ماذا تَبَقّى من أوهام اتفاقيات أوسلو؟ ياسر الزعاترة و خالد بركات.تقديم الطاهر المعز

 

بعد ثلاثة عُقُود من “مؤتمر مدريد” (1991) ومن المحادثات المباشرة بين قيادات منظمة التحرير الفلسطينية، (ومعها الأنظمة العربية ) والكيان الصهيوني الذي يحتل الأرض (الوطن) بعد طَرْد السُّكّان الأصْلِيِّين، أصحاب البلاد الشّرعيين.

بعد اتفاقيات أوسلو (1993) ادّعت قيادة منظمة التحرير أنها تقود “دولة”، والواقع أن هذه الإتفاقيات تَنصُّ على وجود “إدارة الحكم الذاتي الإداري”، وليس على وجود أي سلطة سياسية فلسطينية، فالحاكم العسكري الصهيوني (أي حكومة الإحتلال) هو الحاكم الفعلي في الأراضي المحتلة سنة 1967، لكن ياسر عرفات وفئة المُنْتَفِعين الفلسطينيين من التعامل مع الإحتلال، تمكنت من تضليل النّاس (بما في ذلك العديد من المناضلين الفلسطينيين والعرب والأجانب) وتمكنت من تسويق الأَوْهام بشأن “الإستقلال” المَزْعُوم بواسطة المُفاوضات، وادّعى ياسر عرففات أنه وقّع مع الجنرال الصهيوني المُجرم إسحاق رابين “سلام الشُّجْعان”، واغتنمت الأنظمة العربية الرجعية فرصة الإستسلام الفلسطيني لتُطَبِّعَ علاقاتها مع الكيان الصّهيوني، وتفتتح (سنوات 1995 و 1996) سفارات في تل أبيب، تحت إسم “مكتب العلاقات” أو “مكتب تجاري” أو “مكتب تنسيق”، أو غير ذلك، وشكّل تطبيع قيادة منظمة التحرير غطاءً للأنظمة العربية وللصين وروسيا والدول الإفريقية وغيرها بالاعتراف والتطبيع مع دولة العدو، وشجّع دولا أخرى في آسيا وأمريكا الجنوبية، وخلق ارتباكًا في صفوف العديد من الأحزاب والمنظمات التقدمية في العالم…

أشرفت الولايات المتحدة على محادثات منظمة التحرير الفلسطينية مع الكيان الصهيوني، وأمريكا دولة امبريالية، تدعم الكيان الصّهيوني الذي يُشكّل قاعدة للإمبريالية ووَكِيلاً لها في المنطقة، وتتمتع دولة الإحتلال الصهيوني بدعم أميركي قوي، مهما كان الحزب الحاكم في أمريكا (الجمهوري أو الديمقراطي)، وحصل الكيان الصهيوني على أسلحة وتكنولوجيا المعلومات والإتصالات، لا تبيعها الولايات المتحدة لغير الجيش الأمريكي، وعلى سبيل المثل فقد فرضت الإمبريالية الأمريكية على الدول الأوروبية وعلى دول حلف شمال الأطلسي، تمويل تصنيع طائرة “إف 35″، ولكن حصل عليها الجيش الصهيوني مَجانًا (ضمن “المُساعدات العسكرية الأمريكية البالغة 3,8 مليارات دولارا سنويا) قبل أي جيش آخر…

لولا اتفاقيات أوسلو، والتطبيع الفلسطيني (بقايدة ياسر عرفات) لما تجرأت دُوَيْلات الخليج (وغيرها) على تطبيع علاقاتها مع دولة الإحتلال

أصبحت هذه “السلطة” الفلسطينية أداة تخريب للوعي، وأداة إجهاض لحركة التحرّر الوطني، وبؤرة فساد وأداة دعاية للتطبيع، وأداةً للقمع والإعتقال ضد أي فلسطيني يحاول مقاومة الإحتلال، بأي شكل من الأشكال، بالتعبير الشفاهي أو بالكتابة أو بالتظاهر، أما من يحمل السلاح فإن الأمن الفلسطيني (الذي أشرفت المخابرات الأمريكية على تدريبه وتسليحه) يقتله بالرصاص والسلاح الأمريكي.

هل توجد قوى بديلة؟

تتفاوت جذرية ومواقف المنظمات الفلسطينية، ولكنها وقعت (جميعها أو معظمها) في فخ “أوسلو”، وشاركت في انتخابات تحت الإحتلال، بمشاركة جُزْءٍ من الشعب الفلسطيني، وإقصاء الثُّلُثَيْن، واشترتها قيادة منظمة التحرير بالمال وبالمناصب، فنسي قادتها طبيعة المرحلة (مرحلة التحرر الوطني)، وأصبحت مبادراتها وبياناتها ومواقفها تنحصر ضمن الأراضي المحتلة سنة 1967، مع إهمال الأراضي التي وقع احتلالها سنة 1948، والمواطنين الذي فُرضت عليهم الجنسية “الإسرائيلية”، وإهمال اللاجئين، وهم أغلبية الشعب الفلسطيني، وكانوا وَقُود المقاومة (وليست الثورة) المُسَلّحة، ولذلك أدّى الخراب الذي خلقته اتفاقيات أوسلو، إلى غياب أو سُقُوط المنظمات التي تناضل من أجل تحرير فلسطين، كل فلسطين، وأصبحت فكرة التحرير الوطني مقتصرة على بعض المجموعات الصغيرة والأفراد، أما الشعب الفلسطيني، وخاصة اللاجئون منه فلم يستشرهم أحد، ووقع تغييبهم وإهمالهم…

تَخَلّت قيادة منظمة التحرير عن برنامج التحرير الوطني، وتمكنت من نَشْر نهج وثقافة الهزيمة بين أوساط القوى التقدمية، في ظل موازين قُوى تميل لصالح ثالوث الأعداء (الإمبريالية والصهيونية والأنظمة الرجعية العربية)، وفي ظل ضُعْف القوى التقدمية والثورية في العالم أيضًا…

الطاهر المعز

فيما يلي مقالتان، كتبهما فلسطينيان يختلفان في الرأي، ولكنهما يتوصّلان إلى نفس النتائج تقريبًا

 

المقال الأول كتبه “ياسر الزعاترة”، وهو كاتب وصحافي فلسطيني مقرب من تيارات الدّين السياسي (الإسلامي)، وكان سنة 1989، رئيس تحير مجلة “فلسطين المسلمة”، وكتب مقالات في الصّحف التي تُموّلها السعودية (صحيفة “الحياة” التي تَصْدُرُ بلندن) وصحف دُوَيْلَة “قَطَر” (“الشرق” و”العرب” و “عربي 21″، وموقع “الجزيرة”…)، ونشر كتابا بعنوان “الظاهرة الإسلامية…” (2004) وآخر بعنوان “لماذا يفشل الإسلاميون…” (2019)

 

والنص الثاني كتبه “خالد بركات” وهو مناضل يساري فلسطيني، قريب من التيار الراديكالي بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كان يعيش ببرلين (عاصمة ألمانيا) ثم وقع التّضييق عليه ومنعه من الكلام في لقاءات وتجمعات مناصرة للفلسطينيين، ووقعت مُصادرة إقامته، فانتقل إلى كندا…

:

 

لقد تجاوزوا الحضيض ولا مكان لمداهنة.. هذا ما يجب فعله

ياسر الزعاترة

هاتوا جردة حساب لاتفاق “أوسلو” بمرحلتيه: مرحلة عرفات، ومرحلة عباس. عمر الأولى 11 عاما، فيما عمر الثانية 16 عاما.

سنتسامح قليلا مع المرحلة الأولى، رغم أنها فاتحة الكارثة، وسنفعل ذلك لجملة أسباب؛ أولها، أننا تحدثنا عنها آلاف المرات في مقالات وتغريدات، ولا حاجة للإعادة من جديد بذات التفاصيل، وثانيها أن التجربة كانت جديدة، وكان بوسع أصحابها أن يقولوا “دعونا نجرّب”، إذ يمكن لهذه التجربة أن تفضي إلى تحقيق الحلم بطبعته “الفتحاوية” الجديدة بعد “من البحر إلى النهر”، إلى دولة ذات سيادة بحدود 67، وذلك بعد أن نضع أقدامنا في أرضنا، بدل التشتت في العواصم البعيدة. لم يحدث ذلك بطبيعة الحال، وهذا محمود عباس نفسه الذي كان أحد عرّابي الاتفاق، وشهد قمة كامب ديفيد، صيف العام 2000، يقول لقد نجونا من مأزق كبير، حيث لم يتجاوز المعروض “كانتونات معزولة” عن بعضها البعض على أجزاء من الضفة والقطاع، من دون سيادة ولا قدس ولا عودة لاجئين (هو ذاته الذي ما زال معروضا إلى الآن)، مع أن جوهر الفشل كان بعنوان القدس الشرقية التي قال عنها حمامة اليسار الصهيوني وقتها (يوسي بيلين)، إن “هيكلها” يساوي الكعبة للمسلمين!! سبب آخر للتسامح الذي تحدثنا عنه هو الخطوة التالية التي خطاها عرفات رحمه الله بعد القمة المذكورة، وبعد زيارة شارون للأقصى إثرها، وذلك حين جعل السلطة وحركة “فتح” جزءا من انتفاضة الأقصى؛ أحد أهم مراحل النضال في التاريخ الفلسطيني، ووصل به الحال أن جلب سفينة سلاح (كارين إيه) من إيران، وهي الخطوة التي ساهمت دون شك في قرار اغتياله.

هنا تحديدا، ثمة تاريخ بالغ الأهمية لا يعرف عنه “شبيبة فتح” الذين استيقظوا على رمز جديد، أو لنقل “شيخ قبيلة” جديد، اسمه محمود عباس، ولم يعرفوا الكثير عما فعله بالرمز السابق، بدفع من الأوروبيين والأمريكان والصهاينة، وكيف كان الأخير يسميه “كرزاي فلسطين”، ويتهمه مع صديقه (دحلان) بالعمالة بشكل مباشر وغير مباشر، بجانب “ضرّة” دحلان في الضفة (جبريل الرجوب). هذا الرمز الجديد (عباس) وصاحبه دحلان، وقفا على النقيض من كل الشعب الفلسطيني حين توحّد على صعيد واحد في انتفاضة الأقصى، واعتبروا المقاومة “لعبة كارثية”، وظلوا على ذلك ولم يغيّروا، لكن ذلك لم يمنع تدشين كتاب ملوّن عن إنجازاته، و”أوبريت” عن بطولاته، ومن ثم تتويجه بطل الأبطال الذي أفشل “صفقة القرن”، لكأن أحدا، كان بوسعه التوقيع على بيع القدس، وأخذ “كانتونات” على أقل من نصف الضفة الغربية، بلا سيادة، بحسب هرطقات ترامب، وصهره الصبي كوشنر.

هذا التاريخ، يجب أن يعرفه شبيبة “فتح” اليوم، من أتباع عباس في الضفة، وأتباع دحلان في غزة، كي يعرفوا ماذا فعل كل منهما بالحركة وتاريخها، وما هي علاقتهم بالاحتلال، وكلاهما أسوأ من الآخر، وصراعهما أصلا، لا صلة له بفلسطين، بل بمصالح شخصية، لا سيما بعد هجاء دحلان لنجلي الزعيم.

يجب أن يحدد هؤلاء الشبيبة ما إذا كانوا أعضاء في قبيلة حزبية، “إن غوت غووا”، و”إن رشدت رشدوا”، أم هم شبان بوصلتهم فلسطين. بوسعهم أن يكرهوا حماس، وأن يقولوا فيها ما يشاؤون، ولكن ذلك كله شيء، والدفاع عن العار والخيانة شيء آخر.

منذ 16 عاما، تمّت إعادة فك وتركيب لسلطة أوسلو التي سمّاها كاتب صهيوني شهير (عكيفا الدار) بـ”الاختراع العبقري المسمى سلطة فلسطينية”.

السلطة التي حملت عن الغزاة الوجه القذر للاحتلال، وأراحتهم من أعبائه الاقتصادية والسياسية والأمنية (سهولة اصطياد جنوده ومستوطنيه ورموز إدارته المدنية في الشوارع).

جاء الجنرال الأمريكي دايتون عام 2005، وفرّغ الأجهزة الأمنية من كل روح وطنية؛ بإقالة 3 آلاف من الضباط القدماء، وجاء بمن سمّاهم “الفلسطينيين الجدد”.

أما بلير فصاغ البعد الاقتصادي للسلطة، على نحو يجعلها سلطة مال واستثمار، لا صلة لها بالوطن والوطنية، وأشغل الناس بالقروض والأموال، وقامت السلطة بإعادة تشكيل وعي الناس في المساجد والجامعات كي يتركوا خيار المقاومة وينشغلوا بتحسين شروط الحياة، ورأينا كيف تم إسكاتهم حين كانت غزة تخوض 3 حروب.

وحتى هذا البعد (أي الانتخابات في 2006)، كان جزءا من اللعبة للتعامل مع السلطة كدويلة، وليس كأرض محتلة، وشعب يبحث عن التحرير، وإن جاءت النتيجة التالية على غير ما يشتهون، من حيث بناء قاعدة مزعجة للمقاومة في غزة، رغم بقائها مقيّدة بسبب استحالة الجمع بين السلطة والمقاومة، وخيارات عباس قبل ذلك.

منذ ذلك الحين، لم يكن عباس سوى خطيب يهدد ويتوعّد، ولا يفعل شيئا أمام تصاعد الاستيطان والتهويد، وأمام الإجراءات الصهيونية، والقرارات الأمريكية، ومع ذلك يستمر التصفيق له، كأنه بطل الأبطال!!

اليوم وبعد 6 شهور من وقف ما يسمى “التنسيق الأمني”، وبعد أن ذهب عرب التطبيع خطوات بعيدة في التحالف مع العدو، والتمهيد لـ”الحل الإقليمي”، الذي يعني تطبيعا واسعا، يحيل المؤقت دائما بمرور الوقت، والصراع إلى مجرد نزاع؛ يعيد عباس “التنسيق الأمني”، ويسمي وزيره (حسين الشيخ) ذلك؛ بخفة ووضاعة “انتصارا”، وبذلك يقدم أعظم هدية لعرب التطبيع والانبطاح، ويمهّد الأجواء لـ”الحل الإقليمي” المشار إليه، أو التصفية الناعمة للقضية بيد الصهيوني (بايدن)، بدل غطرسة ترامب التي لم تكن لتجدي نفعا.

سيحدثونك عن المال والرواتب، متجاهلين أن ذلك كله كان من مسؤوليات الاحتلال، ويمكن أن يعود، وإذا لم يعد بحلّ السلطة، فسيعود بأموال أشقاء وأصدقاء، عبر انتفاضة شاملة، لها فرصة انتصار كبيرة في ظل وضع دولي وإقليمي لا يخدم العدو، لا سيما حين ترفع شعارا ينسجم مع القرارات الدولية (دحر الاحتلال بالكامل عن الأراضي المحتلة عام 67، دون اعتراف بما تبقى للغزاة).

الآن، لا جدوى من المداهنة مع قيادة عار وخيانة كهذه، وعلى حماس والجهاد وما تبقى من فصائل ورموز وتجمعات تؤمن بفلسطين أن تجتمع فورا، وتتخذ مسارا للتصدي لهذه الخيانة، بالتعاون مع من يملك الاستعداد من شرفاء “فتح”، وإلا فنحن أمام كارثة كبرى، لن يوقفها سوى انفجار شامل في الضفة وغزة، يقاتل السفلة من كل لون لمنعه بكل وسيلة ممكنة.

وإذا كان ولا بد من إطار جديد غير “منظمة التحرير” التي جعلها عباس مؤسسة تافهة وتابعة، فليكن ذلك، لا سيما أن حماس والجهاد وحدهما يمثلان أكثر من نصف الشعب في أي انتخابات حرة في الداخل والخارج.

حين تصل الخيانة الحضيض، فلا مجال للمداهنة.

 

النص الثاني

مؤتمر المسار الفلسطيني البديل

 

مداخلة خالد بركات

 

عقدتْ مجلّة الآداب، وحملةُ مقاطعة داعمي “اسرائيل” في لبنان، وشبكةُ صامدون، ندوةً رقميّةً بتاريخ 15/11/2020، بعنوان: “مؤتمر المسار الفلسطينيّ البديل – الأبعادُ الفلسطينيّة والعربيّة والأمميّة.” شارك في الندوة: سماح إدريس وخالد بركات، وأدارتْها: رانية المصري. هنا كلمةُ بركات. لقراءة كلمة إدريس، أنقرْ هنا.

 

خالد بركات: خطوة إلى الوراء من أجل التقدّم نحو المسار البديل

 

في البداية أشكر الرفيقات والرفاق وكلَّ الزملاء المنظِّمين على هذه الدعوة الكريمة، وعلى تنظيم هذه الندوة. ويهمُّنا التذكيرُ باللقاء الجماهيريّ-الإعلاميّ الأوّل للجنة التحضيريّة لمؤتمر “المسار الفلسطينيّ البديل” يوم الأحد 29 نوفمبر الجاري بمناسبة “يوم التضامن العالميّ مع الشعب الفلسطينيّ،” وعنوانُه: “البحث في الأولويّات الوطنيّة الفلسطينيّة ومواجهة شروط

 

المرحلة.” الندوة ستبحث في القضايا المباشرة المتّصلة بالمؤتمر وبطبيعة المرحلة التي نعيشها اليوم، ونستمع فيها إلى رأي الحضور.

 

اليوم، أركّز في مداخلتي على المواقف والظروف المحيطة التي انعقد فيها مؤتمرُ مدريد التصفويّ عام 1991. لكنْ، قبل الدخول في صلب الموضوع، ثمّة حقائقُ بسيطةٌ وبديهيّةٌ لكنْ من المهم أن نعرضَها، وهي:

 

الحقيقة الأولى هي أنّنا اليومَ أمام جيلٍ فلسطينيٍّ جديد، وُلد وكبر بعد العام 1991.

 

الحقيقة الثانية أنّ شعبَنا تضاعف خلال السنوات الثلاثين الأخيرة. ففي العام الذي عُقد فيه مؤتمرُ مدريد سنة 91، كان تعدادُ الشعب الفلسطينيّ أقلَّ من 6 مليون؛ أمّا اليوم فقد تجاوز 13 مليونًا. وهذا يعني أنّ أكثرََ من نصفِ شعبنا وُلد بعد انطلاق مسار مدريد-أوسلو. والأهمّ أنّ أكثرَه من فئة الشباب.

 

من حقّ الناس أن تسألَ اليوم: أين وصل بنا هذا المسارُ كعربٍ وفلسطينيّين؟ كيف نَعْبر من تلك المرحلة، التي طالت، إلى مرحلةٍ نضاليّةٍ جديدة؟ وهل هذا ممكنٌ أصلًا؟ وكيف؟

 

على الرغم من أنّ عيونَنا شاخصة نحو المستقبل إذ نتحدّث عن “مؤتمر المسار الفلسطينيّ البديل” في العام القادم، فإنّ من شروط التقدّم خطوةً أو خطوتيْن إلى الأمام العودةَ خطوةً إلى الوراء. العودةُ خطوةً الى الوراء ضرورةٌ ملحّةٌ لكلّ الشعوب، ولحركات التحرّر الوطنيّة بشكلٍ خاصّ، عند تقويم مساراتٍ سياسيّةٍ جرى تجريبُها ففشلتْ أو نجحتْ.

 

من المهمّ التذكيرُ في هذا الاطار بأنّ كلَّ الدعوات التي طالبتْ قيادةَ منظّمة التحرير الفلسطينيّة بإجراء مثل هذا التقويم رُميتْ في سلّة المهملات. كلّها، إلى يومنا هذا! والحقّ أنّه لا بدّ من الانطلاق من نقطةٍ مركزيّةٍ معيّنة لتكون مرجعيّةً لنا في تقويم حالتنا الفلسطينيّة الراهنة على الأقلّ. ونحن نعتبر أنّ مؤتمر مدريد التصفويّ عام 1991 هو هذه النقطة.

 

البعض قد يقول: ولماذا لا نذهب إلى أبعدَ من مدريد، وتحديدًا إلى 15/11/1988، يوم “إعلان الدولة الفلسطينيّة” أو “إعلان الاستقلال” في الجزائر (من يسمع يصدّق أنّنا نلنا استقلالَنا!)؟ والبعض قد يقول: بل فلنذهبْ إلى العام 1974، لحظةَ تبنّي “برنامج النقاط العشر والحلّ المرحليّ” لأنّ المشكلة بدأتْ هناك. القولان صحيحان في رأينا، ولكنّنا اخترنا أن نعود إلى مدريد 1991 للأسباب الآتية:

 

أوّلًا: لأنّ ذلك المؤتمر جاء محصّلةً طبيعيّةً لمتغيّراتٍ عصفتْ بموازين القوى على الصعيد العالميّ، وأدّت إلى انهيار الاتحاد السوفياتيّ والمعسكرِ الاشتراكيّ، وإلى تفرّدِ الولايات المتحدة بالقرار على المستوى الدوليّ، حتّى كتب البعضُ عن “نهاية التاريخ” وانتصار الرأسماليّة إلى الأبد. وقد أصيب الجسدُ العربيُّ بندوبٍ عميقةٍ جرّاءَ هذه المتغيِّرات، وجرّاءَ تداعيات حرب الخليج سنة 1990 وحصارِ العراق ثمّ تدميره بشكلٍ خاصّ. ولنتذكّرْ أنّ الولايات المتحدة كانت قد حشدتْ قبل المؤتمر ما يقاربُ نصفَ مليون جنديّ في المنطقة، وأسّستْ تحالفًا لضرب العراق بمشاركةٍ رسميّةٍ عربيّة. وفي عمليّةٍ إجراميّةٍ كبرى أَطلق عليها العدوُّ الأمريكيّ عمليّةَ “عاصفة الصحراء” (Desert Storm)، لم يترك البنتاغون سلاحًا في جعبته إلّا وجرّبه على أجساد العراقيّين ورؤوسِهم، بما في ذلك قنابلُ النبالم والأسلحةُ المحرَّمة دوليًّا.

 

ثانيًا: لأنّ ذلك المؤتمر يضع كلَّ النظام العربيّ الرسميّ أمام المحاكمة، وليس فقط الجانبَ الفلسطينيّ الرسميّ الذي حضر إلى المؤتمر تحت عباءة النظام الأردنيّ. ففي هذا المؤتمر

 

بالتحديد، كُسرتْ لاءاتُ الخرطوم الثلاثة (“لا صلح لا تفاوض لا اعتراف”) علنًا وبشكلٍ جماعيّ. نعم، هذا الكسْر حدث علنًا وبشكلٍ جماعيٍّ في مدريد 1991، لا قبل شهرٍ فقط مع اتفاقيّات الإمارات والبحرين والسودان مع الكيان الصهيونيّ.

 

ثالثًا: لأنّ العودة إلى مدريد 91 تساعدنا على فهم العلاقة بين الوطنيّ والقوميّ والدوليّ، وكيف تؤثِّر كلُّ حلقةٍ من هذه الحلقات في الأخرى؛ كما تساعدنا على الإجابة عن سؤاليْن: “كيف وصلنا إلى هنا؟” و”كيف نتجاوز المرحلة؟”

 

رابعًا: لأنّ أحدَ أهمّ أهداف مؤتمر مدريد 91 كان إجهاضَ الانتفاضة الشعبيّة الكبرى في الأرض المحتلّة. في كلّ وقت وكلّ زمن، سيكون هدفُ أيّ مشروع أمريكيّ-صهيونيّ، على شاكلة مدريد (واوسلو)، هو رأسَ المقاومة أو الانتفاضة أو الثورة وسلاحَها.

 

المواقف الفلسطينيّة من مؤتمر مدريد 91

 

أ – موقف قيادة منظّمة التحرير. عضوُ اللجنة التنفيذيّة في منظّمة التحرير الفلسطينيّة، ومسؤولُ دائرة العلاقات العربيّة والدوليّة في المنظّمة في ذلك الوقت، كان محمود عبّاس (أبو مازن)، رئيس السلطة الفلسطينيّة اليوم. وقتَها، كتب في مجلّة الدراسات الفلسطينيّة (خريف العام 1991) مقالًا يَظهر من عنوانه حماسُه للمؤتمر: “مؤتمر مدريد وضع الأمورَ في نصابها ][1.”ويمكن اعتبارُ ما ورد في ذلك المقال هو رؤية حركة فتح نفسها، أو رؤية التيّار المنظِّر للتسوية ذاتِ “الرعاية الأمريكيّة.” فماذا قال، وهو المعروفُ بأنّه من أشدّ المتحمِّسين للتسوية والمفاوضات منذ العام 1973 على أقلّ تقدير؟

 

قال إنّ الإطار الذي عُقد فيه المؤتمر، وجَمع العربَ و”إسرائيل” وجهًا لوجه للمرّة الأولى في تاريخ النزاع العربيّ-الإسرائيليّ، أهمُّ من الأسباب؛ وهذا ما يعطي المؤتمرَ – في رأيه – زخمًا ومصداقيّةً قد يؤدّيان إلى نتائج إيجابيّةِ تعكس نفسَها على المنطقة. وقال إنّ “إسرائيل” ستستغلُّ أيَّ عقباتٍ من أجل الانسحاب من المفاوضات (كان يعتقد أنّها خائفةٌ منها!). وأورد مبرِّراتٍ لمشاركة الفلسطينيّين في هذا المؤتمر، وذلك من منطلق وجوب التعامل مع الأوضاع والوقائع المتاحة. واستنتجَ أنّ الولايات المتحدة تتحدّث بجدّيّةٍ تامّةٍ عن حلٍّ عادلٍ ودائمٍ في الشرق الأوسط، وأنّها ترى ضرورةَ تطبيق القراريْن 242 و338 ومبدأ “الأرض مقابل السلام.”

 

ما قاله عبّاس في مقاله قاله جورج بوش الأب في خطابه في المؤتمر. وقبل مؤتمر مدريد بسنتين، كنّا قد بدأنا نسمع تصريحاتٍ من نوع “وجوب نبذ الإرهاب،” وأنّ الميثاق الوطنيّ أصبح “متقادمًا” وخارجَ الزمن (caduc). وبرزتْ إشاراتٌ أخرى إلى استعداد القيادة المتنفّذة في منظّمة التحرير لتغيير الميثاق الوطنيّ نفسه، ولنسفِ كلِّ ما تأسّست المنظّمةُ من أجله.

 

ب – موقف الجبهة الشعبيّة: رفضت الجبهةُ الشعبيّة (وقوًى عديدة) مؤتمرَ مدريد 91. وحين سُئل د. جورج حبش، بعد عامٍ تقريبًا على انعقاد مؤتمر مدريد، عن تقويمه لمسيرة التسوية، أجاب: “ما جرى في مدريد لا يمكن أن أُطلقَ عليه ’مسيرةَ تسوية‘ وإنّما هو من حيث الشكلُ والمضمون مسيرةُ تصفيةٍ حقيقيّةٍ للقضية الفلسطينيّة [2].”واعتبر أنّ هذا المسار سوف يؤدّي إلى نتائجَ كارثيّةٍ على الشعب الفلسطينيّ والمنطقة، وسوف يجعل من الكيان الصهيونيّ قوّةً إقليميّةً مهيمنة.

 

هذا التناقضُ الصارخ بين موقف قيادة المنظّمة وموقفِ الجبهة الشعبيّة (والقوى الرافضة لمؤتمر مدريد) انعكس على مسار الانتفاضة الشعبيّة التي كانت لا تزال مشتعلةً في الوطن. فقد رأت قيادةُ المنظّمة لزومَ استثمار الانتفاضة بسرعة و”ركوب القطار” قبل فوات الأوان.

 

لذا عندما نتحدّث عن مشروع التصفية اليوم، فإنّ من السذاجة أن ننطلقَ من “صفقة القرن” مثلًا؛ ذلك لأنّ مسيرةَ التصفية بدأتْ من مدريد، كما يقول حبش في المقابلة ذاتها، مضيفًا: “إنّ اللحظة الراهنة، على ضوء مؤتمر مدريد، باتت تستدعي، أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى، البحثَ في مسألة البديل الثوريّ الفلسطينيّ، لأنّ كلَّ حقوق شعبنا ونضالاتِه ستكون في مهبّ الريح في حال نجاح مشروع الحكم الذاتيّ[3].”

 

ج – موقف حركتيْ حماس والجهاد الإسلاميّ وغيرهما من قوًى وفصائل: هذه كانت أيضًا ضدّ المشاركة في مؤتمر مدريد التصفويّ. وبعد سنتيْن، عندما أُعلن عن توقيع اتفاقيّات أوسلو، تَشكّل ما عُرف بـ” تحالف الفصائل العشرة” في دمشق بهدفٍ واضحٍ ومعلن: إسقاط نتائج مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو.

 

د – مواقف المثقّفين الفلسطينيّين والعرب: سادت نغمةٌ في تلك الفترة بين بعض المثقّفين الفلسطينيّين والعرب أنّ أهمّيّةَ “إسرائيل” الإستراتيجيّةَ بالنسبة إلى أمريكا لم تعد كما كانت. آنذاك، رَوّج هؤلاء لمدريد وأوسلو. بعضُهم بدّل مواقفَه بعد ذلك. ممتاز؛ فـ”أن تأتي متأخّرًا أفضلُ من أن لا تأتي مطلقًا” كما يقول المثلُ الإنكليزيّ. لكنْ علينا نحن ألا ننسى مواقفَهم الأولى.

 

وقتها، أيْ قبل أن يبدّلوا مواقفَهم، برّروا التسويةَ بالقول إنّ القوات الأمريكيّة تحتلّ الخليجَ كلَّه، وإنّ “إسرائيل” باتت عبئًا على أمريكا إلى درجة أنْ طلبت الأخيرةُ منها عدمَ التدخّل حتى بعد قصف الجيش العراقيّ لمدن العدوّ ومستعمراتِه. والحقيقة أنّ أهمّيّة “إسرائيل” بالنسبة إلى أميركا تضاعفتْ لا العكس، على ما أثبتتْه التطوّراتُ اللاحقة.

 

اللافت أنّ أغلبَ مَن نظّروا للتسوية مع العدوّ كانوا أكثر، بل أوّلَ، مَن انتقدوها! خالد الحسن، وهو من أبرز قيادات حركة فتح، وإدوارد سعيد، على سبيل المثال لا الحصر، وآخرون كانوا مقرَّبين من القيادة المتنفّذة في منظّمة التحرير، انقلبوا على رؤية هذه القيادة حين رأوا انجرافَها في الاستسلام بلا قيدٍ أو شرط.

 

خلاصة

 

كلُّ ما قدّمه تيّارُ التسوية من تنازلاتٍ ومبرِّراتٍ للمشاركة في مدريد واوسلو، وكلُّ ما قدّمه منظّرو التسوية والتصفية وقتها من مواقفَ واستنتاجات، كانت ولا تزال فاشلةً وعقيمةً، بل كارثيّةً أيضًا، ويجب أن يحاسَبوا عليها. ويتبدّى ذلك بصورةٍ جليّةٍ حين نقارن بين وضع “إسرائيل” سابقًا ووضعِها اليوم.

 

ففي حين كان الكيانُ يعيش حالةَ ركودٍ اقتصاديّ ويشْهد موجاتِ هجرةٍ معاكسةٍ من فلسطين؛ وفي حين كانت الانتفاضةُ الشعبيّةُ الكبرى مستمرّةً وتشكّل قلقًا كبيرًا وتحقّق إنجازاتٍ مهمّةً وتربك الأوضاعَ الداخليّةَ في الكيان، ولا سيّما بفضل العمليّات الاستشهاديّة والفدائيّة النوعيّة التي نفّذتْها حركتا حماس والجهاد الإسلاميّ؛ فإننا اليوم نجد الكيانَ في أعلى درجات قوّته. فلـ”إسرائيل” اليوم قواعدُ عسكريّةٌ في أفريقيا وفي جزُرٍ على طول البحر الأحمر،

 

وغوّاصاتُها النوويّة تجوب البحرَ الأبيض المتوسّط والبحرَ الأحمر، وهي مطمئنّةٌ إلى حدودها مع الأردن ومصر، وإلى حدٍّ ما مع سوريا (وإنْ لم تكن كذلك مع لبنان).

 

إنّ البديلَ الحقيقيَّ والممكن هو تبنّي سياساتٍ ثوريّةٍ نقيضة، يكون أساسُها الاعتمادَ على الذات، أيْ على البعد الشعبيّ الفلسطينيّ، وعلى البعد الشعبيّ العربيّ والأمميّ، لا الاعتمادَ على النظام العربيّ الرسميّ أو على ما يسمّى “المجتمع الدوليّ.”

 

المطلوب باختصار: الاعترافُ بفشل مسار مدريد-أوسلو، والبحثُ عن مسارٍ ثوريٍّ وبديل وجديد، يقوده الجيلُ الشابُّ وطلائعُ الشعب الفلسطينيّ في كلّ مكان. ويمكن في رأينا صناعةُ هذا البديل من خلال مشاركة شعبنا وتجميعِ عناصر القوّة الفلسطينيّة وصهْرِها في إطار مشروع التحرير والعودة.

 

مونريال

 

[1]-fstudies.org/sites/default/files/md-https://oldwebsite.palestinearticles/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%2020%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%20%D8%B9%%D8%A8%D8%A7%D8%B3.pdf

 

[2] مقابلة مع د. جورج حبش في شهر 12، 1992، وقد نُشرتْ عن منشورات مجلة الهدف سنة 1993 بعنوان: استحقاق الراهن والأفق القادم، ص 22.

 

[3]المصدر نفسه، ص 28. adab.com/article-https://al

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *