في ذكراها الثالثة و الثلاثين: قراءة في الانتفاضة الفلسطينية. منال الحَبّاشِي

 

منال الحَبّاشِي 08 كانون الأول/ديسمبر 2020

 

بهروا الدنيا

   وما في يدهم إلا الحجارة

  وأضاءوا كالقناديل، وجاءوا كالبشارة

 قاوموا.. وانفجروا.. واستشهدوا

.. ( نزار قباني أطفال الحجارة،1987)

تضافرت عوامل مختلفة منها المباشرة و أخري غير مباشرة لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولي التي أعتبرها الباحثون أول عمل منظم من داخل فلسطين المحتلة – أي لأول مرة يکون الفلسطيني بالداخل هو المبادر و ليس مشارکا – ، لكن يمكن القول أن أول عمل منظم من داخل الأراضي المحتلة تمثل في «هبة يوم الأرض في ربيع عام 1976» الذي مهّد لانتفاضة 1987 و تمثل في احتجاج الفلسطينيين إثر مُصادرة المزيد من أراضيهم ما أدّى إلى تفجير غضب آلاف الفلسطينيين وتنفيذهم لإضراب عام  مظاهرات و استمرت احتجاجات هبة يوم الأرض أشهرا و دعمتها الجماهير العربيّة في عدة أقطار .

انطلقت انتفاضة الحجارة بعد خمس سنوات على خروج الفدائيين من لبنان اثر العدوان الصّهيوني الذي تعرّض له، سنة 1982، واحتلال جنوبه، بل وصل الجيش الصهيوني إلى بيروت وحاصَرَها واحتلها لفترة شَهْرَيْن، وهي أول مرة يحتل فيها الجيش الصهيوني عاصمة عربية، فتمّ ترحيل المقاتلين لأقطار عربية بعيدة عن حدود المواجهة مثل تونس و اليمن.و إضافة إلى ذلك تفجّرت الانقسامات داخل حركة فتح و تلاها  مراهنة ياسر عرفات  على نظام الأردن الذي تآمر ضد الثورة ثمّ زيارته لمصر كامب دفيد و اندلعت حرب المخيمات التي فجرتها حركة أمل الشيعية ضد المواقع الفلسطينية  .

لقد توسّع الحصار ضدّ الثورة الفلسطينية المسلّحة تدريجيّا منذ شنّ النظام الأردني سنة 1970 حرب تصفية ضدّ العمل الفدائي انطلاقا من الأردن. و لم تتوقف المؤامرات من قبل هذا النظام بل إنه عمل على ربط مصير الضفة الغربية بحكمه من خلال مشاريع تصفية و حصار لمنظمة التحرير الفلسطينية كمشروع الكنفدرالية و لم يحصل فك الارتباط إلا عام 1988 عندما فك الارتباط القانوني والإداري والمالي (قرار فك الارتباط)بناءا على طلب منظمة التحرير الفلسطينية.و قد تلا مؤامرة أيلول 1970 الاحتلال الصّهيوني لجنوب لبنان (1978 ) لمنع انطلاق العمليات المسلحة في اتجاه فلسطين لتضاف للحصار الذي يضربه النظام المصري الموقع على اتفاقية كامب دفيد على قطاع غزة فيستكمل بهذه الصّورة الطوق العسكري ضدّ المقاومة التي أضعفتها هذه المعارك  فأثّرت على العمل في الدّاخل.

 إلي جانب كل ذلك، شكّل الإستغلال والإضطهاد المُسَلَّط على الفلسطينيين، من قِبَلِ الكيان الصهيوني، وحرمانهم من الحركة والتّنقّل داخل بلدهم، مع إلزامهم بتسديد ضرائب مرتفعة لسُلُطات الإحتلال، بقيمة مليارات الدّولارات، عوامل أخرى فَجّرت الإنتفاضة التي استمرت ست سنوات، لكن الشّرارة التي كانت سببًا مُباشرًا في إطلاقها تمثلت في اصطدام شاحنة عسكرية صهيونية بسيارتين مُحَمّلَتَيْن بعمال فلسطينيين بالقرب من «مخيم جباليا» استشهد خلالها أربعة فلسطينيين و أصيب آخرون.و قد أدت هذه الحادثة المفتعلة إلي اندلاع حركة شعبية أعلنت عن تفجير ملحمة من ملاحم النضال الوطني الفلسطيني انطلقت من «مخيم  جباليا » و انتقلت إلي باقي المدن و القرى الفلسطينية .

كانت أيضا عملّية الطّائرات الشّراعية التي نفذها مقاتلون من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة يوم 25 نوفمبر 1987 ضدّ معسكر للجنود الصّهاينة (1)، أضخم عملية ضدّ الاحتلال داخل فلسطين المحتلّة منذ 1985،حافزا و عامل تحريض على  تحدي آلة الحرب الصّهيونية.

Une nouvelle intifada pour une nouvelle génération | Middle East Eye  édition française
 لقد أظهرت الانتفاضة قدرة على ابتكار أدواتها الخاصة :

•تنظيميا : كان  للجماهير الدور الأول في بدء الانتفاضة،  فتشكلت اللجان الشعبية و لجان الأحياء المتفرعة عن اللجان الشعبية المسؤولية علي تأطير الانتفاضة تفرعت عنها لجان  تدعو إلى المسيرات  ولجان التموين و لجان تنظيم الأحياء  و لجان متابعة الجرحى.

 ثم تشكل إطار موحد للانتفاضة تحت مسمي  » القيادة الموحدة للانتفاضة  » يضم فصائل منظمة التحرير  و صدر أول بيان عن القوي الوطنية في 8 جانفي 1988 دعا الشعب للمشاركة في فعاليات الانتفاضة و الإضراب العام من 11 إلي 13 جانفي .

• أدوات و أشكال المقاومة: أبدعت المقاومة الفلسطينية في خلق أشكال للمقاومة خاصة بها اعتمدت بصورة أساسية على وسائل شعبية من عمق المجتمع و إمكانياته وكان هذا انفصال/قطع عن النظام الاستعماري ، وتخلص من حالة التماهي مع الاستعمار .

لقد استخدم الفلسطينيون الحجارة و الإضراب العام الذي شارك فيه العمال و عدة فئات اجتماعيّة ، كما استخدمت الجدران للتحريض و استمرار الاحتجاجات ، إلى جانب ذلك استخدَمَ الفلسطينيون الزجاجات الحارقة مولوتوف ، الأغاني الوطنية المؤلفة خصيصا للانتفاضة .و أبدع الشعب الفلسطيني في المقاومة و كجزء من المقاومة بدأت الأمهات بالتدريس المنزلي و هو ما ساهم فى بناء وتأسيس وبلورة هوية وطنية مشتركة وجمعية بين الفلسطينيين، وقد شاركت في ذلك معظم فئات الشعب الفلسطيني، من تجار ومثقفين وطلبة وأساتذة مدارس وجامعات، بالإضافة إلى المهن الطبية والحرفية ،و كنوع من العصيان الشعبي رمى الفلسطينيون بالهويات الصهيونية التي تفرض عليهم ،و توحدت كل القوي الفلسطينية  وجعلت من المساجد نقطة انطلاق المظاهرات.

بالإضافة لذلك، حصلت محاولة إنشاء نظام اقتصادي ذاتي، يعتمد على الاكتفاء الذاتي عن طريق الزراعة وبعض الصناعات الخفيفة، ممّا يدل على وعي  بأهمية التقدم والتطور الثقافي والاجتماعي والاقتصادي.

A 30 ans de la première Intifada

تبقى القيمة الأهم الانتفاضة متجسّدة في قُدُرات  الفلسطينيين على الحفاظ على الأمل الذي يدفع الجماهير للاستمرار في المقاومة فلا مقاومة ولا تضحية ولا انتصار ولا تحرير بلا أمل، مقاومة قائمة على أساس تغيير شامل، ليس فقط للتخلص من الاحتلال، ولكن للتخلص من كل أساليب وأفكار المجتمع القديمة والبالية، وبَدَا  أن « التحرير » خرج عن معناه الضيق، ليشمل تحرير الإنسان « الفلسطيني » من كل ما يقيده، سواء أكان الاحتلال أم غيره، هذا القَطْع مع القُيُود الذي اتخذ أشكالاً متعددةً ، حيث جرى تنشيط العمل التطوعي، وظهرت على الساحة الفلسطينية مجموعة من المثقفين من طلاب وأساتذة جامعات، قاموا بمُهِمّات استطاعت أن تخدم المجتمع الفلسطيني .

و كانت أبرز عمليات الانتفاضة  تفجير حافلة  405 الصهيونية  ، التابعة لشركة « إيجد » ،و عملية خطف الجندي الصّهيوني نسيم تولدانو.

لقد تزامن الزخم الثوري الذي أظهره الشعب الفلسطيني مع تضامن واسع علي صعيد الشعب العربي فكانت المظاهرات و التظاهرات تغطي الشارع العربي و التونسي ،و لعب اليسار التونسي و القوى القومية دورًا مهمًّا داخل نقابة الأُجَراء “الإتحاد العام التونسي للشغل » حيث أصدر لائحة الصّراع العربي – الصهيوني خلال المؤتمر الاستثنائي المنعقد بسوسة يومي 17 و 18 أفريل 1988 التي جاء فيها «أن الاتحاد العام التونسي للشّغل يحدّد الصّراع العربي الصهيوني بكونه صراع وجود لا صراع حدود ونّ الصهيونية االتي ترتبط بالامبريالية العالمية و خاصّة الامريكية ارتباطا عضويّا لا تستهدف فلسطين فحسب و إنّما كل الوطن العربي من المحيط إلي الخليج»

كما لعب الإتحاد العام لطلبة تونس دورًا كبيرا في تأثيث هذه المظاهرات و التظاهرات فشهدت المدن التونسية مسيرات كبيرة و غطت الشعارات الجدران و أصبح حنظلة الرمز المميز لرسوم ناجي العلي حاضرا كعلامة غضب علي الصّمت الرّسمي العربي و تخاذل الأنظمة العربية (2).

و تأسَّسَتْ على مستوى الجامعة التونسية لجنة مساندة للانتفاضة ضمت مجموعات الطلبة العرب التقدميّون الوحدويون و مناضلون وطنيون ديمقراطيون ( مود ) تولت تأطير المظاهرات (3) .  وبالتوازي مع المساندة الداخلية للشعب التونسي و تطوع شباب للقتال مع الثورة استشهد منهم فدائيان في عمليتين عسكريتين كان مسرحهما منطقة الجليل وهما  م عمران بن الكيلاني المقدمي، من مدينة المظيلّة، وقُتْلَ في العملية سبعة من جيش العدو، و خالد الجلاصي، من مدينة القيروان.

لقد مكّنت انتفاضة الحجارة لسنة 1987 من تفجير الطاقات والقُدُرات النضالية الشعبية التي طوّرت النضال الفلسطيني وزرعت ثقّافة التّمرّد و المقاومة بالمقلاع و الحجارة و العجلات المطاطية المشتعلة، و بالأناشيد والأغاني الثّوريّة و الشّعارات و الرّسوم الجداريّة والأعمال المسرحيّة و السّينمائيّة و كلّ أساليب التّعبير الممكنة وبرز دور المرأة المناضلة في مواجهة المحتل، وبلغ عدد الشهداء خلال الشهر الأوّل 33 شهيدا و 256 جريحا و 1509 معتقل.

 

مَثّلت الانتفاضة تجربة ديمقراطية قاعدية، إذ كانت القرارات تُتّخَذُ بشكل جماعي، ويقع تنفيذ القرارات بشكل جماعي أيضًا، بشكل مُغاير أو مناقض لأشكال وطُرُق عمل بعض المنظمات الفلسطينية، ممّا أزْعج القيادات البيروقراطية المُتَبَرْجِزَة لمنظمة التحرير الفلسطينية وبعض قيادات المنظمات الفلسطينية، وفي مقدّمتها حركة فتح، ولذلك استغلّت هذه القيادات الوضع الثّوري الذي ولّدته الانتفاضة للتفاوض مع العدو، والتنازل عن برنامج التحرير، في الجزائر، سنة 1988 بمُراجعة الميثاق الوطني، قبل إلغائه في افريل 1996، بحضور الرئيس الأمريكي “بيل كلينتون، والتفاوض في مؤتمر مدريد، سنة 1991، ثم في أوسلو. و وقع إجهاض الانتفاضة و الانقلاب عليها و توظيفها في مشروع استسلامي  متمثل في« اتفاقية أوسلو» التي أحدثت انعطافة  في مسار  القضية الفلسطينية و قد دفعت عوامل دولية و إقليمية غيرت وجه المنطقة و العالم في اتجاه القبول باتفاقية  » أوسلو  » منها انهيار الاتحاد السوفيتي ،و اجتياح العراق للكويت ، و داخليا سيطرة فكرة الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كمفاوض و التحاور معها و هو ما تطلب تحولات جديدة للمنظمة فنهجت الأسلوب  الدبلوماسي و قد بدأت المحادثات السرّية بين الطرفين عام 1991 في العاصمة النرويجية أوسلو و كان من نتائج هذا النّهج  انسلاخ المنظمة عن الأسس و القوى الثورية التي كانت تدور في فلكها.

تجدر الملاحظة ان أقرّار الأنظمة العربية خلال مؤتمر الرباط ( من 26 إلى 29 نوفمبر 1974) بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي « المُمثّل الشّرعي والوحيد » للشعب الفلسطيني، لكي تتخلّص من واجب مقاومة الكيان الصهيوني، الذي يستهدف كافة الشعوب والبلدان العربية من الأطلسي إلى بحر العرب، واستخدمت قيادات منظمة التحرير (بزعامة ياسر عرفات) هذا القرار لإقصاء المُعارضين، فيما استخدمته أنظمة الدّول العربية للتّنصّل من واجبات المقاومة والدّعم… استغلت قيادات منظمة التحرير هذا القرار لتُفاوض الكيان الصهيوني، سِرًّا في البداية، ثم علنًا، بإشراف الإمبريالية الأمريكية…

 « أوسلو» ليست اتفاقية « أوسلو أيديولوجيا » (4)، كتب مجد كيّال في محاولة لتوصيف الـ « المُصاب المعرفي » الذي أنتجته عملية أوسلو والذي يعادل، وربما يفوق، كما قال كيّال محقاً، في الكارثية و »الأذى » تبعات كل من النكبة والنكسة. فأوسلو (وعدا عن تبعاتها السياسية والاقتصادية الملموسة) أسست كذلك بنية تحتية معرفية ومنظومة مفاهيمية فلسطينية جديدة شكّلت انقلاباً على كل البنى الثورية السابقة من أجل الانتقال إلى الحقبة الجديدة أساسها نزع السلاح و إلغاء الکفاح المسلح و استسلام  وتطبيع . سنكتشف بعد ذالك أن  » أوسلو  » ليست فقط اتفاقية إدارية/سياسية بإشراف أمريكي التزمت من خلالها منظمة التحرير الفلسطينية  » بحق إسرائيل في العيش في سلام و أمن »، بل مدخل لمنظومة شاملة وقبول بإخضاع الصراع إلى المنطق المسمّى بـ »الشرعيّة الدوليّة » من خلال القبول بالقرار 181 ، وبالتالي التسليم بروايةٍ تاريخيّة تبدأ الصراع من العام 1967 و التسليم النهائيّ بمصير المواطَنة الإسرائيليّة للفلسطينيين داخل الأراضي المحتلّة عام 1948 و التفريط في حق عودة اللاجئين .

إنّ الميثاق الوطني الفلسطيني (07   اكتوبر 1968 ) الذي أراد تحرير فلسطين بطرق الكفاح المسلح، استبدل الآن رسميًا بسياسة ( (تبحث) عن حل للصراعات الدولية الإقليمية بوسائل سلمية بما يتفق مع ميثاق و قرارات الأمم المتحدة التي ترفض استخدام القوة، والعنف أو » الإرهاب من الفلسطينيين » كما يظهر ذلك واضحًا في بيان » الاستقلال الفلسطيني » .

لقد أدى انحسار خط المقاومة و انسلاخ الثورة الفلسطينية عن عمودها الفقري اليساري إلى تغيير الخارطة الحزبية و ظهور القوى الإسلامية   » حماس  » علي يد مجموعة من قادة جماعة الإخوان المسلمين و  » و الجهاد الاسلامي » التي استغلت الوضع و مشاركتها في الانتفاضة فساعدها ذلك على انتشار نفوذها بشكل واسع في حين انخرطت عدّة فصائل محسوبة على اليسار الفلسطيني في مشروع عرفات انطلاقاً من مبدأ « تأسيس الدولة » و الإعلان عن » الاستقلال » في المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الطارئة في الجزائر.  و تبنت هذه المراهنة عن هذه » الدولة » عدة قيادات حيث راهن جورج حبش علي  » اليسار الصهيوني كمحاور بقوله  » أن تيارا سياسيا متناميا داخل إسرائيل بدأ يشق طريقه ، وليس بين القوى الديمقراطية اليهودية فحسب بل و داخل الأحزاب الصهيونية الكبيرة كذلك . وبشكل خاص داخل حزب العمل و يرى هذا التيار منظمة التحرير ،محاورا لابد منه ٱجلا أم عاجلا ،وأن الانتفاضة لا يمكن إنهاؤها بالوسائل العسكرية العنيفة  » (5) و هو ما يمكن أن نستنتج منه أن قيادات  منظمة التحرير الفلسطينية أعادت تعريف العدو و الرهان علي اليسار الصهيوني كمحاور و  » حصر » العدو في اليمين الصهيوني .

إن « الدولة » المُزّيَفَة التي تُعرّفها اتفاقيات أوسلو ك »سُلطة الحكم الذاتي الإداري » وهي تأتمر بأوامر الحاكم الصهيوني،  أتاحت ظهور برجوازية فلسطينية عميلة و خلقت نخبةً فلسطينيّة جديدة تمتلك القرار السياسي انطلاقاً من مكانتها الطبقيّة التي تُمكنها من امتهان السياسة التي باتت تعتمد قبل كلّ شيء على المهادنة  تجاه الامبريالية و الكيان الصهيوني و الحيلولة دون العنف الثوري وبدأت عمليّة مأسسة الأجهزة الأمنيّة نظامياً، وتحويلها « وكالةً قمعيّة » في خدمة أيديولوجيا هذه السلطة ، إلى جانب المنظمات غير الحکومية التي أعادت إنتاج أيديولوجيا أوسلو من خلال التزاماتها بأجندات الممولين وهو ما سحق مبادئ أساسيّة لمجتمع مناضل.

 » أوسلو  » هو المسمارَ الأعظمَ الذي دُقَّ في جدار المقاطعة الرسميّة العربيّة و أنجب الأرضية للتطبيع الفكري و السّياسي و الاقتصادي  تحت شعار: »السّلام ».

وقد اتبع مسار أوسلو النظام الأردني. فوقّع اتفاقيّة وادي عربة مع العدوّ (1994) وقد نصّت المادّةُ العاشرةُ منها على « ضرورة التبادل الثقافي والعلمي في كافّة الحقول، واتّفق الطرفان على إقامة علاقاتٍ ثقافيّةٍ طبيعيّةٍ بينهما. »

 و في تونس أقيمت في عهد زين العابدين بن علي علاقات مع  الکيان الصهيوني من خلال مكتب تونسي في تل أبيب ( أشرف عليه مُحامي رجعي، ومُطَبِّعٌ شهير، أصبح وزيرًا للخارجية بعد انتفاضة 2011 !!! ) و مكتب صهيوني في تونس و تمّ التصدّي بعد انتفاضة 2011 من قبل الترويكا لمشروع تجريم التطبيع في الدستور 2014 ،و شهدت سنة 2020 في إطار ما يدعى بصفقة القرن  تطبيعا علنيا مع العدوّ لدول  الإمارات و البحرين و قطر و السودان و السعودية و سلطنة عمان  .

لقد كانت الانتفاضات الأولى و الثانية محطات مهمّة في تاريخ النّضال الوطني الفلسطيني أضيفت للعمليات الفدائية و البطولات العسكرية للمقاومين منذ اندلاع الكفاح المسلح سنة 1965. و أفرزت انتفاضات الدّاخل قدرات شعبية على إدارة المعركة و الصّراع ضدّ الكيان الصهيوني الذي يتواصل إلى اليوم داخل غزة المحاصرة و في الضفة الغربية رغم التعاون الأمني بين سلطة أسلو و العدو و يصمد أهلنا في أراضي 1948 ضدّ  التّهويد و طمس الهوية العربية و ضدّ الحلول التي تفرط في هذه الأرض الفلسطينية.

و رغم الحصار و التراجع المؤقت للكفاح المسلح داخل الأراضي المحتلة فإن الجماهير الفلسطينية  والعربية لن تنخرط في مسار الاستسلام و التطبيع و سيبقى إيمانها بأن البندقية هي الطريق الوحيد للنصر شديدا منتظرة قيادات وطنية متوحدة حول برنامج وطني واحد للتحرير.

منال الحَبّاشِي 08 كانون الأول/ديسمبر 2020

الهوامش :

1.     اليسار التونسي و القضية الفلسطينية 1947 – 1988، د.رضا مقني

2.     المرجع السابق.

3.      المرجع السابق.

4.     أوسلو أيديولوجيا وليست اتفاقيّة ,مجد كيّال كاتب فلسطيني من حيفا.

5.     أربع مقالات عن الانتفاضة، جورج حبش.

 

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *