من خَلْفِيّات العُدْوان على شعب اليمن، والتطبيع العَلَني الخليجي. الطاهر المعز

الطاهر المعز

Comment les Houthis pourraient menacer Israël © - JForum

ترتبط الحرب العدوانية على شعب اليمن الصّامد، وثيق بما يحدث، منذ 1991 بالوطن العربي، وبالعدوان على العراق، وكذلك بما يحدث، على ضِفَّتَي البحر الأحمر، في شرق إفريقيا، والمنطقة المُسمّاة “القَرْن الإفريقي”، وفي فلسطين ومصر والسعودية، وترتبط بالمُنافَسَة الحادّة بين الولايات المتحدة، القُوّة التي بدأت تبدو عليها علامات الوَهن الإقتصادي، والصين التي تُعتَبَرُ قُوّةً اقتصادية صاعدة، وتُتَرْجَمُ القُوّة الإقتصادية إلى بحث عن المواد الأولية، وإلى غزْو الأسواق الخارجية لتسْويق الإنتاج، وإلى السّيْطرة على مواقع استراتيجية لِتَأمين المَمَرّات التجارية، ونقل السّلع، وتُمثّل قارّة إفريقيا وكذلك منطقة غرب آسيا (وضمنها المشرق العربي)، نموذجًا للصّراع الأمريكي – الصّيني، من أجل السّيْطَرَة على الطُّرُقات التجارية، لكن سياسات الولايات المتحدة تتّسم بِعَسْكَرَة السياسة الخارجية، فيما تُنادِي الصين بإنهاء هيمنة “القُطْب الواحد”، وتأسيس عالم “مُتعدّد الأقطاب”، ونورد في الفقرات الموالية، بعض مظاهر الهيمنة الأمريكية والصّهيونية على الوطن العربي، بتواطؤ من الرجعية العربية الحاكمة، في إطار المشروع الرجعي والهَيْمني الأمريكي، المُسمى مشروع “الشّرق الأوسط الجديد”.        

ارتفعت قيمة التجارة الأميركية مع أفريقيا من 38 مليار دولارا، سنة 2000، إلى 113 مليار دولارا، سنة 2008، وإلى 126 مليار دولارا، سنة 2011، فيما ارتفع حجم تجارة الصين مع أفريقيا، من عشرة مليارات دولارا، سنة 2000، إلى 114 مليار دولارا، سنة 2008، وإلى 166 مليار دولارا، سنة 2011.

غيّرت الولايات المتحدة من خطَطِها بشأن قارّة إفريقيا، وعزّزت قواتها البحرية، بداية من سنة 2012 (خلال فترة رئاسة “باراك أوباما”) بهدف تركيز 60% منها في المَمَرّات المائية لتجارة الصّين، في جنوب وشرق آسيا، كما عزّزت الولايات المتحدة قواتها في حوض البحر الأحمر، في إطار حملة ضد المصالح الصّينِيّة في إفريقيا، وتحتل القوات الأمريكية الصومال منذ انهيار الإتحاد السوفييتي، وعززت نفوذها (ونفوذ الكيان الصهيوني) في شرق إفريقيا (الحبشة وأوغندا وإريتريا وجنوب السودان وكينيا وجيبوتي ).

S.Houthi menace l'Arabie en cas du rejet de la proposition de la paix  yéménite – Site de la chaîne AlManar-Liban

يندرج اهتمام الإمبريالية الأمريكية والكيان الصّهيوني بالبحر الأحمر، ضمن استراتيجية القُطْب الواحد، التي تتضمن السيطرة على مَمَرّات التجارة العالمية، ويعتبر البحر الأحمر منطقة استراتيجية، تطل على ثلاث قارات (أوروبا وإفريقيا وآسيا)، فهو يَصِلُ البحر الأبيض المتوسط، بالمحيط الهندي والمحيط الأطلسي،  المحيطين الهندي والأطلسي عبر البحر المتوسط، وهو أهم مَمَرّ لتجارة النفط، بحوالي 40% من تجارة النّفط، عبر البحار، أو حوالي مليارَيْ برميل تحملها 21 ألف سفينة سنويًّا، ولذا فالسيطرة على هذا المَمَرّ الإستراتيجي، تؤدّي إلى السّيْطرة على حقول المحروقات في الخليج، وعلى أهم المَمَرّات التجارية المائية…

خسرت مصر مكانتها في إفريقيا، ونفوذها في منطقة البحر الأحمر وشرق إفريقيا، مقابل تعزيز الكيان الصهيوني تواجُدَهُ، ونفوذه، وأنشأ قواعد عسكرية في إريتريا والحبشة وكينيا وأوغندا وجنوب السودان، ثم منحتها الإمارات، بعد إعلان التطبيع الرّسمي مواقع عسكرية في جزيرة “سُقَطْرَى” اليَمَنِيّة، التي تحتلها الإمارات، بإذن أمريكي وصهيوني، لتتعزز شبكة المواقع العسكرية الصهيونية، على البحر الأحمر، ولِتَشْمَل جزر “سنتيان” وفاطمة” و”ديميرا” و”حاليب”، وميناء “مصوع”، بالإضافة إلى الإشراف على جزيرتَيْ “تيران” و “صنافير” التي تنازلت عنهما مصر لصالح السعودية، على أن تُشرف قوات الإحتلال الصهيوني على الحركة داخلهما وحوْلَهُما، في البحر الأحمر، وكان ذلك مُؤَشِّرًا للتطبيع العَلَنِي السّعودي والخليجي…

نشرت الصحف الصهيونية (“معاريف”، و”يدعوت أحرونوت”، على سبيل المثال)، بين الأسبوع الأخير من آب/أغسطس والأسبوع الأول من أيلول/سبتمبر 2017، عددًا من المقالات التحليلية بشأن العلاقات الصهيونية الخليجية، غَيْر المُعْلَنة، ولكن من عادة الصهاينة فَضْح عُملائهم، وأوردت القناة الصهيونية الأولى، يوم الأول من أيلول/سبتمبر 2017، وصحيفة “معاريف”، يوم الرابع من أيلول/سبتمبر 2017، أخبارًا مُفَصّلَة عن القواعد الصهيونية ومراكز التّجسّس في إقليم كردستان العراق، وعن الإتصالات الرسمية، بين الكيان الصهيوني وحُكّام السعودية والإمارات والبحرين وعُمان، كما يُسْتشف من التّرجمات الفلسطينية للصحافة الصهيونية، أن الإتصالات حثيثة مع حكومات السودان والمغرب وتونس، وأن مُخَطّطات الكيان الصّهيوني ( والولايات المتحدة، طبْعًا) تتضمّن تَحْديث المشاريع الإستعمارية القديمة، وتكْيِيفها، لِتُلائمَ تَطَوُّرات المرحلة، لِتُصْبِح فلسطين المحتلة مركزًا للتخزين والتّجارة، ومُلتقى طُرُق لإعادة تسويق الطاقة والسّلع والخَدمات والأسلحة وأدوات المُراقبة والتّجَسُّس، خاصة بعد انهيار مصر، وتخريب العراق وسوريا، ودعوات صهاينة الخليج للتحالف مع دولة الإحتلال ضد إيران، وبعد خُرُوج ميناء بيروت عن الخدمة، ومن هذه المشاريع، إنشاء شبكة اتصالات وشبكة طُرُق برية وبحرية وجوية وحديدية، تجعل من ميناءَيْ “حيفا” و “أم الرّشراش”، محطات تصدير، وإعادة تصدير السلع والتقنيات والخدمات الصهيونية والأوروبية على مَشيَخات الخليج، وإلى العراق، وتسويق النفط والغاز إلى جنوب أوروبا، ومُنافسة مشاريع تُركيا الإخوانية، وكذلك المشروع الصّيني “الحزام والطريق”، أو الإندماج به، من موقع قُوّة، وقَطْع شوط هام من “مشروع الشرق الأوسط الكبير” (أو الجديد)، بفضل الثروات والأموال الخليجية، وهو مشروع استعماري أمريكي-صهيوني، أشار له “شمعون بيريس”، منذ 1982، وصقَلَ الفكرة في كتاب نُشِر سنة 1993…

تتمثل الإستراتيجية الأمريكية، في بعض جوانبها الخاصة بالوطن العربي، في تنفيذ أطروحات المُستشرق “برنارد لويس” ( 1916 – 2018)، منذ سبعينيات القرن العشرين، صاحب مخطط “الشرق الأوسط الجديد”، وتقسيم البلدان العربية إلى دُويلات، والشّعوب إلى مجموعات دينية وعِرْقية، وهي النّظرية التي تبناها وطبّقَها المحافظون الجدد، وأعاد صياغتها بعض القادة المُؤسِّسِين الصهاينة، ومنهم “شمعون بيريس” ( 1923 – 2016)، وتتمثل في فرض الكيان الصهيوني كقاطرة تقود الوطن العربي المُقَسَّم إلى دُويْلات ضعيفة مبنية على أُسُس مذهبية وطائفية وعِرْقِيّة، لا يُمكنها البقاء، دون حماية (مثل “كوسوفو”  و”البوسنة” وتيمور الشرقية”…)، وسوف يتكفل الكيان الصهيوني ب”حمايتها”، نيابة عن الإمبريالية الأمريكية، وحلف شمال الأطلسي، وهو ما حاول الكيان الصهيوني تنفيذه في لبنان، وفَشل سنة 1982، باغتيال بشير الجمَيِّل”، ثم تم تعديل المشروع وتجربته في شمال العراق، وفي جنوب السّودان، وفي سوريا…

كتب المفكر الراحل، صاحب موسوعة “اليهود واليهودية والصهيونية”، عبد الوهاب المسيري (مصر، 1938 – 2008)، بهذا الصّدد، ضمن مقال، بعنوان “الشرق الأوسط الجديد في التّصَوُّر الأمريكي الصهيوني”، نَشَرَهُ سنة 2006: “إن الاستراتيجية الغربية، منذ منتصف القرن التاسع عشر، تنطلق من الإيمان بضرورة تقسيم العالم العربي والإسلامي إلى دويلات إثنية ودينية مختلفة، حتى يسهل التحكم فيه، وما غَرْسُ إسرائيل، كجسم غريب، في قلب هذه المنطقة، سوى لتأدية هذا الدور الوظيفي كقاعدة للقوى الغربية، وتحقيق هدف التقسيم، ومَنْعِ العالم العربي من تشكيل ثقل استراتيجي واقتصادي وعسكري، قادر على إعاقة الأطماع الاستعمارية الغربية”.

الطاهر المعز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *