أحمد بن سعادة من هؤلاء الذين نَصَّبُوا أنفسهم « قادةً » للحراك الجزائري ؟ ترجمة يوسفي ليلى روميساء . صفحات ُمختارة

Date: 7 août 2020Author: collectifnovembrepourlesocialisme0 Commentaires— Éditer

أ

مقتطف من

إنقاذ الحراك من شياطينه،

لماجد نعمة

 […]

لا يمكن أن نتهم أحمد بن سعادة، كاتب هذا الكتاب الإستقصائي، بكونه معاديا للحراك. هو الذي تمناه من أعماق قلبه و عبر عنه، دون تحفظ، في الأسطر الأولى من تحقيقه: « قلب هذا الحدث البارز في الحياة السياسية بالجزائر كل قوانين البلد. غير نفسية شعب، ونمى حسه بالانضباط، وسوى صفوفه في سبيل تحقيق غاية مشتركة ضد الاستبداد والحقرة ونجح ببراعة في اقتلاع جذور نظام مفترس مع قطيعه من الخدم ».

حملة فعلية للسلامة العامة جابت شوارع كل مدن البلد وكللت بالرقي والحماس و النبرة التي تقتضيها هذه اللحظات التاريخية… »

لكن الانضمام إلى حركة تاريخية مجددة و يثنى عليها، لا يمكن أن ينجح، حسب مفكر فذ و متفطن مثل أحمد بن سعادة، إذا ما أغمضنا أعيننا على محاولات بعض المحرضين لاستغلال هذه الإنتفاضة الشعبية والوطنية وجعلها تحيد عن مسارها لوضعها تحت خدمة مخطط أجنبي غير معلن عنه لأنه لا يمكن الإعلان عنه. لم يكن انضمامه الحراك إلا نتاج تعلقه ببلده، بهويته، باستقلاله وسيادته التي انتزعت بشق الأنفس، والتي لولاها لما كان أي إصلاح بينوي جدي و مستديم ممكنا.

سرعان ما رصد أحمد بن سعادة، المسلح بالوثائق والمتعقب النبه لاستراتيجيات المحافظين الجدد الأمريكيين خاصة والغربيين عامة، دعاة « تغيير النظام » و « الفوضى الخلاقة » محاولات استغلال هذه الحركة التاريخية. كان في الحقيقة قد تتبع تحركات بعض الفواعل الذين نصبوا أنفسهم قادة للانتفاضة الحالية، منذ كتابه الاستقصائي الأول الصادر سنة 2011 تحت عنوان « أرابيسك تحقيق في دور الولايات المتحدة في ثورات الشارع العربي »، الكتاب الذي أعيدت طباعته عدة مرات في كندا، بلجيكا و الجزائر. وترجم إلى اللغة العربية وسيترجم قريبا إلى اللغة الإسبانية. و نتذكر كيف جاءت أول محاولة ل »تربيع » الجزائر في أعقاب ثورات الربيع العربي المشؤومة ولكنها منيت بفشل ذريع.

كان أحمد بن سعادة قد تحسس خطر استغلال مماثل يحدق بالجزائر. لأن استراتيجية الزعزعة كانت شاملة وتستهدف كل البلدان « المارقة » في العالم. من كوبا حتى لبنان، و من فينزويلا إلى اليمن مرورا بهونغ كونغ، الفضاء السوفياتي-سابقا، سوريا، إيران، ليبيا، تونس وحتى العراق الذي- رغم أنه تم احتلاله في 2003 بعد حصار وحشي دام 1990 إلى غاية 2003 و الذي حصد أرواح مئات آلاف المدنيين- إلا أنه ما زال يستخدم كمخبر لمكائد المحافظي الجدد الأمريكيين الرامية إلى زعزعة الإستقرار.

 […]

ينطلق التحقيق الحالي لبن سعادة من تصريح مثير للدهشة أدلى به الهواري عدي، ناشط محترف ذو جنسية مزدوجة (جزائرية-فرنسية) يعمل بفرنسا، أستاذ في علم الاجتماع بمعهد الدراسات السياسية (IEP)بمدينة ليون. اقترح عدي في هذا التصريح استيلاء الثلاثي المكون من مصطفى بوشاشي و زبيدة عسول و كريم طابو على للسلطة وهذا من دون اتخاذ أي إجراء يذكر، و من دون أية إستشارة شعبية ديمقراطية، أو حتى موافقة القوات الحية للحراك. لا شيئ فعلا!

ليطرح الكاتب التساؤل التالي: »لماذا اقترح عالم الاجتماع هذه الشخصيات تحديدا، و هذا بعد فترة وجيزة من بداية الحراك ؟ هل كان على معرفة شخصية بهم ؟ هل تحدث معهم و أطلعوه على برامجهم؟ هل تشكل تحالف سري حول الحراك من أجل اقتراح قائمة معينة ؟ ما هو الخيط الذي يربط بين هذه الشخصيات والأستاذ الليوني؟

لن يخيب ظن القارئ عند تتبع تحقيقات الدكتور بن سعادة. إذ ثبت أن كل هذه الشخصيات كانت مرتبطة، بشكل أو بآخر، بهذه المنظمات الأمريكية لتصدير الديمقراطية!

كما أوضح بن سعادة أنه بالإضافة إلى كون هؤلاء الحراكيين الثلاثة على علاقات مشبوهة مع قوى خارجية. فهم يجتمعون في ارتباطهم مع بقايا الفيس المحظور. الحزب الإسلاموي الغامض المخضب بدماء الجزائر. كما يشتركون في تلقيهم الدعم الخارجي من عند القوات « الديمقراطية » و « المعادية للإرهاب ».

هذا و قد شكل اعتقال طابو بسبب « المساس بالوحدة الوطنية » الفرصة الذهبية التي انقضت عليها الشبكة الإسلاموية المدعومة من قطر لتهرع إلى مساعدته و تشوه سمعة الجزائر!

 […]

يعد تحقيق احمد بن سعادة مساهمة ضرورية من أجل فهم الألاعيب و الرهانات التي تتستر وراء المواقف العدمية للقوى الأجنبية تجاه الجزائر عبر الدمى المحلية الصنع. قوى تنصح الاخرين بالقيام بما لا تقوم به هي على أراضيها. و يعد هذا التحقيق أيضا نداء للقيام بوثبة وطنية من أجل إنقاذ الحراك من شياطينه و من يحفر له قبره. وكانت المقدمة التي قدمها الدكتور أحمد بن سعادة واضحة بهذا الشأن:  » الحراك، الذي كان حدثا فريدا و عظيما في تاريخ الجزائر. يجب أن يكون جزائريا-جزائريا في جوهره و ألا يسمح بأي تواطئ مع المصالح الخارجية« .

هذه هي الشروط التي تضمن نهوض جزائر الغد، جزائر ما بعد الحراك، الديمقراطية المزدهرة والعادلة.

مقتطف من

ستنجح الدمقرطة،

لأحمد بن سعادة

 […]

و لو تتبعنا تفكيره الحراكي، لوجدنا أن عدي ( هو كذلك!) وضع أسماء بعض « مشاهير » الحراك على الواجهة و لو أن  » الحراك لا يسعى إلى أن يكون منظما » حسبه. و على هذا الأساس، كتب عدي في 14 مارس 2019، بعد شهر تقريبا من بداية الحراك: « على صناع القرار أن يتقبلوا الطابع الشعبي لسلطة الدولة. عليهم أن يطالبوا ذلك الذي يشغل منصب رئيس الجمهورية اليوم بتقديم استقالته كما عليهم أن يعينوا هيئة حكم انتقالية لتولي مهام رئيس الجمهورية. يجب مطالبة كل من مصطفى بوشاشي و زبيدة عسول و كريم طابو بتولي مهام رئاسة مشتركة تقوم بدورها بتعيين حكومة مؤقتة من أجل إدارة الشؤون العامة و التحضير للانتخابات الرئاسية في غضون مدة تتراوح بين 6 و 12 شهرا. و على الجنرالات أن يساهموا في تحقيق هذا السيناريو و أن يقولوا لأنفسهم، مرة واحدة و للأبد، بأن الجيش في خدمة الشعب و ليس العكس… »

 […]

الكل انتبه، بطبيعة الحال، إلى أن هذه الأسماء طفت إلى السطح، بلمسة سحرية، في مرحلة مبكرة جدا من موجة الحراك. لكن « تعيين » الهواري عدي لهذه الشخصيات تحديدا لا يمكن أن بريئا. في الحقيقة، إن البحث عن العوامل المشتركة بينهم يتطلب رجوعا إلى الماضي أكثر مما يتطلب متابعة التطورات الأخيرة.

 […]

و عليه، كان الهواري عدي، لسنين طويلة خلال الألفينات، عضوا في مجلس أبحاث المنتدى الدولي للدراسات الديمقراطية« International Forum for Democratic Studies »  التابع للصندوق الوطني للديمقراطية« NED » . وما يزيد الأمر غرابة هو أن هذا « التعاون العلمي » البارز لا يظهر في أي مكان على سيرته الذاتية الرسمية.

[…]

تضم قائمة مجلس البحث، إلى جانب عدي، أسماء مشاهير « الدمقرطة » الأمريكية. إذ نجد، على سبيل المثال، في التقرير السنوي ل2005 الصادر عن الصندوق الوطني للديمقراطية« NED »  أسماء علماء سياسة مؤثرين في الساحة السياسية من بينهم فرانسيس فوكوياما و صامويل هانتنغتون و دونالد هوروويتز.

صرح أولهم، الذي ينتمي إلى تيار المحافظين الجدد منذ الساعة الأولى: » لقد عملت لصالح نائب وزير الدفاع السابق بول وولفويتز لمرتين، الأولى كانت بوكالة تحديد السلاح، و الثانية كانت بوزارة الخارجية; […] كما عملت مع مستشاره، ألبرت هولستر بالمؤسسة الإستشارية « بان هوريستكس » و كنت، مثله، موظفا في مركز البحث و التطوير« RAND »  لعدة سنوات… »

مقتطف من

الجبة السوداء و نشطاء حقوق الإنسان،

لأحمد بن سعادة

 […]

انعقدت الجمعية العالمية الثانية للحركة العالمية من أجل الديمقراطية  « WMD »بساو باولو ( البرازيل) من 12 إلى 15 نوفمبر سنة 2000. وكما توقعنا، فإن مشاهير هذا الحدث كانوا، دون منازع، نشطاء أوتبور. إذ حضر اثنان من من أبرز أعضائها: سلوبودان جينوفتش و سلوبودان هومن. ولم تمر مداخلتهم مرور الكرام.

قدم سلوبودان هومن، في جلسة نظمها و أشرف عليها المعهد الجمهوري الدولي« IRI »،  مداخلة بعنوان:  » الانتخابات الحاسمة فرصة لتعزيز الديمقراطية: ما هي أفضل الاستراتيجيات؟ »

و بالمقابل، نشط سلوبودان جينوفتش ورشة تحت إشراف الصندوق الوطني للديمقراطية« NED » . والتي حملت عنوانا جذابا: كيف يمكن للمنظمات غير الحكومية المساهمة في تجاوز العقبات و تخفيف الخسائر البشرية خلال المراحل الإنتقالية الصعبة؟ « 

أما الأمر الأكثر إثارة في كل هذه القصة هو الملاحظة التي رافقت هذا الحدث: » تركز هذه الورشة على دراسة أربع حالات: صربيا، الجزائر، فلسطين و رومانيا ».

مقتطف من

حكاية علاقة معلن عنها،

لأحمد بن سعادة

 […]

تكشف الدراسة المقدمة فيما سبق عن أول عامل مشترك بين الهواري عدي والشخصيتين (عوض الثلاث الشخصيات) التي اقترحها: علاقاتهم مع الولايات المتحدة و منظماتها ل”تصدير” الديمقراطية. من الواضح أنه كان كل من الهواري عدي و مصطفى بوشاشي و زبيدة عسول على صلة بالمصالح الأمريكية.

لنمر الآن إلى العامل المشترك الثاني الذي يجمع بين “قادة” الحراك هؤلاء.

قام السيد بوشاشي، في اليوم نفسه الذي يصادف الذكرى السنوية الأولى للحراك، بزيارة القيادي الثاني السابق بالفيس، علي بن حاج (رفقة شخصيات أخرى من الحراك). الأمر الذي أثار استنكار الجميع.

كيف يعقل أن يقوم ذلك الذي يعتبر نفسه حاملا لمشعل الحراك و ممثلا للقيم الدبلوماسية بالتردد على شخصية كانت تصرح، منذ وقت ليس ببعيد، بأنها ليست ديمقراطية و أن الديمقراطية كفر.

 […]

في الحقيقة، ليست هذه العلامة الأولى على تعاطف السيد بوشاشي مع أعضاء سابقين في الفيس. لما توفي القيادي الأول في هذا الحزب، عباسي المدني، سارع بوشاشي بتقديم تعازيه إلى ذويه على تويتر و دعا له بأن :” يسكنه الله فسيح جنانه” لترد عليه إحداهن :”أبي، أول ضحية مدنية لهذا الإرهابي و مساعديه، يحييك من قبره أيها “الديمقراطي” العزيز. لقد ضاعت من يدك فرصة ذهبية لتسكت… “

توضح قرابة السيد بوشاشي من قناة المغاربية جيدا هذا الانسجام بينه و بين التيار الإسلاموي. إذ يعد ظهوره المتكرر على هذه القناة و الاحترام و التقدير الذي يحظى به من جهتهم، و هذا قبل سنوات من بداية الحراك، دليلا على تعاطف القناة مع ذلك الذي كان يلقب ب”محامي الفيس” كما ذكرناه سابقا.

 […]

لما أقبل الهواري عدي على قاعة النقاش الذي نظمته حركة رشاد في فيفري الماضي، إستقبله السيد زيتوت بالابتسامات و العناق و القبل. ما دل على صداقة يصعب نكرانها. من الواضح أنها لم تكن المرة الأولى التي إلتقيا فيها.

الهواري عدي و مراد دهينة هم أيضا أصدقاء قدامى، كما يبينه الجدول أعلاه. و هو ما يظهر جليا أيضا في طريقة تحدثهما مع بعضهما البعض (ترك الرسميات، إستعمال الأسماء بدل الألقاب، إلخ) و التي نراها في الفيديو الذي نشر على قناة رشاد تيفي الذي يعود تاريخه إلى 29 أكتوبر 2019 ( في قلب الحراك) أين قام الأول بدعوة الثاني.

على كل، أليس السيد عدي هو الذي صرح :” مراد دهينة هو أردوغان جزائري، ينادي بإسلام متوافق مع حقوق الإنسان و الديمقراطية. لكن في نظر الحكومة الجزائرية لا يوجد ما هو أسوأ من الإسلامويين المستقلين… ” هذا التصريح نقلته ماري فارديي (لاكروا) في 2002 قبل سنوات من بداية الحراك.

 […]

حسب المجلة الإلكترونية “مغرب إنتلجنس” « Maghreb Intellligence » ، قامت قناة المغاربية بدعوة عدة شخصيات من المعارضة من أجل الإحتفال بالذكرى السنوية لإطلاق القناة في فيفري 2019، قبل أيام من بداية الحراك. و حدد ذات المصدر أن :”تذاكر الطائرة، غرف الفنادق، قاعات الإجتماع، حفلات العشاء، كل شيء، فعلا كل شيء تكفلت به القناة الإسلاموية “المغاربية” التي تدافع بشكل صريح عن مواقف الفيس-سابقا و عن “مزايا” قطر و دبلوماسيتها المخادعة…

نجد من بين المدعوين إسمي زبيدة عسول و كريم طابو. و قد أكد نوفل براهيمي الميلي عن تواجد هذين الوجهين البارزين في الحراك بباريس في هذه الفترة في كتابه “القصة السرية لسقوط بوتفليقة”: “بمحض صدفة غريبة، تواجدت شخصيات جزائرية تابعة لحركة مواطنة بباريس هذا الأحد (17 فيفري 2019). من بينها: كريم طابو، زبيدة عسول، سفيان جيلالي إلى جانب شخص يدعى أمير ديزاد، ناشط على الإنترنت و مدون يتابعه الكثير من الناس، يمسك الميكروفون و يشعل حماس الحشود بأسلوبه “الشبابي”…

 […]

علق الهواري هدي على هذه العلاقات الديمقراطية الإسلاموية بمقاله المزركش بالعنوان الصريح:” هل يجب أن نخاف من الإسلامويين؟ ” و طرح السؤال بهذه الطريقة يعني أن الإجابة ستكون نفيا بالضرورة.

يستند التبرير المحدود الذي قدمه عالم الإجتماع على حجتين قويتين كقلعة رملية في قلب إعصار: احترام التعددية الإيديولوجية و نظرية “من يقتل من”. يتظاهر عدي بأنه لم يستوعب بأن الاحتجاجات لم تكن ضد الإسلامويين بصفة عامة، بل ضد التحالف مع شخصيات ذات ماضي أسود تنادي بتطبيق إيديولوجية زرعت الخراب و الدمار خلال العشرية السوداء. من جهة أخرى، هنالك فرق بين السماح بالتعددية الإيديولوجية و إقامة علاقات وثيقة جدا مع قنوات اتصال متورطة في توجه إسلامي أثبت التاريخ أنه مشبوه فيه.

أما عن نظرية “من يقتل من” فما هي إلا مجرد ذريعة ساذجة لتبرئة الإرهابيين من جرائمهم.

مسح عدي الغبار عن نظريته الشهيرة حول “التراجع المثمر”. التي قال في شأنها الصحفي حسن زناتي أنها مقاربة تبنتها:” مجموعة من المثقفين الجزائريين المقيمين بأوروبا، متأثرين بنظرية “الفوضى الخلاقة” للمحافظين الجدد الأمريكيين التي ترى أن صعود الإسلامويين إلى السلطة لن يكون إلا “تراجعا مثمرا” لا مستقبل له، لكنه سيسمح عاجلا أم آجلا بانتهاج السبل الديمقراطية”.

كما أضاف بأن قائد هذه المجموعة هو عالم الإجتماع الهواري عدي.

ما يعود بنا إلى بداية هذه الدراسة: علاقة الهواري عدي بالصندوق الوطني للديمقراطية« NED »  والمحافظين الجدد الأمريكيين. هذا بالإضافة إلى علاقاته مع بعض “قادة” الحراك و المصالح الأمريكية. وهو ما يذكرنا برغبة الولايات المتحدة في دعم وصول الإسلامويين للسلطة في البلدان العربية كما كان الحال في مصر، سوريا، ليبيا واليمن.

مقتطف من

الجزائر في القلب،

لريشارد لابيفيار

 […]

تعد المنظمات غير الحكومية، دون أي شك، الإبتكار الأكثر مكيافيلية للدول الغربية “الديمقراطية”. إذ تم ابتكارها في خمسينيات القرن الماضي في قلب الحرب الباردة من أجل إضعاف الكتلة الشيوعية من الداخل. والتي تتستر تحت غطاء جمعيات الإغاثة الإنسانية و الطبية، جمعيات محو الأمية و بالطبع وسائل الإعلام “الديمقراطية”: من بينها: إذاعة أمريكا الحرةRadio Free America » ، إذاعة أوروبا الحرة « Radio Free Europe ، حر كل ما تريد… من بين هذه المنظمات غير الحكومية نجد: الصندوق الوطني للديمقراطية « NED » ، المعهد الوطني الديمقراطي« IDI »، بيت الحرية« Freedom House »  ،معهد المجتمع المفتوح « Open Society » و أوتبور الغنية عن التعريف، التي تعني “مقاومة” باللغة الصربية السيريليكية. أنشأت هذه الأخيرة بدعم من الصندوق الوطني للديمقراطية و الملياردير هنغاري الأصل جورج سوروس. بعد تدمير يوغوسلافيا سابقا،أصبحت أوتبور مركز تدريب ل”النشاط غير العنيف” و خَرَّجَت العديد من “الثوريين” في كل من جورجيا، أوكرانيا، روسيا البيضاء، الماديف، مصر و فينيزويلا مؤخرا.

 […]

والوصفة فعالة جدا لدرجة أنها تطبق بعناية على كل البلدان التي تتجرأ على عدم الامتثال للأوامر الصادرة من واشنطن, لندن, بعض الهيئات الأوروبية، تل أبيب, بلدان الخليج، أي الفواعل الرئيسية الحالية في ظل العولمة الليبرالية المتطرفة.

 […]

لأنها هذه هي القضية الجوهرية. كل من الثورات الفرنسية (1789)، الروسية (1917)، الكوبية (1949) والساندينية (1979) أحدثت صدعا بين ماضي و مستقبل حاسمين و “ماديين” بالمعنى الهيجلي للكلمة. في قلب هذه التناقضات التي تدفع بتقدم “منطق التاريخ”, تشغل الثورة الجزائرية مكانة خاصة لأنها وضعت حدا لاحتلال و استغلال استعماري استمر منذ 1830.

واليوم أيضا, تبقى الجزائر رمزية و محورية في حياة الشعوب و ذاكرتها لأنها انتصرت انتصارا ساحقا على الوجود الاستعماري و ألقت بهذا النوع من الحكم في مزبلة التاريخ. و يظل التأكيد على وطنية الجزائر و سيادتها و استقلالها يشكل تهديدا و تحديا لدعاة الحركات الاستعمارية الأخيرة و المستفيدين منها. و نجد في الصف الأول الكيان الصهيوني ب”دولته اليهودية” العنصرية التي تحتل و تستعمر و تلحق و تقمع الأراضي الفلسطينية.

 […]

وعلى مدى أوسع، إن وجود جزائر مستقلة و سيادية يزعج الفواعل المستفيدة من العولمة المعاصرة: الليبرالية المتطرفة, الأنجلوساكسونية، المدمرة للموارد الطبيعية و لحريات الشعوب. هوس هذه الآلة اللعينة هو كسر الدول-الأمم, الخدمات الإجتماعية و سياسات إعادة التوزيع الإجتماعي. كما تزعج الجزائر بشكل أكبر خدمة العولمة: أولا، لأنها بلد غني بالنفط له وزن في منظمات البلدان المنتجة و المصدرة. و مهما تقلبت أسعار البترول، فإن هذه الموارد الجزائرية المسيرة وطنيا تشكل عائقا يقف أمام أطماع الولايات المتحدة و دول الخليج. أتذكر الساعات الأولى التي قضيتها مع صديقي العزيز عبد القادر شندرلي الذي أعطاني دروسي الأولى في الجغرافيا السياسية الطاقوية و أطلعني على طموحاته الجزائرية.

التحدي الجزائري الثاني الذي لا يتحمله كل من يشعر بالحنين إلى الاستعمار هو، دون شك، الدبلوماسية الجزائرية القائمة على مبدأ عدم التدخل و دعم الشعب الفلسطيني و شعب الصحراء الغربية على تقرير مصيريهما عبر المرور بالعديد من الساحات الإفريقية و الآسيوية. لأن ثورتها الوطنية الحقيقية لا يمكن…

 […]

مخاطبا الذكاء الجمعي، اعتمد أحمد بن سعادة في كتابته على أسلوب واضح, سلس و مشوق: الإشكال ليس في إذا ما كنا مع الحراك أو ضد الحراك بل يكمن في عدم المبالغة أو نفي أو استغلال المشاكل الداخلية التي تنخر بالمجتمع الجزائري، كأي مجتمع في العالم. الإشكال الحقيقي يكمن في التذكير بأن الحراك هو قضية الجزائريين وحدهم، و أنه لا يمكن تفويض تحديات المستقبل إلى منظمات أجنبية متخفية وراء ظهر المنظمات غير الحكومية تمول و تسير على خطط الهيئات الأقل شفافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *