسا”.(موريس توريز نصوص مختارة حول الجزائر).

       يبدو لأول وهلة أن الهدف الأول من هذه النظرية هو ربط مصير الجزائر بمصير الجمهورية الفرنسية التي يمكن على حد تعبير الرفــيق موريس توريز أن تساعــد و أن تسهـل تكوين الأمة الجزائرية ودعامتها الأقـلية القومية الفرنسية،   و التخلص من مهمة التعريب و ما يفرضه من مهمات تتطلبها مرحلة النضال الوطني و منها تمتع الشعب الجزائري بشخصيته و بحقه في تقرير مصيره بنفسه من جهة و إطمئنان الأقـلية القومية الفرنسية على مستقبل إمتيازاتها من   جـهـة أخــــرى.

تم توسيع أفق التعاون في النضال الطبقي بين جماهير هذه الأقلية العاملة و الشعب الجزائري العامل، ذلك التعاون الذي بدأ بـقـوى في النضال اليومي مع إنتصار الجبهة الشعبية عام 1936 و إندحار الفاشية في فرنسا، و ما حققه ذلك الإنتصار من مكاسب إجتماعـية إنتـزعـتها الطبقة العاملة الفرنسية بفضل وحدتها حول مطالبها، و إنتزعت الجماهير الجزائرية العاملة بالإتحاد مع العمال الفرنسيين و الأوروبيين في الجزائر، الكثير من مطالبها الإجتماعـية       و حقوقها النقابية، بفضل ذلك الإتــحاد و النضال العـنيد، غير أن هذه النظرية لم تـتجاوب لا مع الحقيقة الجزائرية      و أماني الشعب الجزائـري القـومية، و لا مع المبادئ الماركسية ــــ اللينينية كما سنرى.

في ذلك العهد بالذات أي سنة 1939 بدأت العناصر البرجوازية الراديكالية الصغيرة و الزعماء الإشتراكيون الديمقراطيون في التحول عن خطة الجبهة الشعبية بعدما اٌشتدت مقاومة الإمبرياليين و الفاشيين الفرنسيين لها، و أخذ الخطر النازي بعد إنتصار الفرنكية في إسبانيا يلوح في الأفق بجلاء تام، كأكبر عارض و خطر يهدد أمن أورويا      و البشرية جمعاء، بشن حرب عالمية ثانية مدمـرة، و عادـت العناصر الفاشية بعد نكستها إلى سابق نشاطها في فرنسا نفسها، غير أن ذلك التعاون الذي حاول الرفـيق موريس توريز و الحزب الشيوعي الفرنسي توسيعه و  تمتينه في الجزائر لمجابهة ذلـك الخطر، لم يرتكز على أرضية ثابتة ، أرضية المطالب الوطنية و الإستـقلالـية التي كان يرنو إليها الشعب الجزائري بكليته و يتوخاها،  كما كان مستعد للتضحية بكل ما هو غال و عزيز من أجل تحقيقها، و التي قاومها الإمبرياليون و المعمرون الفرنسيون بشراسة تفوق حد الوصف.

                                   الجمهورية الفـرنسية و الـشخصـية الجزائرية

لم يوجد قومي جزائري آنذاك يعتقد بإمكانية مساعـدة الجمهورية الفرنسية لتسهيل مهمة تطور الشخصية الجزائرية، و بالأحرى الأمة الجزائرية، كما جاء في خطاب الرفـيق موريس توريز، لأن الجزائريين لم يشاهدوا من تلك الجمهورية سوى أشد أنواع الإضطهاد و القهر القومي و العنصري و أقـسى شروط الإستغلال و النهب الإستعماري     و السعي الحثيث في إبادة كل ما ينتمي للشخصية الجزائرية، مثـل محاولات تدمير اللغة العربية و فرض اللغة الفرنسية مكانها، و القضاء على الـتشريع الجزائري و إقامة تشريع فرنسي عوضه، و تزييف تاريخ الجزائر و الشعب الجزائري    و تفتيت وحدته بإقامة حواجز طائفية و قـبلية مصطنعة، ومحاربة العادات و التقاليد الجزائرية الإسلامية و الإعتداء على حرية الدين الإسلامي و على الكثير من المعابد الدينية الإسلامية … و هذا عدا القوانين العنصرية الثمينة التي فرضت على الجزائريين و عـدا إبادة الصناعات الحرفـية الجزائرية و الإستيلاء من الناحية التجارية على أسواق الجزائر        و تسخـيرها للأسواق الفرنسية و نهب أخصب الأراضـي الجزائرية و ثرواتها الباطنية و البحرية إلى ما هنالك.

VOYAGE DE MAURICE THOREZ EN ALGÉRIE (LE) - ANONYME - 1939 ...

                               من طرق التـنكـر لحقوق الـشعوب في تـقـرير مصيـرها

بالطبع ليست هذه المرة الأولى التي يتنكر فيها الإمبرياليون و من على شاكلتهم من الزعماء الإشتراكيين الديمقراطيين و الفوضويين لحق الشعوب و الأمم الأخرى في تقرير مصيرها. فـفي 20 يونيو 1866 يقول لينين: كتب ماركس يقول: ” أمس جرت مناقشات في مجلس الأممية حول الحرب القائمة… و قـد تمركزت المناقشات في مجلس الأممية كما كان ينبغي توقع ذلك حول مسألة القوميات و موقفنا منها… إن ممثـلي ” فرنسا الفتية ”  (غير العمال) قدموا وجهة النظر التالية : و هي أن كـل قـومية و الأمة نفسها هما من الأوهام البائدة، هذه شتيرنيرية ــــ برودونية…  (نسبة إلى شتيرنير ماكس في ألمانيا نظري الفردية البرجوازية و الفوضوية. برودن بيار جوزيف مفكر البرجوازية الصغيرة وأحد  مؤسسي الفوضوية في فرنسا السائدتين – الانجليزية و الروسية- عدم فهم واجباتهم الإشتراكية إزاء الأمم المظلومة، ترديد الأوهام المستقاة من برجوازية الأمة الكبيرة لينين نفس المصدر ص7. 4.)

 ينبغي للعالم بأسره أن ينتظر نضوج الفرنسيين ليقوموا بالثورة الإجتماعـية … لقد ضحك الإنجليز كثيرا عندما قلت في مستهل خطابي إن صديقنا ”لافارغ” و الآخرين، الذين ألغوا القوميات، يخاطبوننا بالفرنسية، أي بلغة لا يفهمها تسعة أعشار المجتمعـين. ثم ألمحت إلى أن ”لافارغ” دون أن يدرك ما يقول، يفهم كما يبدو من إنكار القوميات إمتصاصها من قبل الأمة الفرنسية ” .(لينين ــ ماركس ــ انجلس الماركسية الطبعة العربية ص9. 4- 410 دار الطبع و النشر باللغات الأجنبية – موسكو).

لقد حرم علينا نحن الشيوعـيين الجزائريين لفظ عبارة الشعب الجزائري خلال مرحلة طويلة من مراحل النضال، بعد الحرب العالمية الثانية و كـنا نستعمل كلمة أو عبارة السكان الجزائريين، بينما يقال الشعب الفرنسي لأنه حسب تلك النظرية الجديدة لم يتكون بعد من هذا الخليط شعب في الجزائر.

” كان من عادة ماركس، على حد قـوله، أن “يفحص أسنان” معارفه من الإشتراكيين، لكي يتأكد من درجة وعيهم و صلابة عقيدتهم  و قـد تعرف ماركس إلى لوباتين فكتب إلى إنجلس في 5 يوليو 1870 يطرى هذا الإشتراكـي الروسي الشاب أيما إطراء و لكـنه أضاف قائلا:

… ” و لكن فيه نقطة ضعف: بولونيا. حول هذه النقطة يتحدث لوباتين تماما كما يتحدث إنكليزي- و لنقل شارتي إنجليزي من المدرسة القديمة بصدد إيـرلندة ”.

و يسأل ماركس إشتراكيا من أمة مضطهدة ظالمة عن موقفه من الأمة المضطهدة المظلومة فيكشف فورا العـيب المشترك بين إشتراكــيي الأمتين. ”

                             الأضـرار التي سببتها هــذه النظـرية لحزبنا و للشعـب الجزائـري

من المؤسف هو أن هذه النظرية، نظرية ”الجزائر أمة في طور التكوين” لم تساعـد على رفع مستوى الوعي الوطني الثوري و الإجتماعي لا لدى حزبنا الشيوعي الجزائري و لا لدى الجماهير الشعبية الجزائرية و المثـقـفـين الثوريين، لإدراك حقيقة أوضاعهم و ما يترتـب عليهم خلال تلك المرحلة من الواجبات و الأدوار التي ينبغي عليهم القيام بها، لتوسيع أفق الصراع الوطني التحريري و الإجتماعي و تكوين جبهة وطنية جزائـرية واسعة  وقادرة على تجنيد أكبر عدد ممكن من تلك الجماهـير، لمجابهة مشاريع الإمبرياليين الفرنسيين الفاشيين و مقاومة الخطر الفاشي، و العمل في نفس الوقت على إنتزاع حقوقها الوطنية.

كما أنها لم تساعــد من ناحية أخرى جماهير الأقلية القومية الفرنسية العاملة، على رفع مستوى إدراكها الثوري لفهم حقيقة أوضاعها، و ما يبتغيه الإمبرياليون الفرنسيون من وراء منحها تلك الإمتيازات، التي كانت تتمتع بها على حساب الشعب الجزائري العامل و ما عينوه لها من الأدوار كآلة ضغط و قهر قومي و عنصري في أيديهم لمحاربة أماني الشعـب الجزائري الوطنية.

كما لم تفهم أيضا جماهير تلك الأقلية لا داخـل الحزب الشيوعي الجزائري و لا خارجة حقيقة الدور الذي ينبغي أن تقوم به كحليفة طبيعة لحركة التحرر الوطنية الثورية، و ضرورة مساعـدتها لجماهـير الشعـب الجزائري العاملة، على إنتزاع حقوقها الوطنية و حقها في تـقـرير مصيرها كمرحلة أولى من مراحل الثورة الإشتراكية و ربط مصيرها بمصير التحرر الوطني في الجزائـر، مما يعود بالنفع في آخر المطاف لمصالح البروليتاريا في كلا القطرين الجزائري           و الفرنسي، و يساعد أيضا على تطورهما الإجتماعي.

كان من نتائج تلك النظرية بقاء حزبنا الشيوعي الجزائري على هامش الحركة الوطنية التحريرية و لهذا فقد إندلعـت الثورة و حرب التحرير الجزائرية عام 1954 دون علمه و خارج نطاقه مع أن نشاطه الدائب، كان من العوامل الأساسية التي أسهمت موضوعـيا بقـسط وافـر في إندلاعها و الأدهى من ذلك أن فـكرة الاستقلال الوطني كانت تعتبر ظاهرة سلبية يستحق من يعمل على نشرها داخـل الحـزب الطرد من صفوفه بتهمة الإنـحراف القومي و كم من الرفاق الجزائريين طردوا من صفوف الحزب بهذه التهمة، أذكر منهم منظمة الأغواط الحزبية … و من المستحب حسب رأيي إعادة النظر في قضايا كافة الذين طردوا من الحزب بهذه التهمة.

ساهمت هذه النظرية حسب رأيي في إطالة أمد الحـرب في الجزائر، لازالت أذكر ما قدمه رئيس الحكومة الفرنسية الإشتراكـي الديمقـراطي ” قي مولي ”  من الحجج لتبرير رفـضه لمطالب الثورة الجزائرية، بأن ليس هناك في الجزائر أمة حتى يستجيب لطلبها، و أنكر الجنرال ” دو غـول” عـدة مراـت وجود مثـل هذه الأمة في الجزائر، بينما اٌعترف بوجودها في تونس و المغرب.

كان شعار الإستقلال الوطني محرم على الرفاق الجزائـريين تداوله داخل الحزب لغاية سنة 1952 على وجه التقريب و يعد كل من يطالب به من الشيوعيين الجزائريين منحرفا و قوميا برجوازيا عقابه الطرد من الحزب و الحركة الشيوعـية و نتيجة ذلك تحمل حزبنا الكثير من الخسائـر و الأضرار في الميدان الوطني.

ساد الإعـتقاد خلال مرحـلة طويلة لدى الحزب الشيوعي الفرنسي و الجزائري بالنظرية التالية و هي :” أن تحرير الجزائر من نير الإمبرياليين الفرنسيين لن يكون من صنع الشعب الجزائري العامل و الفلاح، بل من صنع الطبقة العاملة الثورية الفرنسية و حزبها الشيوعي. و بذلك يتوفـر للجزائر حسب هذه النظرية، تخطي المرحلة الرأسمالية إلى مرحلة بناء الإشتراكية مباشرة. غـير أننا لو فحصنا هذه النظرية بعـمق أكثر لوجدناها تهدف إنكار حق الشعـب الجزائري في تقرير مصيره بنفسه، إذ ليس للطبقات العاملة الثورية في بلاد المتربول و أحزابها الشيوعـية سوى القيام بدور المؤيد   و المساعـد للحركات الوطنية الثورية و التحررية في المستعـمرات في هـذا التحرر حسبما نصت عليه التعاليم الماركسية ــــ اللينينية، و بهذا الصدد يقول لينين ” … و لذا يترتب على الإشتراكيين ألا يطالبوا فقط بتحرير المستعمرات فورا دون قـيد أو شرط، و دون أي تعويض، ـــ الحال أن هذا المطلب لا يعـني بتعبيره السياسي سوى الإعــتراف بحق حرية تقرير المصيرـــ إنما ينبغي عليهم أيضا أن يؤيـدوا و يساندوا بأشد العزم و التصميم العناصر الأكثر ثورية في حركات التحرر الوطني البرجوازية الديمقـراطية في هذه البلدان، و أن يساعـدوا في قـيام ثورتها و في نشوب حربـها الثورية عـند الإقتضاء ضد الدول الإمبريالية التي تضطهدها ”. (لينين حركة شعوب الشرق الوطنية التحريرية الطبعة العربية ص 181 – 182.)

                                                 الإحـتـلال الفـرنسـي للجـزائـر

إصطدم الجيش الفرنسي عند غـزوته تراب الجزائر في 14 يونيو 1830 بجيش جزائري بلغ عدده 150 ألف مقاتل عـدا جنود الداي، و هذا في مقاطعة الجزاـئر العاصمة وحدها، حسب تصريح ”الم دي ساد” عضو اللجنة الإفريقية في البرلمان الفرنسي عام 1834.

و كانت إحدى الأسباب المعلنة لتلك الغزوة هي الإنتقام من داي الجزائر، الذي تجرأ حسب إدعاء الفرنسيين، على ضرب ممثـل فرنسا في الجزائر بمروحيته، بحضور جماعة من الدبلوماسيين الأجانب و أهـان الشرف الفرنسي.

أما الأسباب الخفية فعديدة أيضا  و منها، ــــ عدا التزاحم على إقـتسام بلاد العالم بين الدول الإمبريالية آنئذ      و التسابـق لإمتلاك مستعمرات جديدة ــــ التخلص من تسديد الديون بالذهب التي إقـترضتها الحكومة الفرنسية دون فوائد من الجزائر، و كانت الحكومة الجزائرية هي الحكومة الوحيدة آنئذ التي مونت فرنسا عام 1797 بالقروض و الحبوب لإنقاذ الشعب الفرنسي من مجاعة كانت تهدده، بسبب الحصار الإنـجليزي.

إقـترنت مرحلة الإستعمار في الجزائر بسلسلة متتابعة من الحروب و الثورات إبتدأت من سنة 1830، و انتهت بالحرب التحريرية في أعـوام 1954 – 1962 و بانتزاع الجماهير العاملة الجزائرية و الفلاحين الإستقلال التام و حقهم في تقـرير مصيرهـم، قـدمت خلالها تلك الجماهير و الشعب الجزائري بأجمعه، ضحايا لا تقدر بثمن من الأنفس        و الأموال، و ما تحمله الجزائريون من تدمير الآلاف من مدنهم و قراهم بإسم التهدئة و التمدين على أيدي جيش الغزاة الفرنسيين، كما كانوا عرضة لنهب أملاكهم و أراضيهم و أرزاقهم دون عقاب.

                         المقاومة الجزائرية برهـنت عـلى وجـود شعـب و أمة جزائـرية

لم تقتصر مقاومة الجزائريين للإحتلال الفرنسي على مقاطعة واحدة من مقاطعات الجزائر، بل عمت سائر تلك المقاطعات الواحدة تـلوى الأخرى، من أقـصى الشمال إلى أقـصى الجنوب، و من الغرب إلى الشرق، و وجد الفرنسيون عـند احتلالهم الجزائر شعـبا جزائريا مؤلفا من عـرب و قـبائل، زادت تلك المقاومة المستميتة ضد عـدوانهم في تعزيز وحدته و تماسكه و بتعزيز الشعور الوطني و الديني الإسلامي لديه.

كما وجدوا أمة جزائرية تتمتع بكافة الخصائـص الأساسية التي للأمة، بوجود جماعـة قـارة ثابتة من الناس تألفت تاريخيا من عـرب و قـبائل، تجمع بينها بوجه عام جامعة اللغة و الأرض و الحياة الإقتصادية، و التكوين النفسي الذي يجد له تعبيرا في الثقافة المشتركة و وحدة المصير التاريخي، و توفــر إمكانيات التكامل الإقتصادي، ثم وجود الإرادة لدى كافة الجزائريين في تكوين الأمة الجزائرية أمتهم، إلى ما هنالك…

و وجـد المحتـلون دولـة جزائرية بأجهزتها الإدارية الملائمة لذلك العصر، و هي و إن كانت تابعة إسما للباب العالي أي الإمبراطورية العثمانية، إلا أنها كانت عمليا تتمتع بكامل إستقلالها، و يقال بهذا الصدد ـــ أن الحكومة الجزائرية قد أبرمت منذ عام 1619 حتى 1830 مع الحكومة الفرنسـية وحـدها 57 معاهدة صداقة و تحالف ــــ كما وجـدوا أيضا لدى الحكومة الجزاـئرية جيش منظم و موظفـين، و بينهم الكثير من الأتراك الذين إستسلموا لأول ضربة للجـيش الغازي، بينما استمر الجزائريون في مقاومتهم الضاريـة العنيفة للعـدوان، و وجدوا أيضا صناعات حرفية جزائرية متطورة و متأصلة ـــ تعهدوا بالمحافظة و بعـدم الإعـتداء عليها و أسواق محلية و جهوية و مــدن و قــرى و آثار تاريخية تشهد بوجود حضارة عـربية و إسلامية متأصلة أيضا، و مراكز علمية مثل مكتبة المعصوم التي أسسها الرستميون في الجزائر، و كان فيها مجموعة نادرة من الكتب العلمية و التاريخ و الرياضيات، و بلغ عدد المراكز العلمية آنذاك ما ينوه عن 500 مركز، دمـرها المحتلون الفرنسيون بما فـيها مكتبة الأمير عبد القادر و مـدرسة سيدي أبي مديـن في تلمسان  و يعـود تاريخ تأسيسها إلى عام 1346 ميلادية، و ما عـداهـا من المؤسسات العلمية التي تبارى في تأسيسها و لاسيما بنو زيان، و أمراء بني مرين لــنشر العلوم و الرياضيات في الغـرب الجزائري و تلمسان، و كان عــدد الأميين في الجزائر أقـل بكثير مما كان عليه في عهد الإحتلال الفرنسي.

أجـل لم يكن الوعي القومي و النضوج الإجتماعي متطورا مثـلما هو عليه اليوم، و كان العنصر الديني متغلبا، مما أدى بالمسلمين الجزائـريين إلى القعود عن مقاومة العناصر التركية القائمة على رأس الحكم بإسم الدين الإسلامي رغم جورها و ضعفها و انحلال نظامها، و بالعـكس كان كبار الملاكـين الجزائريين و التجار و زعماء القبائل و شيوخ الزوايا، يعلمون على تأييدها و نصرتها و الإنــطواء بإسم الديــن تحت لـوائها، للإحتفاظ بامتيازاتهم المجحفة و بإستغلالـهم لجماهـير الشعب الجزائري و الفلاحين…

أما الذين لا يزالوا يتبجحون حتى اليوم من الجزائريين بحسنات تـلك العناصر، و بالإحتلال التركي الذي أنقذ على زعمهم الإسلام في الجزائر، من ويلات الإحتلال الإسباني و البرتغالي و من محاكم التفتيش خلال القرون السالفة يمكن سؤالهم : لماذا بقي الإسلام في المغـرب الأقـصى ؟ الذي رد شعبه جيوش الإحتلال التركي عن تراب بلاده بنفس الشدة و الحزم الذي رد بهما جيوش الغزاة الإسبان و البرتغال، و اٌنتصر عليهم جميعا و بقي محافظا على إستـقلالـه التام و على إسلامه.

                                  حكومـة ما بعـد الإحـتلال الـفـرنسي

إن ما بذلـه الأمير عـبد القـادر و أنصاره منذ و قبل إختياره بتاريخ 22 نوفمبر 1836 رئيسا لهيئة أركان حرب الجيش الجزائري الجديد، و الحكومة الجزائرية الجديدة من جهود جبارة في تكوين دولة عربية إسلامية حديثة تمكنت آنئذ في أقصر وقت من تجنيد الشعب الجزائري ـــ ما عـدا الأماكن المحتلة ـــ تحت لواء المقاومة و الحرب ضد الغزاة المعتديـن، و لاسيما في الغـرب الجزائـري.

و تمكنت تلك الحكومة في نفس الوقت من تشجيع العلوم و التعليم و اتخذت من الزوايا و المساجد ملجأ       و موضعا لنشر العلوم و المعارف بين الجماهير الشعبية و الفلاحين، و أقامت المحاكم الشرعية للقضاء بين المواطنين و أنـشأت أيضا مختلف الأجهزة و الإدارات السياسية و الإقتصادية و المالية و التموين. و اٌهتمت بتوسيع الصناعات الحربية منها و المدنية على قدر استطاعـتها المحدودة آنذاك، رغم الحصار الذي ضربته الجيوش الفرنسية حولها، و من إنشاء جيش تمكنت بواسطته و بواسطة المقاومة الشعبية من الصمود 17 عاما في وجه جيوش الغزاة الغاصبين،       و كانت تـفـوقه بما لا يقاس عدة و عـددا و كـبدها خسائر لم يشاهــد تاريخ الإحتلال الفـرنسي مثلها.

و ليس ذلك إلا إحدى البراهـين الساطعة على وجود شيء مشترك يجمع بين الجزائريين يدعى علميا الأمة،     و على بلوغ هذه الأمة درجة معلومة من الحضارة.

          حصيلة عهد الإحتلال الفرنسي و هـل قضت هذه الحصيلة على الأمة الجزائرية ؟

إذا سلمنا بصحة هذه الشروط، بقي علينا أن نبحث فيما إذا قـضي المستعمرون الفرنسيون باٌحتلالهم و بسياستهم الإمبريالية على وجود هذه الأمة أم لا.

من المعلوم أنه من المستحيل القضاء على وجود أمة مثـل الأمة الجزائرية تألفت تاريخيا كما ذكر آنفا من العرب       و القبائل بلغت درجة معلومة من الحضارة خلال التاريخ و أنـجبت عـلماء عالميين، مثـل محمد بن الوراق أحد النابغين في علم الجغرافـيا و المـؤرخ اللامع المقـري مؤلف كتاب نفح الطيب، و أحمد بن قـنفذ القسنطيني المؤلف في القانون الدستوري و له كتاب الفارسية في مبادئ الدولة الحفصـية، و يمكن إضافة إلى هؤلاء العلماء الأجلاء المئات من غيرهم و منهم العالم الإجتماعي العالمي عـبد الرحمن  بن خلدون صاحب المقـدمة المشهورة في العالم… لا يمكن القضاء على مثـل هذه الأمة إلا بإبادتها جسديا من على وجه الأرض. غـير أن الظواهر تبدي أنه رغم كل أنواع القمع الدامي       و التـنكيل الوحشي و الإبادة الجماعـية و التدمير التي أبداها و ارتكبها الغزاة دون رأفة، لإسـتـئصال شأفة المقاومة الجزائرية، لم يتمكنوا من إبادة هذه الأمة و الدليل على ذلك هو وجودها اليوم ماثـلة أمام أعـيننا.

إن كل ما صنعه الإمبرياليون الفرنسيون، بصورة موازية لأعمال الفتك و التدمير و الإرهاب الدامي الذي سلطوه مدة 132 عاما على الشعب الجزائري الكادح، هو: نهب أموال الجزائريين و أملاكهم و أراضيهم. نهب ثروات الجزائر المنجمية و غـير المنجمية، و التصرف بها على أهـوائهم و حسب مشيئاتهم دون محاسب أو رقـيب. إغتصاب أخصب الأراضـي و الأحراش الجزائرية، تسليط الأحكام العسكرية و القـوانين الأهلية ( أنديـجينا ) عـلى الجماهير الشعبية العاملة و الفلاحـين و فـرض الجهل و البؤس عليهم. فـرض حالة التبعية على الأسواق و الإقتصاد الجزائري و ربطة بعجلة الأسواق و الإقـتصاد الإمبريالي الفرنسي.

و تثبيتا لإستعمارهم و إحتلالهم فـتح الإمبرياليون الفرنسيون أبواب الجزائـر أمام هجرات الفرنسيين و الأوروبيين الأجانب و منحوهم مختلف الإمتيازات على حساب الجزائريين. و رغـم جهودهم المستميتة في غرس الفرنسية و الأوروبيين على تراب الجزائـر، لم يتمكنوا من توطين حتى سنة 1954، سوى ما يقارب 800 ألف أوروبي بما فيهم يهود الجزائر الذين أصبحوا يتمتعون بحق المواطنة الفرنسية منذ عام 1870 طبقا لمرسوم كريميو، و بكـل ما يتبع ذلك في إمتيازات إسوة بالأقلية القومية الفرنسية أي على حساب الشعب الجزائري أيضا، من سكان بلغ عددهم ما يفوق عن 10 ملايين جزائري. و عليه لم تساعــد الجمهورية الفرنسية ليس فـقـط على تعزيز مقومات الشخصية و الأمة الجزائرية بل بالعكس عملت منذ البداية حتى النهاية على تدميرها و إبادتها.

                                             شـروط تـكويـن الأمـم

لا شك أن شروط تكوين الأمم أوسع و أعــقـد من أن تحـدد بأربعة أو خمسة شروط، إذ نحن نرى اليوم لكل أمة ظواهر خاصة متعددة الجوانـب و معقدة التركيب في تكوينها، و تختلف نوعا ما عن ظواهر التكوين و التركيب في أمة أخرى.

     إذا كان من المفروض بأن الأمم الأوروبية أخذت في التكوين إبتداء من القرن الثاني عشر ميلادي على وجه التقريب، أي في العصور الإقـطاعـية حيث لا أنظمة رأسمالية متطورة و متمركزة، و لا نمو إقتصادي و إجتماعي      و ثقافي متناسق و مشترك و لا وسائل نقـل سريعة، و لا أسواق تجارية محلية و وطنية كبرى و جامعة بالمعـنى الحديث إلى ما هنالك … فكيف بوسط الشمال الإفريقي الذي هو الجزائـر، التي كانت ذاك العـصر حيث لا الأنـظمة الإقــتطاعية بالمعنى الأوروبي فيها مفقودة، و حيث كانت التجارة فيها على مستوى مرتفع و الصناعات اليدوية متطورة أكثر منها في الأقــطار الأوروبية، و هذا يعـني أن شروط الأمة كانت فيها متوفـرة آنذاك أكثر مما في القارة الأوروبية.

    أليست في النهاية أن المقاومة المسلحة الضارية و العنيفة، التي أبداها الجزائريون رغم ما تكبدوه من أكبر التضحيات، منذ الإحتلال حتى الإستقلال، و في كل بقعة من بقاع التراب الجزائري لإجلاء جيوش الغزاة المحتلين عن تراب بلادهم و إنتزاع حقهم في تقرير مصيرهم و إستقلالها خلال القرنين التاسع عشر و العشرين، إلا من الأدلـة الدامغة على وجود إرادة مشتركة بين الجزائريين في المحافظة على شيء مشترك بينهم يدعى الأمة ؟

     إذا أردنا بحث هذه النظرية، نظرية ” الجزائر أمـة في طور التكوين” على ضوء التعاليم الماركسية ــــ اللينينية، تبين لنا على أقـل تـقـديــر أنها نظرية ميكانيكية طالما أنها لم تأخد في الحسبان وجود أعظم عائق في طريق مثل هـذا التكوين، ألا و هو الإمبريالية الفرنسية، و بوضعها على صعيد واحد الشعوب التي استوطنت الجزائر خلال العصور السالفة، و ألـفـت بينها أمة، حكم عليها الإمبرياليون الفرنسيون بالإستعباد بقوة الحديد و النار، و الأقــلية القومية الفرنسية التي غـرسوها عـقـب إحتلالهم الجزائر في 1830 لأغـراض إستعمارية بحتة، لدعـم سيطرتهم و لتوسيع نطاق إستغلالهم للشعـب الجزائري، و التي تنتمي بالنتيجة الى الأمة الحاكمة و تتمتع لذلك باٌمتيازات سياسية، إقـتصادية، إجتماعـية      و ثقافـية كبرى على حساب الشعب الجزائري العامل المظلوم و المحروم من سائر حقوقه الوطنية و من التمتع بشخصيته و الخاضع أيضا و في نفس الوقــت لإستغلال هذه الأقــلية الفرنسية نفسها.

و بمعنى أدق تضرب هذه النظرية صفحا عن وجود الإمبريالية الفرنسية و الرأسمال المالي، أي عن وجود الإحتكارات الفرنسية و العالمية من تروستات و كارتيلات و غـيرها، و عن سيطرتها على مصادر الإنتاج و الخامات   و الثروات الجزائـرية، و ما ينتج عن ذلك من نهب منظم لثروات الجزائر و اٌستغلال جماهـيرها العاملة أبشع إستغلال   و التحكم بمصير الشعب الجزائري، بعد سلبه بقوة الجديد و النار من كافة حقوقه الوطنية منها و الإجتماعـية و إليكم ما أشار إليه لينين حول مثـل هــذا الوضع:

” لقـد وجـدت سياسة الإستيلاء على المستعـمرات و وجـدت الإمبريالية قـبل أن تبلغ الرأسمالـية مرحلتها الحديثة، و حتى قـبل الرأسمالية، فـروما القائمة على نظام العـبودية قـد مارست سياسة الإستلاء على المستعـمرات و حققت الإستعمار.     و لكن البحث ـــ بصورة عامة ـــ  في الإمبريالية مع نسيان  أو إهمال الفرق الأساسي بين النظم الإجتماعية ـــ الإقتصادية يؤول حتما إلى هذر فارغ أو الى تبجح من نوع المقارنة بين روما العظمى و بريطانيا العظمى. فحتى السياسة الإستعمارية التي مارستها الرأسمالية في مراحلها السابقة تختلف إختلافا جوهريا عن سياسة الرأسمال المالي الإستعمارية” (لينين حركة شعوب الشرق الوطنية التحررية. ص 198.)

 تجاهلت هذه النظرية وجود الأمة الجزائرية خارج نطاق الأقلية القومية الفرنسية التي لا يمكن ان تجمعها بالجماهير العاملة و الشعب الجزائري الكادح جامعة، طالما أنها لم تـتخل عما منحه إيـاها المستعمر من إمتيازات على حساب هذا الشعب الكادح، و طالما أنها لم تـتخـل عن الدور الذي حددوه لها كسلاح في أيديهم لمقاومة حركة التحرير الوطني الجزائرية، و طالما أيضا أنها لم تـتخل عن ربط مصيرها بمصير الإستعمار الفرنسي، و طالما أنها لم تربط مصيرها بمصير الشعب الجزائري و حركته الوطنية. و بالنتيجة تجاهلت هذه النظرية وجود حركة التحرير الوطنية الجزائرية و دورها من تلك المرحلة من مراحل الإستـقلال الوطني  و حقها في تقرير مصيرها بنفـسها. و هذا ما حرره لينين حول هذا الحق: ”… فإذا أردنا، بعد هذا، ن نفهم معنى حرية الأمم في تقرير مصيرها، دون  أن نتلاعب بالتعاريف الحقيقية و دون أن “نخـترع” مفاهيم مجردة، بل بتحليل شروط الحركات  القومية التاريخية و الإقتصادية فلا بد أن نصل إلى النتيجة التالية: إن المقصود بحرية الأمم في تقرير مصيرها هو إنفصالها كدول عن مجموعات قومية أخرى و هو بالطبع تأليفها دولا قـومية مستقـلة.” (لينين نفس المصدر ص 113 – 114.)

قد يقال أن مثـل هذه النظرية كانت تقدمية في عهد أنكر فيه المستعمرون الفرنسيون حتى وجود لشخصية الجزائرية، و لكن ما نصيب مثـل هذا الإنكار من الصحة و الواقع الجزائري ؟ و هل منع بالفعـل وجود الأمة الجزائرية  و تطور نضالها الوطني التحريري و الإجتماعي و تماسكها ؟ و هل منع شعبها الحثيث لإنتزاع إستقلالها و حقها في تقرير مصيرها ؟ بالطبع كلا . إن كل ما أراده المستعمرون من وراء هذا الإنكار هو تخليد سيطرتهم و إستعمارهم للجزائر بإسم الجزائر ثلالـث ولايات فرنسية.

      و إن الإجابة على نظرية ذاتية مجردة، لا تستند لا على العلم و لا على  الحقائق  التاريخية، و لا على الواقع الملموس، بنظرية ذاتية غـير موضوعـية مجردة لا تتلاءم و الواقع التاريخي لمرحلة التحرير الوطني، و لا تساعـدها على بلوغ أهدافها و إنتزاع حقها في تقرير مصيرها لا يمكن إعتبارها نظرية تقدمية، و من الشواهـد على ذلك إستساغة المستعمرين لها، و سماحهم بإنتشارها و إعلانها حـتى أمام محاكمهم. بينما أنكرها الوطنيون الجزائريون من كـل حدب  و صوب، و قاوموها بشدة لأنهم رؤوا فـيها حجر عـثرة في طريق نضالهم التحريري و مانع لهم عن بلوغ أهدافهم الإستقلالية و حقهم في تقرير مصيرهم. و يقول لينين في نفس المرجع حول هذا الحق ما يلي:”… كما يعني أن حرية الأمم في تـقـريـر مصيرها ، لا يمكن أن يكون لها في تاريخ الماركسيين من الوجهة التاريخية الإقتصادية سوى معنى واحـد هو حرية تـقـريـر المصير السياسي، أي الإستـقلال كـدولة، أي إنـشاء دولة قومية ” (ص 1219.)

     و جاء في رسالة لإـنجلس إلى كاوتسكي بتاريخ 12 سبتمبر 1882 حول حق الأمم في تقرير مصيرها ما يلي:

    ”… إن البروليتاريا الظافرة لا تستطيع أن تفرض أي سعادة على شعب أجنبي دون أن تقوض بذلك إنتصارها بالذات.” (لينين نفس المصدر ص 270.)

                                  الإمبرياليون الفـرنسيون و الشخصية الجزائريـة

بالرغم من تعهداتهم بالمحافظة على التقاليد و الثقافة العربية و اٌحترام الدين الإسلامي و الشخصية الجزائرية، حارب الإمبرياليون الفرنسيون دون رأفـة كل ما تعهدوا بالمحافظة عليه و اٌحترامه، منذ بدء إحـتلالهم، فعلموا للقضاء على الشخصية الجزائرية، و قاوموا بشدة اللغة و الثقافة العربية، فحرم تعليمها في المدارس و اٌعتبرت لغة أجنبية،      و داسوا أقــدس مقـدسات الشعـب الجزائري، و عملوا على مسخ أشرق عاداته و تقاليده الثورية و التقدمية، و تدخلوا في شؤون الدين الإسلامي،  و أرغموا الشعب الجزائري العامل على الخضوع لقوانين التمييز العنصري  كقانون ”الإنديجينا”  بعد ما حرموا من كافة حقوقهم الوطنية و الإجتماعية، و لم ينج من طائلة تـلك القوانين الجائرة سوى من تعاون معهم من كبار الملاكين و التجار و الباشغاوات و القياد على إستغلال جماهير الشعب الجزائري العاملة و الفلاحين.

      تجاهلت تلك النظرية بالمرة العامل الأساسي من عوامل القضاء على الشخصية الجزائرية و بالنتيجة الأمة الجزائرية، ألا و هو  وجود الإستعمار الفرنسي، و ما تبع هذا الوجود من قهر قـومي و إجتماعي، و نهب و إستغلال   لا يرحـم، و من محاولات متكررة و متسلسلة لتدمير الشخصية الجزائرية و إحلال محلها الشخصية الفرنسية، حتى أصبح يدعى الجزائري رسميا فرنسي مسلم، و ما خلفه هذا الوجود من عـراقـيل و موانع، في وجه تطور و تقدم الشعب الجزائري الطبيعي، و في وجه نضاله الوطني التحريري و الإجتماعي، بغية إطالة أمد إستعباده، و صده عن بلوغ أمانيه في التحرر  و الإستقلال الوطني، كما تجاهـلـت أيضا ما يترتب على الجماهـير الجزائرية العاملة من قضايا و واجب في نضالها التحريري و الإجتماعي لتأمين انتصارها.

     أخفـت تلك النظرية حقـيقـة الــدور الذي حدده الإمبرياليون للأقـلية القومية الفرنسية، كآلة ظلم و اٌضطهاد في أيديهم ضد مجموع الشعـب الجزائري و حركته الـوطنية  الـتحريرية، و قـد ظهر هـذا الدور بأشد وضوح للرأي العام العالمي خلال حرب التحرير الجزائرية 1954 – 1962، عـندما هاجمت قطعان الجيش السري (O.A.S) الجماهـير الجزائرية العاملة و الشعـبية، تمعن فـيها قـتلا و تدميرا.

    تجاهلت تلك النظرية أيضا تاريخ المقاومة الجزائـرية المتواصـلة الحلقات منذ الغـزو الإمبريالي الفرنسي للجزائر،     و دور النضال الوطني التحريري القائم و يعــتبر شكلا جديدا من أشكال تلك المقاومة لـتحقـيق إستـقلال الجزائر، كمرحلة أولى لازبـة لبلوغ الثورة الإشـتراكـية و الـتحـرر الإجتماعي و ألغته بالمرة ليحـل محله النضال الطبقي كهــدف وحـيد للطبقة العاملة و الشعـب الجزائري أسوة بالطبقة العاملة الفرنسية، و كانت جريدة الحزب الشيوعي الجزائري المركزية تدعى آنذاك ”الكفاح الإجتماعي” في تلك المرحلة بالذات مرحلة التحرر الوطني و الإستقلال بالنسبة للشعـب الجزائري الكادح، مرحلة حق الشعـوب في تقرير مصيرها.

     كان من الصعب عـلى تـلك النظرية التوفـيق بين مصالح الأقـــلية القومية الفرنسية الحاكمة في تحويل الجزائر إلى ثلاث مقاطعات فرنسية، و كانت تـنادي آناء الليل و أطراف النهار بشعار: ”الجزائـر ثلالث مقاطعات فرنسية” و تكافح بكل قواها من أجل الإحتفاظ باٌمتيازاتها، و بالنتيجة بالنظام الإستعماري في الجزائر، و بين جماهير الشعب الجزائري العاملة، التي كانت تصبو و تـتطلع بكل جوارحها لإستقلالها الوطني و لحقها في تقرير مصيرها بنفسها، كمخرج وحيد للتخلص من ويلات الإحتلال و من عبودية القهر القومي و الإستغلال و الإذلال الذي سلطه عليها ذاك الإحتلال،    و تأمل في التمتع بحرياتها الوطنية و الديمقراطية التامة و بسيادتها.

                                   من نتائج تـلـك النظـرية عـلى حـزبـنـا

   عزلت تلك النظرية حـزبـنا الشيوعي الجزائري في ميدان النضال الوطني التحريري عن جماهير الشعب الجزائري الأساسية رغم نشاطه الدائـب و جهوده المتواصلة في محاربة القمع الإمبريالي، و لتحقـيق مطالب تلك الجماهير الوطنية منها و الإجتماعية و رمته في أحضان الأقــلية القومية الفرنسية، لذلـك فـمحاولة الجـمع بين جماهير الأقـلية القومية      و الشعب الجزائري العامل على أساس أن في الجزائر أمة في طور التكوين، كانـت محاولة فاشلة، لا يمكن أن يكتب النجاح لها في ظل الإمبريالية الفرنسية، و لأن الشعب الجزائري بأسره رفضها رفضا باتا، لعدم تجاوبها مع أمانيه القومية التحريرية، و لوضعها إيـاه على صعيد واحد مع ظالميه و مضطهديـه، الذين لم ير منهم  سوى أشد أنواع القهر القومي و الإستعباد العنصري، و الفـقــر و اٌمتهان كرامته، و عليه فقد جاءت ـــ هذه النظرية ـــ مناقضة لمطامحه التحريرية و للتعاليم الماركسي ــــ اللينينية في آن واحد، تـلك التعاليم التي كانت أول من نادى بحق الأمم كافة في تقرير مصيرها بنفسها، كما تشاء و تختار دون وصاية و لا حماية أحـد.

                                             دور الـلغة في تـكـويـن الأمـم

     يوضع في النتيجة أمامنا ســؤال هام و وجيه و هو: بما أن اللغة هي إحدى الخصائص الأساسية المكونة للأمة، إذن ما هي اللغة التي ستـتكلم بها هـذه الأمة الجزائرية التي تتكون تاريخيا في الجزائر ؟ من المظلومين و الظالمين، مع العلم بأن اللغة العربية التي هي لغة الأكــثرية الساحقة من الجزائـريين و معترف بها من جانبهم، كانت آنذاك في الجزائر مضطهدة و محرم إستعمالها رسميا و معتبرة لدى الحكام الفرنسيين كلغة أجنبية، ليس فـقط يحرم تعليمها في المدارس بل و يصح من يعلمها عـرضة للملاحـقة أمام المحاكم الفرنسية، و لمختـلف العقوبات و بالعكس كانـت اللغة الفرنسية هي اللغة الشرعـية و الرسمية الوحيدة في الجزائر، فأي اللغتـين المفـروض أن تـكون لغة هـذه الأمة التي تتكون تاريخيا في الجزائر ؟ مع العلم أيضا بأن الكره و الإحتقـار لدى الحكام الفرنسيين و الأقــلية القومية للغة العربية يعادل نفس الكره المشروع لدى الجزائـريين للغة الفـرنسية و لكـل ما هـو فرنسي و بهـذا الصدد يقـول لينين:

     ” إن ظلم الدول الإمبريالية للأقـوام المستضعـفة و المستعمرة خلال القرون لم يترك في جماهير الكادحين في هذه البلدان المظلومة النقمة و حسب، إنما ترك فـيها أيضا عدم الثـقة حيال الأمم الظالمة بوجه عام، بما في ذلك بروليتاري هذه الأمم …”. (من موضوعات المؤتمر الثاني للأممية الشيوعـية، لينين حول وحدة الحركة الشيوعية العالمية. ص 249 الطبعة العربية).

      تلك هي باٌختصار بعض العـوامل التاريخـية  و الإقـتصادية و السياسية التي أدت الى فشل هذه النظرية، و أورثت حزبــنا العـزلة عـن مجموع الحركات الوطنية التحريرية في الجزائر، لعـدم تجاوبها مع الواقع الجزائري و لعدم إستـنادها على المبادئ و التعاليم الماركسية ــــ اللينينية، في القضايا القومية و قـضايا المستعمرات. و قد برهنت الجماهير العاملة       و الشعب الجزائري على محك التجربــة و العمل على قــلة عــمق هـذه النظرية و قـلة إدراكـها للقضايا القومية و قضايا المستعمرات، و بالأخص بعد اٌنتزاع الشعب الجزائري الكادح و الفلاح إستقلاله و حقه في تقرير مصيره بيده،          و بمساعـدة الشعـوب العـربية و الأقـــطار الإشتراكية و في طليعـتها الإتــحاد السوفيتي و كافـة قـوى الحرية و السلم في فـرنسا و في العالـم أجـمع.

محمود الأطـرش    15 فـبراير 1973

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *