ماركس، رأس المال والإنسان- السلعة: برونو غيغ*- ترجمة: علي إبراهيم

ماركس، رأس المال والإنسان- السلعة: برونو غيغ*- ترجمة: علي إبراهيم

حين انخرط ماركس، في كتابه بؤس الفلسفة، في انتقادٍ قاسٍ لمنهج برودون، اتّخذ مثالًا موجّهًا، كما كان يراه، من أجل توضيح عبثية التوفيق بين مفاهيم متناقضة: ذلك التعارض المثالي هو التعارض بين الحرية والعبودية. وقد ميّز بين العبودية غير المباشرة، تلك التي تخضع لها البروليتاريا، وبين العبودية المباشرة وضحاياها من السود في المستعمرات، لقد رأى في النوع الثاني “محور التصنيع الراهن”، وهو يعادل “الآلات” و”القروض”. وقد كتب في هذا الصدد أنّه بدون العبودية “لا قطن لديكم، وبدون القطن لا تملكون الصناعة الحديثة. العبودية هي التي أعطت قيمة للمستعمرات، والمستعمرات هي التي أوجدت التجارة في العالم، والتجارة العالمية هي الشرط الضروري للصناعة الميكانيكية الكبرى.”(1) ينبغي للمرء مع ذلك أن يتساءل، أيّ تصوّرٍ لظاهرة العبودية، يكمن وراء هذه المعادلة؟ وماذا عن نظرية العبودية بالضبط لدى مؤلّف كتاب “رأس المال”؟ إذا كان من الصعب الإجابة على مثل هكذا سؤال، فذلك يعود أولاً إلى أنّ الكلمة نفسها تشير إلى حقائق واقعية مختلفة. فالمصطلح يشير تمامًا، لدى الفيلسوف الألماني، إلى العبودية القديمة من النمط اليوناني الروماني، وإلى العبودية الحديثة من النمط الاستعماري، وإلى الاستغلال الرأسمالي المعاصر في أبشع صوره.  لا شك في أنّ الاستخدام الأخير مجازي إلى حدٍّ كبير. عندما يستحضر ماركس، على سبيل المثال، “عبودية عمال المصانع” في إنجلترا في القرن التاسع عشر، فإنّه يستخدم صورةً تهدف إلى توضيح قسوة ظروف معيشة الطبقة العاملة التي نتجت عن حلول الآلات مكان العمّال. (2) فيما يتعلق بأعمال السخرة للنساء والأطفال في المدن الصناعية، تفرض نفس المصطلحات ذاتها. “قديمًا، كان العامل يبيع قوة العمل الخاصة به التي يمكنه التصرف بها بحريّةٍ، أمّا اليوم فهو يبيع الزوجة والأطفال؛ أي يتحول إلى تاجر رقيق. وفي الواقع، غالبًا ما يشبه الطلب على عمل الأطفال، حتى في الشكل، الطلب على العبيد الزنوج بحسب ما نصادفه في الصحف الأميركية “. (3) إنّ استخدام هذا المصطلح للدلالة على ظروف الاستعباد التي تفرضها الصناعة الكبيرة على البروليتاريا الحديثة بشكلٍ متكرر للغاية في رائعة ماركس، له بعد جدالي بشكلٍ خاص: العبودية التي تسببت بها الآلات هي أكثر شناعةً من أيّ وقتٍ مضى بحيث تبدو أنها انبثقت، في قسوتها، من عصرٍ مظلمٍ سحيق. مع أنها لا تفتقر إلى الفائدة، فإن الصيغة لا تخبرنا الكثير عن المفهوم الماركسي للرق. ماذا تقول الماركسية، على وجه الخصوص، بشأن العبودية الحديثة التي يشير إليها النص المذكور أعلاه فيما يتعلق بالولايات المتحدة؟ ما هي المكانة التي يعطيها ماركس، في تحليله للأشكال المتتالية للمجتمع، لما يسمى عادة “اقتصاد المزارع”؟ ما هي العلاقة بين تطور الرأسمالية في الغرب، الذي بدأ في القرن السادس عشر، وهذا النمط من التنظيم الاقتصادي الذي تمت زراعته في محيطه الاستعماري؟

طفرة العبودية الأميركية

لدى اهتمامه بظاهرة العبودية، لا يتعامل ماركس مع شكلٍ من أشكال الهيمنة اختفى من العالم الغربي منذ فجر العصور الوسطى. وبعبارةٍ أخرى، لم يضع العبودية، في كتابه رأس المال، في المرحلة الأولى من تعاقب أنماط الإنتاج التي من خلالها يمكننا أن نلخّص بسهولة رؤيته للتاريخ: نمط إنتاج الرقيق في العصور القديمة، النمط الإقطاعي للإنتاج في العصور الوسطى ، النمط الرأسمالي للإنتاج في العصر الحديث. لاتشكل العبودية، في نظره، مرحلةً إلزامية في التطور التاريخي وقد تمّ تجاوزها بشكل نهائي مع ظهور القنانة، ثم العمل المأجور، بتأثير الحتمية التاريخية. إنّ ماركس، مثل أرسطو في العصور القديمة أو مونتيسكيو في عصر التنوير، يركّز فكره على شيءٍ يمثل جزءًا كاملًا من المشهد الاجتماعي في عصره. ولكن مع أنه كان شاهدًا على أشكالٍ حديثة من العبودية، فليس صحيحًا أيضًا أنه شهد معاناتها. لقد عاش في فترةٍ تاريخية فرض خلالها وجود العبودية نفسه كحقيقة واسعة الحضور، لكنها في نفس الوقت كانت موضع تساؤل جذري. كان نشر البيان الشيوعي في عام 1848 معاصرًا لإلغاء العبودية في المستعمرات الفرنسية. وعندما ظهرت الطبعة الأولى من الكتاب الأول لرأس المال في عام 1867 ، كانت الولايات المتحدة الأميركية قد خرجت للتو من حربٍ أهلية أنهت نظام العبيد في الولايات الجنوبية وأودت بحياة الرئيس الذي ألغى ذلك النظام أبراهام لينكولن.  إنه مقطع من الفصل العاشر من رأس المال مخصص لظروف معيشة الأميركيين السود في العمق، يوفّر لنا أوّل إشارة إلى المفهوم الماركسي للعبودية الحديثة. “بمجرد أن تنجذب الشعوب، التي لا يزال إنتاجها يتحرك في أشكال الرق والعبودية الدنيا، إلى سوقٍ دولية يهيمن عليها نمط الإنتاج الرأسمالي، وبسبب هذه الحقيقة يتحول بيع منتجاتها إلى الخارج مصلحتها الرئيسية، منذ هذه اللحظة، تصبح فظائع العمل الفائض المرهق، هذا المنتوج من الحضارة، متداخلةً مع بربرية العبودية والقنانة. إذ أنه طالما كان الإنتاج في الولايات الجنوبية من الاتحاد الأميركي موجهًا في المقام الأول لتلبية الاحتياجات الفورية، كان عمل الزنوج معتدلًا وأبويًا. ولكن عندما أصبح تصدير القطن مصلحة حيوية لهذه الدول، أضحى الزنجي مرهقًا وأصبح استهلاك حياته في سبع سنوات من العمل جزءًا من نظامٍ محسوب بشكل بارد.”(4) يتناول الفصل العاشر من الكتاب الأول لرأس المال دراسة الآليات المتعلقة بـ “يوم العمل”. إنّ ما قاله ماركس حول العبودية الأميركية إذن هو جزء من الدراسة العامة للقوانين الملازمة لـ “نمط الإنتاج الرأسمالي”. بتعبيرٍ أدقّ، يستحضر المؤلف حالة العبودية في الولايات المتحدة عندما يحلل الميل المتأصل في هذا النمط من الإنتاج إلى تمديد ساعات العمل إلى أقصى حدٍّ ممكن. لكن ماذا يقول ماركس، في الجوهر، عن اقتصاد المزارع في أميركا الشمالية والعلاقات الاجتماعية الاستعبادية التي تميزها؟  إنه يميز بين فترتين متتاليتين في تاريخ هذه التشكيلة الاجتماعية: فترة أولى تميزت بعلاقات من النوع الأبوي ، وفترة ثانية تأثرت بـ”أهوال العمل الفائض المرهق”. كيف يتم الانتقال بين الفترتين الأولى والثانية؟ ما هو محرّك هذا التغيير؟ في الردّ الذي صاغه المؤلف، يرتبط مثل هذا التحول بسببية لا لبس فيها: السعي الدؤوب لتحقيق الربح التجاري هو الذي جدّد بشكلٍ عميق أشكال الرق في الولايات المتحدة. لأن هذا الربح التجاري، في ظل ظروف إنتاجٍ معينة، لا يمكن أن يأتي إلا من خلال استغلالٍ محموم للعمل الاستعبادي. وبالتالي، كانت الهيمنة الحصرية للعلاقات السلعية هي التي دمرت النموذج الاجتماعي التقليدي الذي تجسده الهيمنة الأبوية. كان لتفجر المنافسة الدولية بسبب الطفرة في صناعة القطن، الأثر الرئيسي في استعباد العبيد أكثر. من خلال إخضاعهم للمعايير التي تمليها الصناعة الكبيرة، فاقمت الرأسمالية الحديثة ظروفهم المعيشية بشكلٍ دراماتيكي كبير. 

“أهوال العمل الفائض المرهق”

 بهذا المعنى يجب أن نفهم صيغة ماركس حول “أهوال العمل الفائض ، هذا المنتوج من الحضارة”. بين هاتين الفترتين من العبودية، ليس هناك اختلاف في درجة استغلال العمل الاستعبادي. ما يفصل بينهما ناجم قبل كل شيء عن اختلافٍ عميق في الطبيعة أدخلته بشكل لا رجعة فيه الهيمنة الحصرية على العلاقات السلعية. يقول ماركس أنه عندما يكون شكل مجتمعٍ ما على تلك الشاكلة حيث “قيمة الاستخدام هي التي تسود”، و العمل الفائض مقيد بـ “دائرة الاحتياجات المحددة” و حيث “طابع الإنتاج نفسه لا يولّد شهية ملتهبة”. من ناحيةٍ أخرى، “عندما يتعلق الأمر بالحصول على قيمة التبادل في شكلها المحدد، أي إنتاج الذهب والفضة ، رأينا بالفعل في العصور القديمة العمل الأكثرافراطًا والأكثر هولًا. قيمة التبادل مقابل قيمة الاستخدام، السعي لتحقيق الربح مقابل تلبية الاحتياجات، العبودية التجارية مقابل النظام الأبوي: إذا كانت هذه التعارضات متكافئةً، فذلك لأنها تشير إلى الاختلاف في الطبيعة بين نمطين من التنظيم الاجتماعي، اللذين بدورهما يأخذان طابعهما من خلال شكلين متميزين جوهريًا لظاهرة الاستعباد. باعادة استخدام مصطلحات أرسطو، التي يقتبسها ماركس بطيب خاطر، يمكن للمرء أن يقول إن العبودية الأبوية جزء من الاقتصاد المحلي، في حين أن العبودية التجارية هي جزء من “إدارة التراكم”، أي فن اقتناء الثروة: يجد الأول حدوده في تلبية احتياجات المجتمع، في حين أنّ الأخير لا حدود له مثله مثل الرغبة في الإستحواذ. من المهم هنا ملاحظة أنه “منذ العصور القديمة”، ولّدَ السعي الحصري من أجل قيمة التبادل أشكالًا “مفرطةً ومروعة” من ابتزاز العمل الفائض. وهكذا يتأكد بالنسبة لماركس الطابع الجوهري للرق الحديث مقارنةً بأشكالٍ أخرى من استعباد الإنسان من قبل الإنسان. ما يميز هذا الرق في الواقع، هو هدفه المتمثل في تحقيق ربح تجاري ضخم ناتج عن “العمل الفائض” المنظم على نطاقٍ واسع. عبودية تجارية، نعم هي كذلك من دون شكٍّ، من أولّها إلى آخرها، طالما أنّ تجارة الرقيق تشكل الطريقة الوحيدة الممكنة لإعادة إنتاج قوة العمل. إنّ تعرّض اليد العاملة المستعبَدة للموت خلال تنفيذ العمل تحت وطأة السيّد يجعل تجارة الرقيق ضرورية لتجديد تلك اليد العاملة؛ لكن تلك التجارة على وجه التحديد، تغذي بالمقابل نزوع النظام لدفع استهلاك قوة العمل إلى حدود المقاومة البشرية. في المزرعة التي يحكمها فقط قانون الربح، العبد السلعة غير مقدّر له أن يستمر، بل يتم استبداله على الفور بآخر بمجرد أن يسقط من الإرهاق. في مقطع آخر من رأس المال، يقتبس ماركس بإسهاب عن أحد معاصريه ج.اي. كارنز – J. e. Cairns – الذي كتب هذه السطور في عملٍ نُشر في لندن عام 1862: “إنّ الاعتبارات الاقتصادية التي يمكن لها، إلى حدٍّ معين، أن تضمن للعبد معاملةً إنسانية، إذا كان الإبقاء عليه يتطابق مع مصالح سيده، تتحوّل إلى سببٍ من أسباب الخراب المطلق الذي يحلّ به حين يتم السماح بتجارة العبيد. في الواقع، ما إن يمكن استبداله بزنوج أجانب، حتى تصبح مدة حياته أقلّ أهميةً من إنتاجيته. لذلك يوجد في البلدان التي تشّرع العبودية قول شائع: الاقتصاد الأكثر كفاءة يعني الضغط على القطيع البشري بحيث يوفّر أكبر عائدٍ ممكن في أقصر وقت. ففي المناطق الاستوائية، حيث الأرباح السنوية من الزراعة غالبًا ما تساوي رأس المال الكامل للمزارع، يتم التضحية بحياة الزنوج دون أدنى وخزة ضمير.”(5) إنّ ما تبينه تجارة الرقيق بجلاءٍ من خلال قسوتها اللاإنسانية هو الطابع الذي لا يمكن كبحه لدينامية السوق: لدى السوق من القوة بحيث أنه يستطيع تعديل طبيعة العلاقات التي تحكم العبودية، لدرجة أنه يقوّض الشكل التقليدي، ويتوغل في قلب العبودية الحديثة بقوةٍ غير قابلةٍ للإحتواء. بخضوعها لقانون الربح الذي لا يرحم ولضغوط العلاقات السوقية التي لا تقاوم، تحوّلت عبودية المزارع إلى قواعد نمط الإنتاج الرأسمالي المزدهر؛ وتضاءل العامل نفسه إلى مجرد سلعةٍ بسيطة، خاضعًا لتأثير تجارة الرقيق، ودفعت حدود هيمنة الإنسان على الإنسان إلى أبعد مما هو ممكن إنسانيًا.

(التراكم البدائي (الأوّلّي) 

مع ذلك فإنّ هذا الوصف لنظام الإستغلال في أميركا الشمالية الذي تطور تحت تأثير التصنيع الأوروبي، ليس الكلمة الأخيرة لماركس حول العبودية الحديثة. ما هي المكانة التي شغلتها هذه العبودية في ظهور الرأسمالية الغربية منذ القرن السادس عشر؟ ماذا كان دورها التاريخي في عملية التراكم على المستوى العالمي؟ إلى أيّ مدًى ساهمت، منذ الفترة المركانتيلية (التجارية التي لا يهمها سوى الربح- من المترجم)، في إرساء أسس التنمية الصناعية الحديثة؟ هذه الأسئلة يعالجها ماركس في القسم الثامن من رأس المال المخصص “للتراكم البدائي”. والتراكم لدى ماركس هو عملية تحويل جزء صغير من الناتج الاجتماعي إلى رأس مالٍ إضافي. من خلال التراكم البدائي، يشير ماركس بشكلٍ أكثر دقة إلى مسارٍ يتخذ أشكالًا تاريخية فريدة ، كانت حاسمة لإنطلاق الرأسمالية الحديثة. إذا كان ماركس قد استعار هذا التعبير من تعبير “التراكم السابق” لآدم سميث، فإنه يعطيه معنًى مختلفًا تمامًا. بالنسبة للفيلسوف الاسكتلندي، يشير “التراكم السابق” إلى المدخرات الفردية، التي يمليها الخوف من المستقبل، والذي يظهر قدرة روّاد الاقتصاد الحديث على التوقع. بسبب كون التراكم البدائي مصمّمًا للاستثمار الإنتاجي، فهو يعدّ المحرك الحقيقي للتقدم الاقتصادي. ليس للتراكم البدائي لدى ماركس، من ناحيةٍ أخرى، أيّة علاقة بالصفات الأخلاقية للمدّخر الأنجلو ساكسوني. وبينما يعتبر التراكم الفضيلة الأساسية لرجل الأعمال بالنسبة للاقتصاديين البرجوازيين ، ينظر ماركس إليه على أنه العنف الأصلي للنمط الرأسمالي للإنتاج: إنه مجموعة الطرائق التي كان يتم بواسطتها، قبل ظهور الرأسمالية الحديثة، تركيز رأس المال الذي سيجعل من التراكم ممكنًا في العصر الصناعي. من تصنيفٍ أخلاقي لدى الاقتصاديين البرجوازيين، يتحوّل التراكم البدائي لدى ماركس تصنيفًا تاريخيًا. وبالتالي، لا يوجد شيء “شاعري” في أساليب التراكم البدائي، كما يؤكّد، والتي تتميز على العكس من ذلك باستخدام العنف والوحشية في العلاقات بين المهيمنين والمغلوبين. في مجرى ما يسميه “ما قبل تاريخ” رأس المال، فإنّ الوسائل المستخدمة لتركيز وسائل الإنتاج لا يجمعها جامع مشترك مع الزهد الأخلاقي لرجل الأعمال. على سبيل المثال ، كان سلب الأراضي المشاع والكنسية لصالح كبار الملاّك، في أصل المصادرة الشرسة لأملاك الفلاحين الصغار التي طبعت تاريخ إنجلترا من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر. “إنّ سلب ممتلكات الكنيسة، والتنازل الاحتيالي عن أراضي الدولة، ونهب الأراضي المشاع، والتحويل الإرهابي عبر الإغتصاب للممتلكات الإقطاعية أو حتى الأبوية إلى ممتلكاتٍ حديثة خاصة، والحرب على أكواخ القش،  تلك هي الأساليب الشاعرية للتراكم البدائي. لقد قاموا بغزو أرض الزراعة الرأسمالية، ودمجوا التراب في راس المال، وسلّموا لصناعة المدن الأذرع الطيّعة لبروليتاريا لا دفئ ولا مأوى لديها”. لكن ظواهر أخرى، لها نفس الأهمية الحاسمة، ساهمت أيضًا في التراكم البدائي.  “النظام الاستعماري، والديون العامة، والانتهاكات الضريبية، والحماية الصناعية، والحروب التجارية”، أي باختصار “كل تلك الفضلات من عهد التصنيع” التي “عرفت تطورًا هائلًا خلال فترة الشباب الأولى للصناعة الكبيرة . (6) عهد التصنيع هو الفترة المقابلة للقرنين السابع عشر والثامن عشر في أوروبا، وتوجد كلّ الأسباب للاعتقاد بأنّ التراكم البدائي، في نظر ماركس، بلغ ذروته مع النصف الثاني من القرن الثامن عشر. ولكنّ هذه الفترة تتزامن مع الصعود النيزكي “للنظام الاستعماري” الذي لا يتردد المؤلف في الإشارة إليه كأول طريقٍ من بين طرق التراكم ، كما رأينا “خلال فترة الشباب الأولى للصناعة الكبيرة” إنّ الأمر الذي له مغزى بشكلٍ خاص هو المكانة التي يعطيها ماركس للاستغلال الاستعماري في التسلسل الهرمي لعمليات التراكم.  بعد أن انكبّ على تحليل العلاقات الطبقية في إنجلترا مباشرةً، قام ماركس بتوسيع المنظور التاريخي. لأنّ ما هو صحيح بالنسبة للمجتمع البريطاني، ليس كذلك، من بابٍ أولى، بالنسبة إلى هذا “الاقتصاد- العالم (7) الذي صاغه التوسع الأوروبي الذي ولد في العصر الحديث. لقد تغذّى التراكم البدائي أيضًا، وهو عنف متأصل لأسلوب الإنتاج الرأسمالي، في الواقع، من خلال أرباح المشروع الاستعماري الذي انتشر في أعقاب الاكتشافات العظيمة. “إن تداول البضائع هو نقطة البداية لرأس المال. إنه لا يظهر إلّأ حيث وصل إنتاج السلع والتجارة بالفعل إلى مستوىً معينٍ من التطور. يعود التاريخ الحديث لرأس المال إلى إنشاء التجارة والسوق في العالمين: القديم والجديد في القرن السادس عشر.”(8) وإذا كان رأس المال قد دخل التاريخ الحديث، برأي ماركس، فذلك لأنه عرف كيف يستغل موارد العالم الجديد. وبعبارةٍ أخرى، شكّلت أوروبا نفسها كمركزٍ جديد للاقتصاد- العالم، لأنها عرفت كيف تؤمّن لنفسها طرفًا محيطًا. لكن كيف يصف ماركس، بشكلٍ دقيق، العلاقة بين صعود رأس المال الأوروبي والاستغلال الاستعماري؟ إنه الفصل الحادي والثلاثون من الكتاب الأول لرأس المال من يعطي الجواب. يُظهر هذا النص الأساسي الذي يحمل عنوان “نشأة الرأسمالية الصناعية” كيف ساهم “النظام الاستعماري” في التراكم البدائي. مرةً أخرى، كما يمكنك أن تتخيل، لا شيء “شاعري” في الأساليب التي استخدمها الفاتح الأوروبي. “إنّ اكتشاف المناطق الغنية بالذهب والفضة في أميركا، وتحويل السكان الأصليين إلى الرقّ، ودفنهم في المناجم أو إبادتهم، وبدء عمليات الغزو والنهب في الهند الشرقية، وتحويل أفريقيا إلى أرضٍ لصيد ذوي البشرة السوداء، تلك هي طرائق التراكم الأوليّ التي يتمّ التغنّي بها والتي أعطت الإشارة إلى انبلاج فجر العصر الرأسمالي”. (9) تظهر في هذا النص الأهمية الكبيرة التي يوليها المؤلف لتجارة الرقيق. ألا يشير دورها في الإستعباد المنهجي للسكان الاستوائيين، مرةً أخرى، إلى الهيمنة الحصرية للعلاقات السلعية؟ إنّ ما يؤكد مثل هذا التفسير هو إصرار ماركس، في بقية الفصل، على العلاقة الحميمة بين التراكم في الحقبة التجارية المركانتيلية وإقامة النظام الاستعماري.

مزارع العبيد

 لقد أعطى النظام الاستعماري دفعةً كبيرة للملاحة البحرية والتجارة. وخلق شركاتٍ تجارية مركانتيلية، وهبتها الحكومات الأحتكار والامتيازات، وعملت كروافع قوية لتمركز الرساميل. و ضمن المنافذ للمصانع الناشئة، والتي تضاعفت سهولة مراكمتها بفضل احتكار السوق الاستعماري. لقد أكّد المؤرخون في كثيرٍ من الأحيان على دور التجارة البحرية الكبرى في تكوين رأسمال تجاري ضخم يتركز في قلب أوروبا، وأحيانًا على خطى ماركس نفسه، لدرجة أنه من غير المجدي الإصرار أكثر. ولكن إلى أيّ مدى كان تركيز تلك الثروات لا ينفصل عن النظام الاستعماري؟  يؤكدّ ماركس أنه بفضل “امتيازات الشركات” و”احتكار السوق الاستعماري” تمّ ضمان ربحٍ تجاري استثنائي. ولكنه يضيف أيضًا و خاصةّ، من خلال الاستغلال المنهجي للعمل الاستعبادي: “إنّ الكنوز التي استولت عليها أوروبا مباشرةً من خلال العمل القسري للسكان الأصليين الذين تحولوا إلى عبيد، بواسطة العنف والنهب والقتل، قد تدفقت إلى الوطن الأم للعمل هناك كرأسمال.” (10) إنّ ما تصفه هذه السطور هو عملية التراكم الرأسمالي القائم على الاستغلال الاستعماري من النمط العبودي. في مثل هذا النظام، تأتي الأرباح التجارية بشكلٍ متزامن من تصدير المنتجات المصنّعة إلى المستعمرات، ومن تجارة الرقيق المخصصة لتوريد العمالة، ومن إعادة تصدير السلع الاستوائية إلى السوق الأوروبية؛ وهذا الربح التجاري الذي ولّدته الأطراف هو الذي تراكم بشكلٍ كبير (“تم توطينه”، كما يقول ماركس) في المركز “للعمل كرأس مال”، أي السماح له بتطوير الجهاز الإنتاجي. ولكن، بدون العبودية، لا توجد تجارة الرقيق، ولا إنتاج سلعي في المستعمرات: لذلك فإنّ قلب النظام هو مزرعة الرقيق. لقد كانت “المزارع الكبيرة، التي ولدت من زراعة قصب السكر، وهو مشروع باهظ الثمن وبالتالي رأسمالي”(11) ، هي التي وفّرت الأساس لنظام الرقيق الحديث. فإضافةً إلى الربح التجاري الناتج عن التجارة الاستعمارية وتجارة الرقيق، يضيف اقتصاد مزارع السكر، في الواقع، “قيمةً زائدة”من النمط الصناعي. لأنه على عكس المنتجات الاستوائية الأخرى، أنجب السكر على الفور “صناعةً زراعية” حقيقية تتضمن زراعة وتقطيع القصب، التكسير في مطاحن السكر، التركيز في المراجل، التبلور ومن ثم التكرير: لا يمكن لإنتاج السكر أن يتواءم مع التنظيم الحرفي. إنه يتطلب وجود عدد كبير من الموظفين والانضباط الصارم في العمل. “في القرنين السادس عشر والسابع عشر، مع الملكية الكبيرة (الكبيرة نسبيًا) ، تضاعف عدد الرقيق الأسود، الذي كان شرطًا لازمًا … سوف يسمح تهريب الرقيق بإنشاء مزارع سكر ضخمة في ذلك الوقت، إلى الحدّ الذي يسمح به نقل القصب بالسيارة، والذي يجب قطعه على الفور حتى لا يفسد ، ليتم نقله إلى المطحنة وسحقه دون انتظار. في هذه المؤسسات الكبيرة، كان هنالك مجال للعمل المنتظم والمقسم والرتيب، الذي يتطلب القليل من المؤهلات، باستثناء ثلاث أو أربع وظائف فنية. من الواضح أنّ مزرعة السكر هي مؤسسة رأسمالية: فهي تتطلب استثمارات ضخمة (مطاحن ومراجل) وقوة عاملة وفيرة من ذوي الخبرة في الانضباط الجماعي. كما أنها تفترض وضع أموالٍ خاصة كبيرة، نظرًا لطول مراحل الصناعة، فإن التدفقات النقدية من النشاط طويلة الأجل. هذا هو السبب في أنّ رأس المال هنا هو أولًا رأس المال السوقي الذي توفره مؤسسة تجارية تستثمر مباشرة في المزارع، أو تمنح سلفًا للمزارعين. بسبب اعتماده على السوق العالمية الآخذة في التوسع  فإنّ إنتاج واستغلال السكر يعتبر رأسماليًا. أصبح “الإفطار الفرنسي”، الذي ظهر في عهد لويس الرابع عشر، ظاهرةً شاملة في جميع أنحاء أوروبا منذ عام 1750. كان الطلب كبيرًا إلى حدّ أنّ العالم الجديد زاد وارداته من العبيد عشرة أضعاف وتحوّل إلى زراعاتٍ جديدة تهدف إلى توفير حاجة أوروبا من المشروبات الدخيلة الغريبة العصرية: السكر والقهوة والكاكاو. على هامش الاقتصاد العالمي الذي تهيمن عليه الدول الأوروبية، كان يجري تنظيم اقتصاد الرقيق الذي يوفّر، في نفس الوقت، المنتجات الاستعمارية التي يطلبها المستهلك والمكاسب الكبيرة التي توفرها التجارة بتلك المنتجات. لكنها ليست واحدة من أقل مفارقات التراكم البدائي الذي أوجد في الوقت نفسه، في جزر السكر، نظامًا منتجًا تنبئ حداثته في كثير من النواحي بميزات الرأسمالية الصناعية. حجم العبودية في الغرب أن تكون مزرعة السكر مسرحا لعملٍ مرهق فذلك حكم على الأسرى بالموت المبكر، ذلك أمر لم يفت ماركس ملاحظته حيث كتب: “كان مصير السكان الأصليين هو الأكثر فظاعة في المزارع المخصصة للتجارة الوحيدة المتمثلة بالتصدير، مثل جزر الهند الغربية، وفي البلدان الغنية والكثيرة السكان، مثل جزر الهند الشرقية والمكسيك، التي وقعت في أيدي المغامرين الأوروبيين القساة في التقاسم الوقح للفضلات.” (12) من جهةٍ، العبد الأسود الذي يقُتل أثناء عمله لإنتاج السكر، ومن جهةٍ أخرى أوروبا التي تشهد توسعًا اقتصاديًا كاملًا حيث يمكن للمرء أن يتذوق “الإفطار الفرنسي”: مع بعض المعارضة في المركز والأطراف في عصر التنوير. قال فولتير على لسان عبدٍ مقعدٍ في مسرحية كانديد: “بهذا السعر تأكلون السكر في أوروبا”. “جذر الشر الحقيقي، كتب فرناند بروديل بخصوص أميركا الاستعمارية، يوجد على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي في مدريد، في إشبيلية، في قادش، في لشبونة، في بوردو، في نانت، حتى في جنوة ، بالتأكيد في بريستول، وبعدها بقليل في ليفربول، لندن، أمستردام. إنه متأصل في ظاهرة اختزال قارةٍ إلى مجرد طرفٍ بعيد، قوة بعيدة تفرض ذلك، غير مباليةٍ بتضحيات البشر، و تعمل وفقًا للمنطق شبه الميكانيكي للاقتصاد- العالم.”(13) في كتابٍ جديد ، قام أحد المؤرخين بدراسةٍ تفصيلية عن الحالة المثالية لمدينة نانت. نعلم  من خلال هذه الدراسة، على وجه الخصوص، أنه في هذه المدينة التي كان يتم فيها تسليح ما يقرب من نصف سفن الرقيق الفرنسية في القرن الثامن عشر، كان إثراء التجارة يسير جنبًا إلى جنب مع تطور تجارة الرقيق التي بدأت في نهاية القرن السابع عشر واستمرت هناك لمدة قرن ونصف، مما أدّى إلى تسليح 1766 سفينة بين 1703 و 1831؛ كما أنّ الثروات العظيمة في كانت تشكلت من منتصف القرن، في الوقت الذي عرف فيه روّاد تجارة الرقيق ذروتهم؛ وأنه بين 1768 و 1789 ، خلال “ازدهار الرقيق الثاني”، تضاعفت المساحة المالية للتجارة ستّ مرات؛ وأنّ التجار الكبار استثمروا أرباحهم في البنوك والتأمين، واهتموا بتحديث الزراعة، وساهموا في تطوير مصانع التعليب، وأحواض بناء السفن، والمعادن؛ وأنّ تجار الرقيق شكلوا الطبقة السائدة هناك حتى العهد الملكي، وأنه في عام 1914 كان أحفاد “أرستقراطية العبيد” تلك لا يزالون من بين أكثر الرأسماليين نفوذًا في المدينة الساحلية. (14) لكنّ ما يثير الدهشة هو طول المدة غير العادي واتساع نطاق نظام العبودية. من 1510 إلى 1860 ، تم اقتلاع أكثر من اثني عشر مليون أسير أفريقي من أراضيهم الأصلية وإرسالهم إلى العالم الجديد. لقي أكثر من مليوني شخص حتفهم أثناء العبور؛ ويقدّر أنّ ثمانية ملايين اختفوا بين مكان أسرهم في أفريقيا ومحطّات التجارة الساحلية حيث يتم ترحيل الناجين من الغارات. إجمالًا، كان أكثر من عشرين مليون شخص ضحايا لتجارة الرقيق الغربية التي ألحقت بأفريقيا السوداء صدمةً ديموغرافية عميقة في نفس اللحظة التي ساهمت فيها في التراكم الرأسمالي في أوروبا المزدهرة. لأن “التهريب السيئ الصيت” قام بتغذية اقتصادٍ استعماري يقع على أطراف الاقتصاد- العالم الأوروبي، وهو يرتدي أبعادًا مهمة: حوالي عام 1780 ، في ذروة ازدهار مزارع العبيد، استغل الفرنسيون و البريطانيون أكثر من مليون عبد في جزر السكر في العالم الجديد؛ وشكلّت مبالغ اقتصاد مزارع العبيد للقوى العظمى، في عام 1800 ، أكثر من نصف أرباح صادراتها. (15) ولكن، إذا كانت نقطة ذروة العبودية الاستعمارية تقع في العقدين الأخيرين من “قرن التنوير”، فهل يمكننا بالمقابل أن نقول إنّ ظهور الرأسمالية الصناعية كان بمثابة قرع جرس الموت في القرن التالي؟ بالتاكيد لا. تحليلات ماركس، في هذا الصدد، لها ميزة تحذيرنا ضد التمثيل الخطي للتاريخ الاقتصادي المعتمد منذ فترةٍ طويلة، هذا صحيح، من خلال تبسيط الماركسية المبتذلة: الرأسمالية لم “تتبع” العبودية، مثلما لم يطح العاملين بأجر بحياة العبودية بين عشية وضحاها. قلنا إنّ ماركس شهد احتضار العبودية الحديثة: لكن كل شيء يحدث وكأنّ هذا الإحتضار(الطويل رغم كل شيء) بالكاد تبعَ ذروته. لأن النصف الأول من القرن التاسع عشر، على الرغم من القيود التي طبقت عليه تباعًا، لم يشهد انخفاضًا في تجارة الرقيق. على الرغم من الاستيلاء على 1،287 سفينة عبيد بين عامي 1825 و 1865 ، تم استيراد أكثر من مليون عبد إلى أميركا خلال نفس الفترة. (16) بين عامي 1810 و 1830 فقط ، جلب جنوب الولايات المتحدة عشرات الآلاف سنويًا لتغذية اقتصاد المزارع المزدهر. في جزيرة لاريونيون، لم ينطلق إنتاج السكر إلّا ابتداءً من عام 1815 ، حين تمّ حشد قوة عمل من الرقيق التي زادت بمقدار 45000 أسير  إضافي لصالح هذه الصناعة الزراعية الجديدة بين 1817 (تاريخ حظر الاتجار من قبل العهد الملكي المستعاد) و1848 (إلغاء الرق من قبل الجمهورية الثانية).

العبودية، قاعدة الصرح الرأسمالي

 إنّ حقيقة أنّ تطور الصناعة الأوروبية في العقود الأولى من القرن التاسع عشر أتى بعد ذروة الرق الاستعماري يضفي اهتمامًا خاصًا بالتحليلات الواردة في كتاب رأس المال. في سياق ما يسميه المؤرخون “التصنيع الأول”، يمكن رؤية تفاعل حقيقي بين الظاهرتين. ساهمت الأرباح الهائلة من الاستغلال الاستعماري التي أعيد إدخالها في مركز النظام في التنمية الاقتصادية للمراكز الرأسمالية. بشكلٍ متبادل، أخضعت التنمية الصناعية اقتصاد المزارع، كما كان ماركس يرى، لمتطلبات الإنتاجية التي عدّلت طبيعته بشكل جذري. ارتكز المذهب التجاري المركانتيلي الأطلسي على الاستغلال المحموم للعالم الجديد الذي كان قد قضى على سكانه ليخلق، منذ القرن السادس عشر، اقتصادًا استعباديًا على أساس تجارة الرقيق. ولكن الصحيح أيضًا أنّ تعميم العلاقات التجارية في العصر الحديث جدّد بدوره أشكال الرق الاستعماري. كتب ماركس”في الوقت نفسه الذي أدخلت فيه صناعة القطن عبودية الأطفال في إنجلترا، حوّلت تلك الصناعة المعاملة البطريركية للسود في الولايات المتحدة إلى نظام استغلالٍ مركانتيلي. باختصار، كان يلزم لهيكل العبودية المستترة للعمال في أوروبا القاعدة التي تمثلت بالعبودية دون مواربة في العالم الجديد. (17) بطبيعة الحال، يوجّه ماركس انتباهنا على الفور إلى أشكال الهيمنة التي يتم فيها قولبة ابتزاز “العمل الفائض”، وإذا كانت عبودية العاملين بأجر الأوروبيين “مستترة”، فذلك لأنها مخبأة وراء الخيال القانوني المتمثل بعقد العمل المتفق عليه بحرية بين الأطراف المتساوية. إذا كانت عبودية الأميركيين السود “بدون عقوبة”، فهي على العكس لأنها مدرجة بدون مواربة في لوائحهم: حالة العبودية. وبعبارةٍ أخرى، يفترض النمط الرأسمالي للإنتاج حرية العامل بأجر كشرطٍ مسبق لشراء قوة عمله. أمّا نظام الرقيق، في المقابل، يجعل من العامل نفسه سلعة يتم شراؤها وبيعها. لكن من غير المؤكّد كما يلمّح ماركس  أن ذلك التعارض قد يعطينا الشيء الجوهري. ما تشير إليه صورة “قاعدة الصرح”، في الواقع، هو علاقة هيكلية: العبودية الحديثة “تحمل”، بطريقةٍ ما، العاملين بأجر في الصناعة؛ إنها تشكل الدعامة أو الأساس. إننا نعتقد أن هذا التعبير لا يشير فقط إلى التكوين التاريخي للرأسمالية في العصر التجاري المركانتيلي، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. بل إنه يحدد العلاقة الحميمة التي تقود العبودية والرأسمالية للسير بحركةٍ واحدة: كل شيء يحدث كما لو أنّ العبودية، من خلال آليات التراكم البدائي، خلقت الظروف للتطور الرأسمالي، وكما لو أّن الأخير ساهم بدوره في تشديد استغلال العمل الاستعبادي من خلال إخضاعه لقانون الأرباح الوقح. إن ّما يضيء عليه ماركس هو هذه الحركة المزدوجة وهذا التفاعل المتبادل. وبهذا المعنى، يبدو أن تراكم الأرباح واستعباد العامل وجهان لنفس العملية: الابتزاز غير المحدود للعمل الفائض المرهق، الذي يتم السعي إليه بشكل منهجي من أجل تحويل العامل نفسه إلى مجرّد سلعة. ومثل استعباد السود في المستعمرات، لا يعرف استغلال البروليتاريا من الجنسين حدًّا، سوى الحدّ الموضوعي للمقاومة الجسدية. ولكن لا يزال من الممكن التحايل على هذا الحدّ: من خلال الاستبدال المتسارع للعمال، وحدات بسيطة قابلة للتبديل تنفد طاقتها الإنتاجية في أسرع وقت ممكن من أجل زياد العائد: لأنّ “حياة” العامل، في مثل هكذا نظام أقلّ أهميةً من “إنتاجيته”. إن العبودية الحديثة التي يلفت إليها ماركس انتباهنا بالتالي تتوافق مع مرحلة حاسمة في التطور الرأسمالي، والتي ساهم هو في كشف النقاب عن طبيعتها: مرحلة التراكم المحمومة التي كانت ملازمةً للثورة الصناعية الأولى. إذا كانت تلك المرحلة مصحوبةً بأكثر أشكال الاستغلال شراسةً، فذلك على وجه التحديد لأنها تهدف إلى استخراج أكبر قدر ممكن من رأس المال النقدي المراد إعادة استثماره على الفور، مما يؤدي إلى توليد قضيةٍ لا نهاية لها لتراكمٍ ليس له أفق آخر غير ديمومته. 

اختراع الإنسان- السلعة 

ولكن إذا أعطيت العبودية الحديثة حدودًا تاريخية، وإذا تزامنت لحظة ذروتها مع مرحلةٍ محددة من التطور الرأسمالي، فهل يمكننا، مع ذلك، تسجيل ظاهرة العبودية في سجل حقبةٍ معينة، والتي لا يستطيع أحد إعادة إنتاج ظروفها؟ أليس السعي العنيد من أجل الربح والبحث المهووس عن تعظيمه، على العكس من ذلك، ينبع من جوهر مجال السوق الذي يتبين أنّه غير مبالٍ بظروف الزمان والمكان؟ هذا ما يقترحه علينا ماركس عندما يكتشف، في قلب العبودية القديمة، الديناميات الكامنة للعلاقات التجارية. لقد طبّق على العصور القديمة نوعًا من التحليل ليس بعيدًا عن ذلك الذي سبق وصفه، والذي طبقه على عبودية القطن في الولايات المتحدة. إنه يسلط الضوء على مفارقة “تسليع” العلاقات الاجتماعية التي سبقت، بمدّةٍ بعيدة، ولادة الرأسمالية الحديثة. وكما لاحظ جان بيير فيرنان – Jean-Pierre Vernant – فإنّ العديد من النصوص التي كتبها ماركس تؤكد أن امتداد العبودية التجارية داخل الحضارات القديمة أضرّ بالأشكال التقليدية للحياة المدنية. إنها بدأت ودمرت بشكلٍ نهائي أشكال المُلكية المميزة للمدينة اليونانية. كتب ماركس أنّ “الزراعة الصغيرة والممارسة المستقلة للحِرَف كانت تشكل قاعدة المجتمع التقليدي في ذروته، بعد أن تمّ حلّ الملكية المشاعية ذات الأصل الشرقي وقبل أن تستحوذ العبودية على الإنتاج بشكلٍ جدّي.”(18) إذا كان العالم القديم يعرف أيضًا غزو العلاقات الاجتماعية عن طريق العبودية التي كانت متّحدةً مع ديناميكيات السوق، فذلك لأن هذا الشكل من الاستغلال ليس من امتيازات الحداثة (والأشكال التي تتخذها العبودية في هذا الماضي البعيد لم تكن أقل “إفراطًا” و”ترويعًا”، كما رأينا، من تلك الموجودة في الحاضر)؛ ولأّن عملية استعباد الإنسان من قبل الإنسان لا تنفصل عن نظام التراكم المتجذر في هيمنة العلاقات التجارية المركانتيلية، في ديناميكيات السوق الخاضع لمجموعةٍ من الأنشطة، في تحويل قيمة التبادل  إلى قيمة الاستخدام التي تشكل، بالتأكيد، جوهر الأسلوب الرأسمالي للإنتاج، والذي عرف العصر اليوناني- الروماني، على طريقته، شكله الأولي. كما أن الاستخدام الاستعاري لمصطلح الرقّ، الذي أشرنا إلى تواتره في كتاب رأس المال، له معنًى أعمق مما يبدو للوهلة الأولى: عمال المصانع  ضحايا الآلات، مثل عمال المزارع المنهكين بسبب عملهم، أليسوا عبيدًا لرأس المال؟ استغلال العامل بأجر ليبيع قوة عمله بسعرٍ منخفض، أو استغلال العبد الذي اشتراه سيده مثل الماشية: نفس القانون العنيد الذي يحكم العلاقات التجارية المركانتيلية يولّد العملية التي سوف يشير جورج لوكاش إليها لاحقًا بمصطلح “التشييئ”؛ القانون الذي لم يتوقف أبدًا عن تحويل شخص العامل نفسه إلى مجرّد شيء ؛ والنتيجة الطبيعية لذلك القانون هي الاختراع المتواصل للإنسان- السلعة. وهكذا، فإن نظرية العبودية لدى ماركس تفلت من إغراء القراءة الخطية للتاريخ: إذا كان صحيحًا أنّ العبودية والاستغلال الرأسمالي شيء واحد ، فذلك لأنّ تسلسل أنماط الإنتاج ليس أمرًا معقّدأ بشكلٍ بحت، ولكنه متزامن إلى حدٍّ كبير. بعيدًا عن أن يحلّ كلّ منهما محلّ الآخر في الوقت المناسب تحت تأثير بعض الحتمية فإنّ العبودية والقنانة والعمل المأجور تندمج  في دارةٍ معقّدة تشكّل نمط تعايشهم. كل تشكيلٍ اجتماعيٍ محدّدٍ تاريخيًا يستعير ملامحه، بنسبٍ متفاوتة، من واحدٍ أو آخر من هذه الأساليب لابتزاز العمل الفائض، ولكن دون أيّ ترتيب منطقي يملي السلسلة الزمنية لظهورهم. بالتأكيد، بين العبودية القديمة والإقطاع في العصور الوسطى ورأسمالية العصر الحديث، هناك بالفعل ترتيب للتوالي الزمنيّ؛ على صعيد التاريخ الغربي، وتجاهل العلاقة بين الغرب ومحيطه، فإن مثل هذا التعاقب لا معنى له على الإطلاق. إنّ الخلط المؤذي لتلك النظرية مع التاريخ العالمي، من ناحيةٍ أخرى، يخفي عنا عودة ظهور العبودية الهائلة التي لا ترافق فجر الرأسمالية فحسب، بل ترافق اللحظة التي تقود الثورة الصناعية الرأسمالية إلى غزو العالم. إنه يخفي عن فهمنا الحقيقة التي لا شكّ فيها أنّ أشكالًا مختلفةً من الرق تزامنت دائمًا، أيًّا يكن العصر، مع النمو المتسارع في المجال التجاري؛ أنّ الشرق الأوسط المسلم خلال عصره الذهبي، والعالم اليوناني- الروماني منذ عصر المدن حتى نهاية الإمبراطورية، أو الغرب المسيحي منذ عصر النهضة حتى حرب الإنفصال قد بنوا هيمنتهم على الاستغلال المنهجي للموارد الخارجية، مستفيدين بلا هوادة من الخزّان البشري الذي أغراهم به ضعف المجتمعات المحيطة بهم. إنّ ما كشفه ماركس في رأس المال هو ما يمكن أن يسمّيه المرء الوحدة والهوية في الجوهر بين الرأسمالية والعبودية؛  لقد أدرك الوحدة العميقة للعبودية الحديثة الكامنة وراء تنوع أشكالها ؛ لقد رأى في “العبودية المباشرة” للسود، حقيقة “العبودية غير المباشرة” للبروليتاريين الأوروبيين؛ بعيدًا عن إقامة التعارض بين العمل الحر والعمل العبودي كرمزٍ للحداثة، اكتشف ماركس مظاهر نفاق هذا التعارض، لأنّ عدم التجانس الواضح في القوانين لم يعمه عن الآليات المطبقة في إمبراطورية قيمة التبادل ؛ باختصار، لقد رأى في تكثيف علاقات السوق الأصل الحقيقي لسيطرة الإنسان على الإنسان الذي لا يعرف الحدود ولا اختلاف الأزمان؛ وبقيامه بذلك، قام ببناء نظرية العبودية التي تعدّ معرفتها أمرًا ثمينًا بالنسبة لنا، في الوقت الذي تلد فيه العولمة الليبرالية الأشكال المعاصرة من العبودية؛ وهزم في طريقه الهيبة الزائفة للفرضية السائدة اليوم بأنّ الحرية ليست سوى السوق، مدمّرًا بشكلٍ مسبق الإدّعاء المجنون لليبرالية المعاصرة بأنّها التجسيد النهائي للتاريخ. 26/6/2020 Bruno Guigue *موظف كبير سابق، كاتب مقالات ومختص بالسياسة، ولد في مدينة تولوز سنة 1962. درس في المدرسة الوطنية العليا وفي المعهد الوطني للإدارة. أستاذ فلسفة ويحاضر في العلاقات الدولية في التعليم العالي. له العديد من الكتب التي ترجمت إلى ثمان لغات. صدر كتابه الأخير “مقالات عن الإمبريالية”عن دار ديلغا للنشر في شهر كانون الثاني 2018 والذي كتب مقدمته سمير أمين. أقيل من منصبه سنة 2008 بسبب انتقاده السياسة “الإسرائيلية”في مقالة نشرها على موقع oumma.com. متضامن ومتعلق بالقضية الفلسطينية.

.المراجع: ()

1)Karl Marx، Œuvres، Economie I، Gallimard-La Pléiade، p.80.

(2) Karl Marx، Le Capital، I، T. 1، Flammarion، 1985، p 321.

(3) Ibidem، p. 286.

(4) Ibid.، p. 181.

(5) Ibid.، p. 201.

(6) Ibid.، T. 2، p. 182.

(7) Par « économie-monde » il faut entendre، à la suite de Fernand Braudel، « un morceau de la planète » économiquement autonome et organisé autour d’un centre. C’est ainsi que se constitue، à partir du XVIème siècle، « une économie-monde européenne ».

(8) Ibid.، T. 1، p. 115.

(9) Ibid.; T. 2، p. 197.

(10) Ibid.، p. 199.

(11) Fernand Braudel، Civilisation matérielle، économie et capitalisme، T. 3، Le temps du monde، Librairie Armand Colin، 1979، p. 493.

(12) Karl Marx، op. cit.، p. 199.

(13) Fernand Braudel، op. cit.، p. 488.

(14) Olivier Pétré-Grenouilleau، L’argent de la traite، Milieu négrier، capitalisme et développement : un modèle، Aubier، 1996.

(15) Philippe Paraire، Economie servile et capitalisme : un bilan quantifiable، in Le livre noir du capitalisme، Le Temps des Cerises، 1998، p. 30.

(16) Jean Meyer، Esclaves et négriers، Gallimard، 1998، p. 113.(17) Karl Marx، op. cit.، p. 204.

(18) Jean-Pierre Vernant، « La lutte des classes »، in Mythe et société en Grèce ancienne، Maspéro، 1974، p. 12.  

المصدر:

 https://www.facebook.com/notes/bruno-guigue/marx-le-capital-et-lhomme-marchandise/2127883580690419/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *