حنّة أرندت، اخرجي.. ج 1 و 2 ‘مديح المدينة القديمة‘ و ‘‘التعمية على النظام الشمولي‘‘ : برونو غيغ*- ترجمة: علي إبراهيم

 

الجوز 1

  ‘مديح المدينة القديمة‘: برونو غيغ*- ترجمة: علي إبراهيم

موجودة في كل مكان في الكتب المدرسية، حيث يتمّ اعتبارها فيلسوفةً عظيمة، وبسبب كثرتها فقد توّفنا عن إحصاء عدد الكتب والمقالات والأفلام الوثائقية التي تكيل المدائح لها. ولأنها منارة من منارات الفكر السياسي الحديث، فهي تفهم في كل شيء: الديمقراطية والشمولية، المدينة القديمة والمجتمع الحديث، الأكاذيب والعنف، الثورة وحقوق الإنسان. لقد رفعتها العقيدة الجامعية المهيمنة إلى السماء، بحيث أخذت مكانها في الهيكل الفلسفي للغرب الديمقراطي. وهي أضحت تعتبر مرجعًا إلزاميًا، ونقطة مرور لا يمكن تجاوزها مخصصة لكل أولئك الذين يريدون فهم العالم المعاصر وتناقضاته ومآزقه.

هناك مشكلة واحدة فقط هي أنّ حنّة أرندت نفسها مأزق مسدود نظريًّا وسياسيًّا علاوةً على ذلك، يكفي أن تقرأها مع القليل من الانتباه لإدراك أنها مجللة بالخطأ. قراءتها للتاريخ الحديث ليست غريبة الأطوار فحسب، بل إنّ نظرتها للديمقراطية ماضوية ورجعية.

أين هي الإدّلة؟ هنالك فيلق من الأدّلة. بسبب عدم القدرة على  معاينتها جميعها في مرةٍ واحدة، سوف نكتفي بفهم أرندت للديمقراطية. في كتابها “وضع الإنسان المعاصر”، أوضحت حنّة أرندت أنّ المساواة المشروعة الوحيدة هي تلك التي تسود بين المواطنين وليس بين البشر. المساواة في المدينة القديمة، في نظرها، لا تتماشى مع المساواة السائدة في المجتمعات الحديثة. ففي حين أنّ المدينة اليونانية هي أرستقراطية سياسية لافتة، فإنّ الديمقراطية الحديثة هي مسرح للامتثال على نطاق واسع، حيث تم إضعاف روح المنافسة عبر النزعة المساواتية والوضاعة المحيطة.

هذا المديح الماضوي للمدينة القديمة يرتكز على تحليلٍ معين للعمل البشري. إذا كانت أرندت قد ميّزت بين العمل والفعل كطرائق للنشاط البشري، فإنّ هدفها هو الحطّ من قيمة العمل، الذي تنسبه إلى “الإنسان- الحيوان الاجتماعي”. العمل هو الخضوع للضرورة الطبيعية، بينما يمثل الفعل، في الطرف المقابل، البعد النبيل للنشاط السياسي. هذا هو السبب في أننا يجب أن نتحدث عن “حيوانات عاملة” للإشارة إلى العامل، “وهو ليس أكثر من نوع، النوع الأعلى إن شئت، بين أنواع الحيوانات التي تعيش على الأرض”.

وتتابع أرندت أنّ السياسة الهادفة إلى تحرير العمال لم تؤدّي سوى إلى “جعل البشرية جمعاء، ولأول مرة، تنوء تحت نير الضرورة”. إنّ كون العمل المنتج مجرد استعباد للضرورة ، يؤدي إلى أنه  “لا يمكن للبشر أن يتحرروا إلا من خلال الهيمنة على أولئك الذين يخضعون للضرورة”. ولكي يتمكن المواطنون من تكريس أنفسهم لممارسة السلطة، كان لابد من ضمان إنتاج شروط وجودهم من قبل طبقة وضيعة. لكن بالنسبة لأرندت، فإنّ هذا الوضع غير ملموس، والرغبة في تغيير حالة العمال لا معنى لها. إنّ رفعة المواطن الذي يُدعى لتجسيد الفضائل تحتاج بالضرورة، في جميع الأوقات، إلى العمل اليدوي للحيوان العامل.

لن تتوقف أرندت عن التشديد على هذه الفكرة الرئيسية. تتساءل الفيلسوفة في مقالتها التي نشرت عام 1956 عن الانتفاضة المجرية، إذا كان من الممكن تشغيل المصانع التي أضحت ملك العمال، وتجيب دون مواربة: “في الواقع، ليس من المؤكد على الإطلاق أنه يمكن تطبيق المبادئ السياسية للمساواة والاستقلالية في مجال الحياة الاقتصادية. بعد كل شيء، ربما لم تكن النظرية السياسية للقدماء مخطئة في التأكيد على أنّ الاقتصاد، المرتبط بضرورات الحياة، يتطلب هيمنة السادة لكي يعمل “.

محاربة الفقر؟ لا جدوى من التفكير في ذلك. متجاهلةً بشكل رائع الصراع الطبقي، فإنها تعتبر أنّ “حياة الإنسان ابتليت بالفقر منذ زمن سحيق” وأنّ “الثورة لم تحلّ أبدًا المسألة الاجتماعية ولم تحرّر البشر من آفة العوز. “. في حين أنّ الديمقراطيات الحديثة، من خلال هوسها بالجانب الاجتماعي، تدمّر فرص وجود أرستقراطية حقيقية من الأنداد، فقد أدركت المدينة القديمة أنّ العبودية هي الثمن الذي يجب دفعه مقابل الممارسة البطولية للفضائل المدنية. “إنّ أية سيادة تجد مصدرها الأول والأكثر شرعية في رغبة الإنسان في التحرر من الضرورة الحيوية، وقد حقق الإنسان هذا التحرر بالعنف، عبر إجبار أناسٍ آخرين على تحمّل أعباء الحياة مكانه “. الأمر واضح، والاستنتاج واضح: “لا شيء، ويمكننا أن نقول ذلك اليوم، يمكن أن يكون قد عفا عليه الزمن أكثر من محاولة تحرير البشرية من الفقر من خلال القنوات العامة؛ لا شيء يمكن أن يكون أكثر عقمًا أو أكثر خطورة” كما كتبت في مقالها بعنوان “عن الثورة”  نُشر عام 1963.

لكن ذلك ليس كل شيء. قاد هذا المفهوم الأرستقراطي للحياة السياسية حنة أرندت إلى إنكار عالمية الإنسان، حتى لو كان ذلك يعني سحق مفهومٍ رئيسي موروث من فلسفة التنوير: “التمييز بين الإنسان والحيوان يغربل الجنس البشري ذاته: فقط الأفضل، الأرستقراطيون، الذين يؤكدون دائمًا أنهم الأفضل ويفضّلون الشهرة الخالدة على الأشياء الفانية، هم بشر حقًا “. بتكرارها نقد إدموند بورك الرجعي لحقوق الإنسان بشكلٍ صريح، تطعن أرندت في عالمية حقوق الإنسان. فهي ترى أنه مبدأ مهلك سوف يترتب عليه “اختزال الأمم المتحضرة إلى مرتبة الهمجيين”، السكان البدائيين، “الأشخاص الذين ليس لديهم حقوق، الذين يظهرون كأولى علامات التراجع المحتمل للحضارة “.

 

لا عجب إذن أن تخصّ أرندت الثورة الأمريكية بإعجابٍ لا حدود له، ذلك أنّ تلك الثورة كانت بقيادة مالكي العبيد، وفي أن ترفض الثورة الفرنسية التي ألغت العبودية الاستعمارية. وبالمثل، في الستينيات من القرن الماضي، رفضت إعطاء أية صبغةٍ سياسية لمطالبة الأمريكيين من أصلٍ أفريقي بحقوقهم المدنية، وتجاهلت ما كانت تسمّيه بازدراء “المسألة الزنجية”. ترتكز كل فلسفةٍ على فكرة معينةٍ عن الإنسان والمجتمع. إنّ ما تدافع عنه حنة أرندت يساهم في أيديولوجية تقوم بإلباس نزعتها المحافظة بالخرق البالية للمدينة القديمة، وتبرّر العبودية بأثرٍ رجعي وتنفي التقدم الاجتماعي باعتباره يوتوبيا خطيرة. يلومها منتقدوها على تعابيرها الملتبسة، وعدم تحديد مفاهيمها، والحركة غير المنتظمة لفكرها. إنّ الإشكالي بالأحرى هو الوضوح المظلم للحُرم الذي تلقيه على الأفكار التقدمية والخلاصة الفاسدة لافتراضاتها المعادية للإنسانية. حنة أرندت اخرجي.

: برونو غيغ

22/12/2020

 

 

الجوز 2

‘‘التعمية على النظام الشمولي

إنّ الشمولية، التي تستوعب جميع الأنشطة البشرية لتمنحها معنًى أحاديًا، بالنسبة إلى حنّة أرندت، هي نظام يسمو على تجسيداته الخاصّة. الاختلافات الملموسة بين الشيوعية والنازية ليست ذات أهميةٍ إذن. إنّ تجريد مفهوم الشمولية، عند الفيلسوفة، يعفيها من التحليل التاريخي الصحيح للظاهرة. يتمّ تسليم الشمولية، وهي أداة مدمّرة إلى مغالاتها الخاصّة بها، ترتدي سمات كيانٍ مجرّدٍ ومتجانس. منفصلةً عن التاريخ الحقيقيّ، تبدو الأيديولوجيا مكتفيةً بذاتها، تمارس تأثيراتها في استقلاليةٍ كاملة، وترسم مسار الأحداث على صورتها: هذا هو “منطق الفكرة”.

 

لا عجب إذن أن يحوم شبح الشمولية، لدى أرندت، فوق التاريخ الحقيقي ومواجهاته الطبقية. بإخفاء المنشأ التاريخي للحركتين، يتجاهل هذا الوصف التعارض غير القابل للاختزال بين الشيوعية والنازية. تتصرف أرندت كما لو أنّ أحجية العِرقْ والمثل الأعلى البروليتاري لهما الطبيعة نفسها. وتتجاهل بحزم العلاقة البنيوية بين النازية والرأسمالية. لكنّ هناك ما هو أسوأ من ذلك: من خلال رفعها مفهوم الشمولية إلى مرتبة المبدأ التفسيريّ، فإنّها تحجب السعي للإفناء الذي يميّز المشروع النازي، والعنصرية البنيوية التي تنظم رؤيته للعالم، وضراوته القاتلة للسكان المدنيين.

 

ولكنّ عدم دقة تحليلات حنّة أرندت لا تتعلق فقط بالإيديولوجيات الخاصة بالنظامين. تم نشر نظريتها عن نظام معسكرات الاعتقال بما يتجاوز أيّ وصفٍ واقعيّ. لقد أخضعت مؤسّستين مختلفتين جذريًّا لنفس التصنيفات العقلانية ظاهريًّا. لكنّ نظام السجون السوفيتي لم يكن يخضع إلى منطق الإبادة، على العكس من المعسكرات النازية،  بل إلى منطق العقاب وإعادة التربية. إنّ عدد ضحايا النظام النازي لا يُحصى مقارنةً بالنظام القمعي السوفييتي الذي كان 90٪ من المعتقلين فيه من سجناء الحقّ العامّ، وقد عاد معظمهم أحياء.

إنّ عجز النموذج على تفسير الواقع صارخ أيضًا عندما تنسب الفيلسوفة إلى النظام الشموليّ سياسةً خارجية عدوانية، مكرّسة بشكل صريح من أجل الاستيلاء على العالم. “مثل الفاتح الأجنبيّ، يعتبر الديكتاتور الشمولي الثروات الطبيعية والصناعية لكل بلد، بما في ذلك ثروات بلده، مصدرًا للنهب ووسيلةً لإعداد المرحلة التالية من التوسّع العدواني” ، كما ورد في كتابها “النظام الشمولي” الصادر سنة (1949). من خلال توصيفها لما يعتبرممارسةً مستمرةً للقوى الغربية على أنه خاصية جوهرية للشمولية، تنخرط حنة أرندت في تلاعبٍ فريد من نوعه. إذا كان الغزو والنهب ممارساتٍ شمولية، فلماذا لا نستنتج الطابع الشمولي لهذه الديمقراطيات التي تمتلك إمبراطورية استعمارية؟

بالرغم من أنّ أسطورة “التوائم الشمولية” التي اعتمدتها حنّة أرندت تتحدّى الفطرة السليمة، ولكنّها مع ذلك قدمت ذخيرة لا تنضب لإعادة كتابة التاريخ. لقد سمحت للأيديولوجية السائدة بشطب واقع الصراع حيث دفع الجيش الأحمر ثمنًا باهظًا لتصفية آلة هتلر الحربية. تفسير كاذب للأحداث تمّ توضيحه، مرةً أخرى، عندما كتبت الفيلسوفة في عام 1966، في ملاحظةٍ أضيفت إلى الكتاب نفسه، أنه “على عكس بعض الأساطير في فترة ما بعد الحرب، لم تكن لدى هتلر النيّة أبدًا في الدفاع عن الغرب ضد البلشفية، بل ظل دائمًا على استعدادٍ للتحالف مع الحمر من أجل تدمير الغرب، حتى في ذروة صراعه ضد الاتحاد السوفيتي”.

 

إنه تأكيد سخيف تمامًا، لكن ذلك لا يهم: إنّ صلابة الحقائق ملزمة بالتواري عن الأنظار إفساحًا في المجال أمام متطلبات إيضاحٍ مقدماته المنطقية باطلة. النازية والستالينية نوعان مختلفان من النموذج نفسه، لم يكن بإمكانهما الدخول في صراع حتى الموت. لذلك من المفترض أن يكون هتلر الحليف الطبيعي لستالين. لكن إذا كان هتلر يخطّط للتحالف مع الحمر، فكيف يمكن للمرء أن يفسّر الوحشية الشديدة للحرب التي شنّها النازيّون ضد الاتحاد السوفيتي، والتي تتناقض مع مواقفهم، الأكثر احترامًا لقواعد الحرب على الجبهة الغربية؟

 

“الأيديولوجيا والإرهاب”، بحسب حنّة أرندت، هما خاصّيتان للنظام الشمولي. المشكلة هي أنّهما يميّزان بشكلٍ مثاليّ الهيمنة الوحشية التي تمارسها القوى الأوروبية على الشعوب المستعمَرة. إذا استندنا في فرضية توأمة الأنظمة الشمولية على قاعدة استخدام الإرهاب، فماذا نستنتج من استخدامه المكثّف في ظل الحكم الاستعماري؟ كيف يمكننا أن نتجاهل العلاقة بين أيديولوجية تبرّر نزع الصفة الإنسانية عن “الأعراق الدنيا” والعنف القاتل الذي هو جوهر الاستعمار؟ بإعفاء القوى الديمقراطية من الفظائع التي ترتكبها، تستبعد أرندت خلسةً الإبادة الجماعية الاستعمارية من تهمة مفهوم الشمولية.

 

إذا كان هذا المفهوم يشير إلى حقيقة واقعية، فلا بد من الاعتراف بأنها ليست بدعة ولا استثناءً. الجانب السلبي في تفكير حنّة أرندت هو أنه بعد إزالة الحقائق التي تتعارض مع تفسيرها، فإنها تقوم بصنع عقدٍ من المفاهيم المجرّدة مثل عقد اللؤلؤ. لكن هذه البراعة المفاهيمية الفائقة تترك الفكر يتيم المادة التاريخية التي قررت تجاهلها. من الواضح أنّ نجاح عقيدتها لا يرجع إلى قيمتها الاستكشافية، بل إلى أيديولوجية الحرب الباردة التي تبنتها الفيلسوفة بعد منفاها الأميركي. وقد أكسبتها هذه الانتهازية اعترافًا أكاديميًّا وترويجًا إعلاميًّا  يعتبر نقش اسمها على واجهة المؤسسة التعليمية، في فرنسا نفسها، مثالًا صارخًا على ذلك. إلى هذا الحدّ نظلّ كما لو كنّا مقيّدين بالانحيازات المعرفية لفكرٍ يجب علينا بدلًا من ذلك رميه إلى نقد الفئران القاضم كما كان ماركس سيقول لو كان حيًّا.

: برونو غيغ

25/12/2020

 

Bruno Guigue *  موظّف كبير سابق، كاتب مقالات ومختصّ بالسياسة، ولد في مدينة تولوز سنة 1962. درس في المدرسة الوطنيّة العليا وفي المعهد الوطنيّ للإدارة. أستاذ فلسفة ويحاضر في العلاقات الدوليّة في التعليم العالي. له العديد من الكتب التي تُرجمت إلى ثمان لغات. صدر كتابه الأخير “مقالات عن الإمبريالية” عن دار ديلغا للنشر في شهر كانون الثاني 2018 والذي كتب مقدّمته سمير أمين. أقيل من منصبه سنة 2008 بسبب انتقاده السياسة “الإسرائيلية” في مقالة نشرها على موقع oumma.com. متضامن ومتعلّق بالقضيّة الفلسطينيّة.

 

المصدر:

https://www.facebook.com/bruno.guigue.10/posts/2331248060353969?__cft__[0]=AZUd3s7ofBr6-NNvuVMfY3BGhR7Qydt181Pu7H61vb-jL-G6Qmpuyj6IU3EKpTMPMiyQhKwR6wrvw3p7-2toD1V9WfJ7-ut9T0CMuV89qbhZyMKReQUqbWWKEAb8m-A_tZk&__tn__=%2CO%2CP-R

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *