فرنسا، عملية التفاف وتحويل وجهة النقاش (بشأن “شارلي هبدو” وحرية التعبير والإسلام والإرهاب),الطاهر المعز

Liban : Macron s'en prend à un journaliste du « Figaro » après la  publication d'un article - Le Point

اغتال أحد المجرمين (باسم الدّين) مُدرِّسًا بضواحي مدينة باريس، يوم 16 تشرين الأول/اكتوبر 2020، وندّدت كافة القوى السياسية الفرنسية، وغير الفرنسية، بهذه الجريمة، بقطع النّظر عن دوافعها، وقتلت قوات الشرطة الفرنسية – كعادتها – ذلك المجرم، وبذلك لن يمكن معرفة دوافعه الحقيقية، ولا درجة سلامة مَدَارِكِهِ العقلية، لكن زملاء هذا المُدَرّس أكّدُوا أنه كان يعرض على تلاميذه ( 13 أو 14 سنة)، منذ سنوات، رسومًا كاريكاتورية نقلتها صحيفة “شارلي هبدو” عن صحيفة دنماركية، يمينية متطرفة، ومنها رسوم كاريكاتورية إباحية عن نبي المسمين، وبسرعة عجيبة، استغلت الحكومة، وكافة قوى اليمين وتيارات “الديمقراطية الإجتماعية” هذا الحادث، لتحويل النقاش الحاد داخل المجتمع الفرنسي، بشأن الأزمات الإجتماعية المتتالية، وبشأن ارتفاع عدد المُعطّلين عن العمل، وعدد الفُقراء وفاقدي المأوى، والمُحتاجين إلى سكن لائق، إلى حديث (ذو اتجاه واحد، أي بدون معارضة، أو رأي مخالف) عن “صراع الحضارات”، وما يحمله من شُحْنة عُنصرية، مُعادية للشعوب الواقعة تحت الهيمنة، ومعادية للفُقراء، ونجحت الحكومة المُمثلة لمصالح المصارف والشركات العابرة للقارات، في تحويل المهاجرين والفُقراء الذين يُفْتَرَضُ أنهم “مسلمون”، إلى “عدو داخلي” يعمل على تقويض أُسُس الدولة “الديمقراطية اللائيكية”، وبحسب هذا المنطق، تستوجب محاربة هذا العدو الدّاخلي الإفتراضي تكتّل كافة القوى (يمينًا ويسارًا) ضمن “وحدة وطنية” افتراضية، لكنها “وحدة” منقوصة، لأنها تمتدح وتُؤَيّد السياسات الطبقية ضد العُمّال والفُقراء في الدّاخل، وضد الشُّعُوب المُضطَهَدَة في البلدان الفقيرة، التي يقصفها الجيش الفرنسي، ويحتل بلادها، لحساب الشركات العابرة للقارات، ذات المَنْشأ الفرنسي، بالشراكة مع جيوش دول حلف شمال الأطلسي، بقيادة الإمبريالية الأمريكية… 

يوجد في فرنسا مدرسون يعتبرون أنفسهم مناهضين للعنصرية، والذين تم غسل أدمغتهم وتوجيههم من قِبَلِ الحكومة ووسائل الإعلام وخاصة من خلال برامج وتوجيهات وزارة التربية والتعليم التي تشيد بـ “مزايا ومحاسن الاستعمار”، خاصة منذ العام 2005، وهم (المُدَرِّسُون) يحترمون ويطيعون التسلسل الهرمي الذي يعتبر الجاثمون على قِمّتِهِ أن الرسوم الكاريكاتورية لـ “شارلي إبدو” هي جزء من المواد التعليمية، ومن الوسائل البيداغوجية للمُدَرِّسِين، في التعليم الأساسي والثانوي.

كان المُدَرِّسُ المقتول يُعبِّر بشكل علني ومكشوف، وأمام طلابه، منذ عدة سنوات، عن آراء معادية للمسلمين وللمهاجرين وللعرب، وليست معادية للدين الإسلامي فحسب، وإنما للأشخاص المؤمنين، وكان يستخدم باستمرار، وبشيء من المبالغة، ومنذ عدة سنوات، تلك الرسوم الكاريكاتورية الإباحية المعادية للمسلمين، والتي أعادت صحيفة “شارلي هبدو” نشرها (عن صحيفة دنماركية يمينية متطرفة) كأدوات تعليمية للطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و 14 عامًا، وكان يدافع علانية عن مضمون هذه الرسوم باسم “حرية التعبير”، أمام تلاميذ، أطفال، لا يستطيعون المجادلة، وتقديم وجهة نظر أخرى أمام معلمهم، الذي استغل وظيفته كَمًدَرِّس، للتعبير عن وجهة نظره السياسية الشّخصية.

يمكننا أن ننتقده، ونعبر عن وجهة نظر معارضة أو متناقضة، ونجادل آراءه، وما إلى ذلك، فالنقد حق، لكن استخدام العنف اعتداء أو عدوان، والقتل جريمة شنعاء.

قُتل هذا المعلم بسبب تعبيره عن أفكار أو وجهات نظر يتفق معها البعض ويختلف آخرون، فكان اغتياله فرصة للحكومة (التي أعربت دائمًا عن ازدرائها للمُدَرّسين) لتحويل النقاش حول المشاكل الحقيقية للمُدرّسين ولمنظومة التعليم، موجّهَةً البَوْصَلَة نحو خَلْق “وحدة قَوْميّة” افتراضيّة تسمح لها بتجميع القوى السياسية حول برامجها الرأسمالية اليمينية، ويسمح لها بمهاجمة أي مُعارض لبرامجها وخططها الاقتصادية والاجتماعية.

حولت الحكومة هذا المُدَرّس إلى شهيد من أجل حرية التعبير. لكن الحكومة تقمع النقابيين والمناضلين في حركات الاحتجاج الاجتماعي.

يمكننا اعتبار القَتْل، بسبب التعبير عن الرأي المخالف، أو بسبب إعادة نَشْر بعض الرسومات المُسيئة، إجرامًا، لا أكثر ولا أقل، مهما كانت مُبَرِّرات العملية الإجرامية، في المقابل، يجب دعم حق التقدميين والمناهضين للعنصرية في رفض “الاتحاد المقدس” المفروض من الحكومة، التي تُصنف جزءًا من المواطنين “عدوًا داخليًا”، وهذا الجزء من السكان، هو أول ضحايا هذا “الاتحاد المقدس”، وهو ضحية التمييز والقمع الاجتماعي والاستغلال الاقتصادي، ويسهل قمعه وتشويهه لأن الدّولة وأجهزة الإعلام تَحْظر إدراج رأيه وصوته ضمن حرية التعبير، في وسائل الإعلام، وفي المنابر القانونية…

إن أي اغتيال يُعتَبَرُ “ذنبًا” (بالمفهوم القانوني والأخلاقي) والموت أمر مؤلم، خاصة بالنسبة لذوي المَيّت، وتتساوى في ذلك اغتيالات المواطنين السود في الولايات المتحدة، والشباب في فرنسا ( العرب والسود في معظم الأحيان )، وكذلك ما يسمى بالاغتيالات “المستهدفة” التي يرتكبها المحتلون الأمريكيون أو الأوروبيون أو الصهاينة، ولكن الرأسمالية الحاكمة وأجهزتها تُبَرِّرُ اغتيالات أفراد الشعوب (في أوطانها) واغتيال الفُقراء واغتيال مواطني البلدان الواقعة تحت الإحتلال، كما تُبرّر اغتيال الفقراء في الداخل (العدو الدّاخلي)، ثم يدّعي ممثلو الرأسمالية أن شعارهم هو “الحرية والمساواة والأُخُوّة”.

يمكننا الدفاع عن حرية التعبير، مع معارضة شكل ومحتوى الرسوم الكاريكاتورية العنصرية لأسبوعية “شارلي هبدو”. إنها رسوم كاريكاتورية منقولة عن صحيفة دنماركية يمينية متطرفة، وما نَشْرُها سوى جريمة مع سبق الإصرار،هدفها إيذاء المؤمنين، من خلال تصوير نبيهم على أنه حيوان (في رُسوم إباحية، خادشة لحياء ولمشاعر المسلمين وغير المسلمين، المؤمنين وغير المؤمنين)، أو من خلال رسوم تُجَسِّدُ نقابية مسلمة محجبة في هيئة قرد، أو العديد من الرسوم الكرتونية العنصرية الأخرى، المتحيزة، والإباحية البذيئة، التي تحتقر النساء المهاجرات، وتحط من قدر النساء المغتصبات، والأطفال المعتدى عليهم جنسيًا، وتحط من قدر وكرامة الشعوب المضطَهَدة، والفُقراء والجياع الذين خربت الاعتداءات العسكرية الإمبريالية بلدانهم ونهبت الرأسمالية الإحتكارية الأجنبية ثرواتهم. 

إن هذه الرسوم (ذات القيمة الفنية الرديئة) دنيئة وبذيئة وغير نزيهة ووحشية وعنصرية، نُشِرت باسم الديمقراطية وحرية التعبير، وهي رسومات ذات طابع طبقي، لأنها تسخر من الفقراء والمعوزين الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم.

باسم حرية التعبير ، يجب أن تتساوى حُقُوق من يُؤيّد مع من ينتقد أو يُعارض رسوم “شارلي هبدو”.

لا يجب أن يُفْضِيَ الحداد والخشوع والتضامن مع أقارب (عائلات) الضحايا، إلى نسيان جرائم أجهزة الدولة التي لم يقع تتبع أو مُعاقبة مرتكبيها، أو التي تمتع مرتكبوها بتواطؤ جهاز القضاء الطبقي، الذي اعتبر أن قتل المهاجرين وأبنائهم، ليس جريمةً يُعاقب مُرتكبُها، خاصة إذا كان شُرطيًّا مُسلّحا، أو اعتبر أن جميع ضحايا الإغتصاب والتّحرّش الجنسي من النساء كاذبات أو “عاهرات”، ومن بينهن ضحايا رجال السياسة، من وزراء ونواب برلمان وزعماء أحزاب، وغيرهم من أصحاب النّفوذ، مثل وزير الدّاخلية في الحكومة الفرنسية الحالية. نحن مُلْزَمون بالتنديد والإحتجاج والتظاهر، مع المطالبة بمحاكمة القَتَلَة، من مدنيين ومن عناصر الشرطة والجيش والمرتزقة، فكل قتل لفقير أو مستعمَر أو مظلوم يستحق سخطنا وتنديدنا ومطالبتنا بالعدل وبالقصاص .

يؤدّي جهاز الدولة دوره في محاولة تشتيت انتباه المواطنين، بمساعدة الإعلام التي يفتح أبوابه للمحللين والباحثين، الذين نالوا صفة “الخبراء”، وهم من موظفي أجهزة المخابرات، والمتعاملين معها، لتيْسير ارتقائهم في السُّلَّم الإجتماعي والطّبَقِي (” جيل كيبل ” نموذجا)، ولذلك، لا غرابة من استخدام عملية اغتيال مُدَرِّس لتعزيز منظومة القمع، وكان رئيس الجمهورية الفرنسية أول من استخدم اغتيال المُعلّم ليجعل الناس ينسون المشاكل الحقيقية لغالبية السكان، ومنها البطالة والفقر وشح المساكن وارتفاع الإيجار، إلخ، وبعد أقل من أسبوع على الاغتيال، قررت الحكومة الفرنسية تقديم 16 مليار يورو شهريًا للشركات الكبيرة، بدل إنفاق هذه المبالغ من المال العام (أموال المُقيمين من المواطنين والمُهاجرين) لتحسين خدمات المستشفيات والرعاية الصّحّيّة، ولمساعدة العاطلين عن العمل والفقراء …

لقد استغلت أجهزة الدّولة والإعلام الرأسمالي هذه المأساة، لإلغاء أي نقاش حول سوء إدارة الأزمة الصحية، وأصبح “العنف”، أو “الإجرام”، بل “الغزوالإسلامي” المُتَخَيَّل لفرنسا ولأوروبا، موضوعًا وحيدًا مفروضًا، “في اتجاه واحد”، دون نقاش، أو ترك المجال لأي رأي مُخالف، ودون السماح لأي صَوْت بالتذكير بالغزو الحقيقي وليس المُتَخَيَّل أو المُفْتَرَض، الذي يقوم به الجيش الفرنسي للعديد من البلدان ويقوم بتنفيذ الغارات وقصف عدة شعوب، من أفغانستان إلى مالي، مروراً بسوريا وليبيا والصومال وغيرها، ما يدفع أهلها إلى الهجرة، إلى البلدان المجاورة، بشكل أساسي، وتصل نسبة لا تتجاوز نسبتها 10% من إجمالي اللاجئين والمُهاجرين، إلى أوروبا، ليُنعتَ أفرادها بالإرهابيين والغُزاة…  نجحت الحكومة الفرنسية في وَضْع حدّ لأية محاولة جِدّيّة لمناقشة أوضاع الفئات الأضعف، من المجتمع، ونجحت في إطلاق موجة جديدة من الكراهية تستهدف المسلمين ومن تعتبرهم حلفاء لهم، وتعتبر قوى اليمين وحتى بعض القوى المحسوبة على اليسار، عناصر منظمات ومجموعات التّضامن مع المهاجرين ومع الشعوب المُضْطَهَدَة، “خونة للوطن”، وبذلك تمكنت قوى الرأسمالية واليمين من نَشْرِ مَنَاخ الكراهية التي تمنع أي تفكير ونقاش جدي في أسباب هذا الاغتيال وكيفية التعامل معه.

أصبح القتل الوحشي للمدرس فرصة ونعمة للحكومة ولقوى اليمين المتطرف، واقتنصت الحكومة هذه الفُرصة بِسُرعة، فأعلن وزير الداخلية “جيرار دارمانين” (ناشط يميني متطرف قبل أن يصبح وزيرا)، في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2020، حل عدة جمعيات إنسانية أو خيرية بحجة أنها “جمعيات معادية للجمهورية”، معتبرًا إيَّاها “متورطة بشكل مباشر في عملية الإغتيال” (اغتيال المُدَرّس)، كما أطْلَقَ حملة قمعية، عبر عمليات للشرطة (مُداهمات وتفتيش واعتقالات) ضد عشرات الأشخاص، وهم ” ليسوا بالضرورة على صلة بالتحقيق” في الجريمة، بحسب وزير الدّاخلية، لكن هذا الإرهاب الحكومي يندرج حسب وزير الداخلية في باب “الأمن الوقائي”، أي الإعتقال بسبب الإشتباه في الإعداد لجريمة، قبل الإنتهاء من إعداد القانون الحكومي الذي عُرِفَ باسم قانون “مكافحة الانفصالية” الذي سيُوسّع من حَجْم التمييز ويشرعنه، بقانون يتهم كل مُخالف بالدّعوة إلى الإنشقاق عن الجمهورية العتيدة.

شكّلت التصريحات المُسْتَفِزّة لرئيس الجمهورية ووزير الدّاخلية، والعديد من السياسيين الآخرين (بعضهم محسوب على “المُعارَضَة”) إشارة لشن حملة من الكراهية والتهديدات بالقتل ضد “المسلمين وأصدقائهم الخونة الذين يدافعون عن الحريات الدينية “، وتستمر حملة الكراهية هذه باسم الدفاع عن “حرية التعبير”. لقد مكنت حملة الكراهية ضد “المسلمين” (الحقيقيين أو المفترضين) من إنجاز “الوحدة الوطنية” العُنصُرية، وراء البرجوازية الحاكمة، من خلال الجمع بين قادة الحزب “الاشتراكي” وأحزاب اليمين واليمين المتطرف، في نفس المعسكر، ضد المهاجرين (ومعظمهم من العُمال، في أدنى درجات السُّلَّم، بعقود وقتية أو بدون عقود أصْلاً، وبرواتب متدَنِّيَة) وضدّ الفقراء والمسلمين المُفْتَرَضِين، وهي نفس القوى التي دعمت الحروب الإمبريالية، بمشاركة الجيش الفرنسي، في عدة مناطق من العالم.

أما قاتل المُدَرِّس، فقد أفادت بعض الأخبار أنه كان على اتصال منذ عدة أشهر بجماعات إرهابية في سوريا (مسلحة ومدربة من قِبَلِ المخابرات العسكرية الفرنسية والأمريكية)، كما كان على اتصال بالفاشيين الفرنسيين، من اليمين المتطرف.

قال وزير الداخلية (رمز الحكومة اليمينية المتطرفة) إنه “صُدم” من وجود أرفف “المأكولات الحلال” في المُجَمَّعات التجارية، إلا أنه لم “يُصْدَمْ” أبدا من وجود رفوف ماكولات “الكاشير”.

أما السيدة السيدة فاليري بيكريس، الوزيرة السابقة، ورئيسة منطقة باريس وضواحيها (ثُلُث سُكّان البلاد) وهي من اهم رموز اليمين العنصري، فقد دَعتْ إلى “إغلاق المساجد التي لا يُدين القائمون عليها هذه الجريمة البشعة بشكل تلقائي، واضح وعلني”، ولم يسبق لهذه السّيّدة (اليمينية جدًّا) إدانة الجرائم الأخرى التي ارتكبها عناصر اليمين المتطرف، ولو مرة واحدة في حياتها، كما لم تًدِنْ جريمة “أندرس بريفيك” الذي قتل 80 شخصًان سنة 2011 في النرويجن أو “برينتون تارانت” الذي قَتَلَ  51 مسلمًا في كرايستشيرش، بنيوزيلندا.

كان جَدُّ وزير الداخلية “جيرالد دارمانين” (للأم) “حركيا”، أي عميلا جزائريا، خَدَمَ جيش الاحتلال الفرنسي لقتل المقاومين الجزائريين للإستعمار، والوشاية بهم، وتم تعريف الوزير من قِبَلِ بعض الصحف الفرنسية بأنه “أصولي كاثوليكي” و “ناشط يميني متطرف” منذ العام 2007 ، قبل أن يلتحق بالحزب الذي أنشأه نيكولا ساركوزي، ثم تم تعيينه وزيراً من قبل الرئيس إيمانويل ماكرون.

 كان، سنة 2008،مُحرّرًا في المجلة الشهرية “السياسة” ( magazine Politique )، وهي صحيفة ناطقة باسم منظمة مَلَكِيّة يمينية متطرفة (تقوم بحملات لإزالة النظام الجمهوري، ومن أجل عودة السلطة الملكية في فرنسا)، بالتوازي مع نشاطه في الحزب اليميني، الذي أنشأه نيكولا ساركوزي.

أثار تعيينه وزيرًا للداخلية في 6 تموز/يوليو 2020 ردود فعل سلبية من قبل منظمات النساء والمنظمات الحقوقية التي نظمت مظاهرة معارِضَة لتعيينه، بسبب تصريحاته العنصرية والمُتطرفة، وبسبب عدة قضايا اغتصاب واتهامات بالتحرش الجنسي والاغتصاب، واضطرت معظم المُشتكيات إلى سحب الشكوى، بسبب التهديد، أو بعد “مُصالحة” مفروضة، تحت الضّغط والتّهديد، أو برشوة بسيطة، مثل الحصول على مسكن “اجتماعي”، أو عمل للمُشتكية أو أحد أفراد أُسْرَتِها…

لم يتخلَّ وزير الدّاخلية عن منطق ولغة اليمين المتطرف، وغالبًا ما يستخدم، كوزير للداخلية، مفاهيم وصيغ يمينية متطرفة، وصرّح أمام أعضاء اللجنة القانونية في مجلس النواب إن هناك “صلة وعلاقة سَبَبِيّة بين انعدام الأمن والهجرة”، أي أن المهاجرين الذين يمارسون المِهَن التي يرفضها الفرنسيون، ويعملون برواتب متدَنِّية، يُشكّلون خطرًا على أمن فرنسا.

بعد يومين من ارتكاب متطرف “إسلامي” جريمة اغتيال مُدَرِّس في مدرسة ثانوية، بضواحي باريس، أمر وزير الدّاخلية (حفيد “الحَركي”) باعتقال وطرد حوالي 231 أجنبيًا من البلاد، وأمر بإغلاق عدة مساجد وشن حملة من القمع البوليسي ضد الجمعيات والأفراد باسم محاربة “الانفصالية الإسلامية”.

النضال الطبقي والأُمَمِي، مقابل العنصرية والإضطهاد والإستغلال:

استغلت الحكومة الفرنسية هذا الاغتيال للتّقلِيص مما تَبَقّى من حقوق العمال وحقوق المواطنين، ونجحت في تقسيم القوى التقدمية، كما أصبحت محطات القطاع العام للإذاعة والتلفزيون، بمثابة منتديات لليمين المتطرف، وفضاء لنَشْر الكراهية والتحريض على العنف ضد الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع، بمن في ذلك العمال غير المثبّتين (غير المُستقِرِّين في عملهم) والفقراء والمهاجرين (المصنفين على أنهم “مسلمون “) والعاطلين والنساء إلخ.

وظّفت الحكومة الفرنسية هذه الجريمة، باسم “تطبيق قِيَم الجمهورية”، لصالح برامجها السياسية اليمينية، والموالية للمصارف وللشركات الخاصة، بدعم من وسائل الإعلام، الحكومية والخاصة، التي حَوّلت “حرية الرأي” إلى مهازل، وإلى ساحة لا مكان بها لأي رأي مُخالف لرأي الحكومة اليمينية ولرأي اليمين المتطرف، وأصبح هذا اليمين المتطرف أكبر مستفيد، سياسيا وعَقائديّا، من هذه الجريمة، ورَفع مناضلو اليمين المتطرف، في مدينة نيس، أحد معاقلهم التاريخية، شعارات تدعو إلى جولة معارك جديدة من “حروب الفَرَنْجَة” (المُسمّاة “الحُرُوب الصّليبية”) وطرد المُسلمين خارج حدود فرنسا، وأوروبا بكاملها، وأدّى خطاب الرئيس الفرنسي، المُتعالي والعُنْصُرِي، إلى تقسيم صفوف معارضيه، وإلى عودة الحديث عن “صدام الحضارات”، الذي “بَشَّرَ” به “صامويل هنغتنتون” (1927 – 2008)، في كتابه الذي نُشِرَ سنة 1996، تحت هذا العنوان، كبديل للصراع الطبقي أو الصراع العقائدي، بين أنماط مجتمع مختلفة، بعد انهيار الإتحاد السوفييتي.

إنه انفجار عنصري واستبدادي كذلك، في العديد من وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية، من جانب مُحترِفِي السياسة، ومن جانب السلطة السياسية الحاكمة، وحليفها اليمين المتطرف، فانخرطت معظم الأحزاب السياسية الفرنسية في استراتيجية الصدمة، وفي استغلال الخوف من “كوفيد 19″، والخوف من الأعمال الإرهابية، لزيادة الإجراءات القمعية التي يصعب فرضها في سياق عادي. انتهز الجميع هذه الفرصة لتشويه المنظمات الإسلامية (القانونية) والمنظمات المناهضة للعنصرية والمنظمات النقابية والاجتماعية، وكافة المناضلين التقدذميّين، الذين دعموا (أفرادًا أو مجموعات) نضالات العاملين والفُقراء، وطالوا بالمساواة، كما دعموا النضال ضد جرائم الشرطة أو ضد الإسلاموفوبيا في السنوات الأخيرة.

لم تُظهر الحكومة وبعض أحزاب المعارضة البرلمانية “صَدْمَتها” أو غضبها من جرائم الشرطة، سواء في فرنسا أو في الولايات المتحدة أو في أي مكان آخر، فهؤلاء لا يُدينون الجرائم العنصرية، ولا جرائم أرباب العمل الذين لا يحترمون شروط السلامة المهنية، في أماكن العمل الخطيرة كالمناجم والزراعة (جراء المبيدات السامة) وفي قطاع البناء وقطاع الصناعات الكيماوية، لكنهم يتهمون المناضلين المناهضين للعنصرية، وكل من ينتقد صحيفة شارلي هبدو “بمساعدة القتلة وتسليحهم”. لقد استغلت القوى السياسية اليمينية، وكذلك تيارات “الديمقراطية الإجتماعية”، الصدمة العاطفية التي أثارها اغتيال المُدَرِّس، لتحديث المنطق الاستعماري الذي يعتبر بعض فئات المواطنين “عدوًا من الداخل” و “الطابور الخامس” ، بحسب نادين مورانو، السياسية اليمينية العنصرية، التي كانت وزيرة، خلال رئاسة “نيكولا ساركوزي”، واشتهرت بتصريحاتها الإستفزازية وبالإبتذال وبِبَذاءة اللّسان.

وَرَدَ في بيان نشرته نقابة التربية والتعليم التابعة للإتحاد العُمالي العام (سي جي تي):  “لن تكون المدرسة بمفردها قادرة على معالجة تصدعات المجتمع الذي يقوضه عدم المساواة الاجتماعية والتمييز. لا يمكن لمنظومة التعليم أن تحقق دورها في التحرر، الجماعي والفردي، إلاّ من خلال العمل من أجل تحول حقيقي وعميق للمجتمع، على أساس العدالة الاجتماعية والمساواة الحقيقية. “

من الضّروري، في مواجهة الحقد، والكراهية التي ينشرها جهاز الدولة، بهدف نشر الفُرْقَة بين أبناء نفس الطبقة، وفي مواجهة عنف الشرطة، أن يكون الرد من خلال تعزيز التضامن الطّبقي بين العاملين والعاطلين والفُقراء، نساءً ورجالاً، داخل فرنسا، وتعزيز التضامن الدولي مع كل المُضْطَهَدين المظلومين والمُسْتَغَلِّين، مهما كانت جنسيتهم ولونهم ولُغتهم وديانتهم المُفْتَرَضَة، والتضامن مع اللاجئين الذين هَجَرُوا (قَسْرًا) بلدانهم التي دمرتها الحروب والاعتداءات الإمبريالية، التي يشارك بها الجيش الفرنسي، ولا تُثِير مُعارَضَةً تُذْكَر داخل فرنسا…

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *