لماذا “إسرائيل” عدو إيديولوجي؟ جوزيف مسعد.

لماذا “إسرائيل” عدو إيديولوجي؟

ندوة
عقدتْ مجلّةُ الآداب وحملةُ مقاطعة داعمي "إسرائيل" في لبنان ندوةً رقميّة استضافت فيها البروفسور جوزيف مسعد، وأدارتْها الأستاذةُ الجامعيّة والكاتبة عضوُ الحملة، د. رانية المصري.

* المصري: أهلًا وسهلًا بكم من مجلّة الآداب وحملة مقاطعة داعمي “إسرائيل.” نتشرّف بوجودكم معنا عبر هذه الندوة الرقميّة التي تحمل عنوان: لماذا “إسرائيل” عدوّ إيديولوجيّ؟ البروفيسور جوزيف مسعد هو أستاذ السياسة وتاريخ الفكر العربيّ الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك. يَنشر مقالاتٍ صحفيّةً في جريدة الأخبار، ومجلّة الآداب، وموقع عربي 21. مِن كُتبه (صدرتْ بالإنكليزيّة وتُرجمتْ إلى العربيّة): ديمومةُ المسألة الفلسطينيّة (The Persistence of the Palestinian Question)، اشتهاءُ العرب (Desiring Arabs)، الإسلامُ في الليبراليّة (Islam In Liberalism)، آثارٌ استعماريّة – تشكّلُ الهويّة الوطنيّة في الأردن (Colonial Effects: The Making of National Identity in Jordan). د. جوزيف، سؤالي الأوّل: لماذا “إسرائيل” عدوّ وجوديّ، لا حدوديّ؟ وما هي الأهدافُ الأساسيّةُ والبعيدةُ المدى للمشروع الصهيونيّ منذ نشأته؟ وهل تغيّرتْ هذه الأهداف؟ وهل هناك أيُّ علاقةٍ بين الصهيونيّة والمشروعِ الأوروبيّ الاستعماريّ منذ عصر النهضة إلى اليوم؟

– مسعد: هناك إساءةُ فهمٍ أحيانًا للمشروع الصهيونيّ. فهذا المشروع لم يبدأ يهوديًّا في أواخر القرن التاسع عشر، وإنّما تبنّتْه أوّلًا حركةُ الإصلاح البروتستانتيّة في القرن السادس عشر. فمنذ ذلك الحين اهتمّ البروتستانتيّون بتحويل اليهود إلى البروتستانتيّة المسيحيّة و”إعادتِهم” إلى فلسطين.

تزامَن مشروعُ الإصلاح البروتستانتيّ أيضًا مع مشروع النهضة الأوروبيّة. ففي عصر النهضة أعادت أوروبا تسميةَ العصور التي سبقتْها زمنيًّا بـ”العصور المظْلمة،” وقرّر مفكّرو ذلك العصر وأعلامُهم “اختراعَ” ماضٍ معيّنٍ لأوروبا: فصوّروا الإغريقَ القدماءَ على أنّهم ماضي أوروبا الفلسفيَّ (والديمغرافيَّ إلى حدٍّ بعيد). هكذا “اختُطِف” معظمُ اليونانيّين من الشرق وجرتْ “أورَبتُهم.” وبذلك أصبح اليونانيّون، بحسب هذا التفكير الجديد، هم مؤسّسي عصر النهضة الأوروبيّ والفكرِ الأوروبيّ والتاريخِ الأوروبيّ.

في الوقت نفسه، أصرّ البروتستانت على أنّ الكاثوليك “حادوا” عن الدين المسيحيّ “الأصليّ،” وأصرّوا على العودة إلى الأصول الفلسطينيّة والعِبرانيّة للدين المسيحيّ، فاهتمّوا كثيرًا باليهود الأوروبيّين.

إذًا، كان هناك مشروعان: مشروعُ نهضة لتحويل الإغريق واليونانيّين من شرقيّين إلى أوروبيّين، ومشروعُ إصلاحٍ بروتوستانتيّ لتحويل اليهود من أوروبيّين إلى شرقيّين. المشروعان كانا يصبّان في مجرى اختراع تاريخ أوروبا. وقد أصبحتْ للمشروعيْن ترجمةٌ سياسيّةٌ في أواخر القرن الثامن عشر، تبلور أوّلًا في المحاولات المستمرّة للقضاء على السلطنة العثمانيّة، لاسيّما أنّ هذه الأخيرة كانت تَحْكم اليونانَ وفلسطينَ. فكانت هناك، منذ أواخر القرن الثامن عشر، محاولاتٌ لإقصاء هذه الجغرافيا (والشعوبِ في اليونان وفلسطين) عن السلطنة العثمانيّة؛ وقد بدأ الموضوعُ ببلورة فكر قوميّ يونانيّ من قِبل مفكّرين يونانيّين في المَهجر طَرحوا فكرةَ “إعادة” بناء بيزنطة و”استعادة” القسطنطينيّة من العثمانيّين “الغاصبين.”

في الوقت نفسه كان البروتستانت الإصلاحيّون مهتمّين أيضًا بـ”استعادة القدس” لأنّهم اعتَبروا أنّ العربَ (والفلسطينيّين) أخذوها من الصليبيّين. فأصبحت القسطنطينيّةُ والقدسُ، معًا، أهمَّ مدينتيْن يجب على أوروبا “استرجاعُهما” لأنّهما أصبحتا مركزيّتيْن في العصر البيزنطيّ/اليونانيّ والعصر اليهوديّ العبرانيّ القديم (الذي عن طريقه أُسِّس الدينُ المسيحيّ). كانت أثينا مدينةً غابرةً وليست ذاتَ أهمّيّة عند معظم الأوروبيّين، بل عند بعض اليونانيّين أيضًا، مقارنةً بالقسطنطينيّة؛ ولكن أُعيدَ اختراعُ أثينا و”عشقُ” اليونانيّين في القرن الثامن عشر عن طريق حركةٍ مهمّةٍ اسمُها “عشقُ الإغريق القدماء،” أو Philhellenism، دعمت الحركةَ القوميّةَ اليونانيّةَ التي كانت مبنيّةً على أساسٍ طائفيّ. القوميّون اليونانيّون أصرّوا على أنّ كلَّ مسلمي اليونان الذين يتكلّمون اليونانيّة ليسوا يونانيّين بل أتراك، وعلى أنّ كلَّ الأتراكَ المسيحيّين الذين يتكلّمون التركيّة يونانيّون.

المفهوم البروتستانتيّ اعتبر اليهودَ جزءًا من الدين البروتستانتيّ، ولذا كان الهدفُ “إعادتَهم” إلى فلسطين واعتناقَهم الدينَ المسيحيّ

إذًا، هذه الفكرةُ الطائفيّةُ لدى القوميّة اليونانيّة أخرجت اليونانيّين المسلمين من مفهوم “القوميّة اليونانيّة” وأدخلتْ فيها المسيحيّين الأتراكَ من غير اليونانيّين. وهذا ما نراه أيضًا في اعتبار المفهوم البروتستانتيّ اليهودَ جزءًا من الدين البروتستانتيّ، ولذا كان الهدفُ “إعادتَهم” إلى فلسطين واعتناقَهم الدينَ المسيحيَّ من أجل تعجيل قدوم المسيح الألفيّ.

هذه الحركات تزامنتْ مع القرن الثامن عشر، ونجمتْ عنها سياساتٌ وبرامجُ سياسيّةٌ مهمّةٌ منذ أوائل القرن التاسع عشر. بدايتُها كانت، كما رأينا، إقصاءَ اليونان عن السلطنة العثمانيّة. وفي منتصف القرن التاسع عشر، نشبتْ حربُ القرْم بين روسيا والدول الأوروبيّة والسلطنةِ العثمانيّة، وهدفتْ إلى السيطرة على فلسطين، لا سيما المقدَّسات المسيحيّة فيها. في ذلك الوقت بدأ البروتستانت الإنكليزُ باستعمار فلسطين وبإرسال جمعيّاتٍ تبشيريّةٍ أنغليكانيّةٍ من أجل تحويل الفلسطينيّين إلى الدين الأنغليكانيّ. ولكنْ كانت معهم منظّمةٌ جديدةٌ لدفع الدين المسيحيّ بين اليهود، وكانت مهتمّةً جدًّا بتحويل اليهود الألمان والبريطانيّين إلى الأنغليكانيّة، ومن ثمّ جلبهم إلى فلسطين كي يؤثّروا في اليهود القاطنين في فلسطين (وهم بضعةُ آلاف)، وفي اليهود الذين كان يُزمَع تهجيرُهم من أوروبا إلى فلسطين.

مثلًا: حاولت هذه الجمعيّةُ مع الحكومة البريطانيّة تأسيسَ قنصليّةٍ في القدس في أواخر ثلاثينيّات القرن التاسع عشر. وبعد ثلاث سنوات أصرّتا على بناء مطرانيّةٍ للطائفة الأنغليكانيّة الإنجليزيّة في فلسطين، وجلبتْ أوّلَ مطرانٍ لها من بريطانيا (مايكل سولومون ألكزاندر)، وكان يهوديًّا ألمانيًّا تحوّل إلى الأنغليكانيّة، وأصبح أوّلَ مطرانٍ لفلسطين في العام 1842 يمثّل الطائفةَ الأنغليكانيّة. كان اختيارُه مهمًّا لأنّ المسيحيّين الأنغليكانيّين اعتقدوا أنّ اليهود الذين تحوّلوا إلى المسيحيّة سيسهِّلون تحويلَ باقي اليهود إليها.

في أوائل القرن التاسع عشر قدِم بعضُ المستوطنين البروتستانت المتزمّتين من الولايات المتحدة إلى فلسطين لإقامة مستوطنات، لا سيّما في يافا. وازدادت هذه الحملاتُ الاستيطانيّةُ بعد الستينيّات من ذلك القرن. ثمّ أتى إلى فلسطين عدّةُ مستوطنين ألمان سمّوْا أنفسَهم “هيكليّين،” وكانوا من البروتستانت الألفيّين الذين راحوا ينتظرون “مجيءَ المسيح” ويؤمنون بوجوب تحوّل اليهود إلى المسيحيّة، وبدأوا ببناء مستعمَراتٍ في فلسطين.

وبين هؤلاء الهيكليّين الألمان، وأولئك الأميركان البروتستانت، ازدادت أهمّيّةُ تأسيس المستعمَرات في فلسطين في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، خصوصًا مع المحاولات المتزايدة لتحويل يهود فلسطين ومسيحيّيها آنذاك إلى بروتستانت وأنغليكان.

هذا كان أصلَ المشروع. ولم يتبنَّ اليهودُ هذا المشروعَ المسيحيَّ البروتستانتيّ الصهيونيّ إلّا في أواخر القرن التاسع عشر (بعد العام 1880)، حين اقتنع بعضُ المفكّرين بذلك، وإنِ استمرّ معظمُ المفكّرين والحاخامات اليهود في محاربة المشروعَ البروتستانتيّ الذي ادّعى أنّهم غيرُ أوروبيّين وأنّ أصلَهم من فلسطين وتجب “إعادتُهم” إلى فلسطين (وهذا ما يسمّى “أخْرَنَة” اليهود الأوروبيّين، أيْ جعلَهم “آخرَ” غيرَ أوروبيّ). وجرى استقطابُ جزءٍ صغيرٍ من بعض المفكّرين أو النشطاء اليهود السياسيّين لهذا المشروع، وانْ كان المشروعُ في البداية يهدف إلى إقامة بعض المستوطنات الزراعيّة في فلسطين. وبذلك لم يكن الفكرُ الصهيونيُّ الأوّليّ في ثمانينيّات القرن التاسع عشر يختلف عن المشاريع الاستيطانيّة التي كانت قائمةً في ذلك الوقت في العالم العربيّ: كالمشروع الاستيطانيّ الزراعيّ الفرنسيّ في الجزائر (بدأ في العام 1830) أو في تونس (بدأ بعد العام1881) أو المشروع الاستيطانيّ الإيطاليّ في ليبيا (بدأ في العام 1911).

وإضافةً إلى هذه المستوطنات الاستعماريّة الأربع قيد التطوّر في العالم العربيّ (من الجزائر وتونس وليبيا وصولًا إلى فلسطين)، كانت هناك طبعًا مستوطناتٌ استعماريّةٌ في أرجاء أخرى من العالم (من نيوزيلاندا إلى أستراليا وجنوب أفريقيا).

بعد فشل الحركة البروتستانتيّة الأنغليكانيّة في تحويل معظم اليهود أو مسيحيّي فلسطين، ناهيك بمسلمي فلسطين، إلى الدين البروتستانتيّ، جرى السعيُ إلى تحويل فلسطين إلى مشروعٍ استيطانيٍّ يهوديّ بدلًا من بلدٍ أنغليكانيّ بروتستانتيّ.

أطلتُ العرض، لكنْ كان من الضروريّ أن أعطيَ نبذةً تاريخيّةً عن خلفيّة تكوين الفكرة الصهيونيّة وتأثّرِها بالفكر القوميّ اليونانيّ والفكرِ النهضويّ الأوروبيّ والبروتستانتيّ.

* المصري: شكرًا جزيلًا د. جوزيف. أعود إلى سؤالي: ما هي الأهدافُ الأساسيّة للمشروع الصهيونيّ منذ العام 1948 ؟ وماذا تغيّر منها؟ ولماذا نعتبر أنّ “إسرائيل” اليوم عدوّ إيديولوجيّ؟

– مسعد: الأهداف لم تتغيّرْ. بدأت الحركةُ الصهيونيّةُ اليهوديّة رسميًّا في أواخر تسعينيّات القرن التاسع عشر، لا سيّما بعد تأسيس النمساويّ ثيودور هرتزل “المنظّمةَ الصهيونيّة” (Zionist Organization) في العام 1897. وكان قبل أربع سنوات من ذلك قد عرض على بابا الفاتيكان تحويلَ معظم يهود أوروبا إلى الكاثوليكيّة حلًّا لـ”المسألة اليهوديّة.” لكنّ أفكارَ هرتزل تغيّرتْ بعد هذا العرض الغريب واعتنق الصهيونيّة.

كانت الحركةُ الصهيونيّة، منذ بدايتها، حركةً استيطانيّةً عنصريّة، لا تختلف أبدًا عن الحركات الاستيطانيّة الاستعماريّة الأوروبيّة الأخرى. وكان هدفُها الأوّل العثورَ على دولةٍ أوروبيّةٍ ترعى مشاريعَها وتَضْمنُها. ولم يختلف المشروعُ الصهيونيّ، في اعتماده على بعض الأفكار الدينيّة، عن مشاريعَ استعماريّةٍ أخرى: كمشروع المستعمِرين والمستوطِنين البروتستانت في الولايات المتحدة الذين اعتبروا أميركا “أرضَ الميعاد” وآمنوا بأنّ اللهَ هو مَن وعدهم بها وأنّ ما يقومون به محضُ تنفيذٍ لرغبته. وهذا كان أيضًا فكرَ المستوطنين ذوي الأصول الهولنديّة في جنوب افريقيا؛ فهم أيضًا اعتقدوا أنّ لهم بعثةً دينيّةً، وأنّ الله هو مَن أعطاهم هذه الأراضي.

مشروعَ “إعادة بناء” الحضارات القديمة اختطفتْه الحركةُ الصهيونيّة من حركاتٍ استعماريّةٍ أخرى

كما أنّ مشروعَ “إعادة بناء” الحضارات القديمة أيضًا هو مشروعٌ اختطفتْه الحركةُ الصهيونيّة من حركاتٍ استعماريّةٍ أخرى. مثلًا: اعتقد اليونانيّون والروسُ أنّ احتلالَهم لتركيا بعد انتهاء السلطنة العثمانيّة سيكون حاسمًا لكي يعيدوا بناءَ بيزنطة، لذلك كانت القسطنطينيّة مهمّةً بالنسبة إليهم. وكذلك كان احتلالُ الجزائر حاسمًا لفرنسا، واحتلالُ ليبيا حاسمًا لإيطاليا؛ فقد اعتقد المستعمِرون الأوروبيّون أنّهم “يستعيدون” أراضيَهم، أيْ أراضي الأمبراطوريّة الرومانيّة القديمة، ولا يستعمرون أراضي الغير. إذًا، الفكرة الصهيونيّة في “إعادة” إحياء المملكة اليهوديّة القديمة لم تكن فكرةً “خلّاقةً،” وإنّما كانت محاكاةً وتقليدًا لحركاتٍ استعماريّةٍ أخرى. وهدفُ الحركة الصهيونيّة، منذ البداية، كان إقامةَ قاعدةٍ أوروبيّةٍ ليهود أوروبا، متحالفةٍ مع القوى الأوروبيّة الاستعماريّة، من أجل عدّة أغراض، أبرزُها: السيطرةُ الأوروبيّة على طرق التجارة، وتمدينُ الشعوب “البدائيّة” (بما فيها الشعوبُ العربيّة، وضمنها الشعبُ الفلسطينيّ). وقد نِيطتْ باليهود فكرةُ استعمار فلسطين بعد فشل الفكرة الأنغليكانيّة [في “تمسيحهم”]. وهنا تكمن المفارقة.

الفكر الأوروبيّ كان لاساميًّا وذا شقّيْن: شقّ مُحبّ لليهود، وشقّ كاره لهم. فالبعض اعتبر اليهودَ طارئين على أوروبا وليسوا منها؛ والبعض اعتبر أنّ المشروعَ الصهيونيّ سيُخْرجهم من أوروبا ويحوّلهم إلى “أوروبيّين حقيقيّين” في فلسطين. وهذا الطرح الأخير هو ما كان يسعى إليه هرتزل. فهو كان يناقض المفكّرين اليهودَ الذين نادوا بالحقوق المدنيّة المتساوية ليهود أوروبا، أو باندماج يهود أوروبا الشرقيّة في الثقافات الأوروبيّة، قائلًا إنّ اللاساميّين لن يَسمحوا لهم بهذا الاندماج في أوروبا. لقد اعتقد هرتزل أنّ اليهودَ في أوروبا سيبقون شرقيّين، وأنّهم في فلسطين سيتحوّلون إلى أوروبيّين؛ بمعنى أنّ الأوروبيين سيعتبرونهم أوروبيّين في فلسطين، لا في أوروبا.

* المصري: الرفيق غسّان بن خليفة من تونس يسأل: بعيدًا عن التضامن العاطفيّ مع شعبنا في فلسطين، على أيّ أساس – بحسب الفكر الصهيونيّ نفسه – نَعتبر “إسرائيلَ” عدوًّا إيديولوجيًّا للبنان والأردن وسوريا ولشعوب المنطقة العربيّة كافّةً؟
– مسعد: سؤال وجيه. يجب أن نتذكّر أنّ الشعبَ الجزائريّ، عندما كان مستعمَرًا من قِبل الفرنسيّين لغاية العام 1962، تضامن معه عددٌ كبيرٌ من كلّ أرجاء العالم العربيّ. وعندما قَتل الاستعمارُ الإيطاليّ المناضل عمر المختار سنة 1931 في ليبيا، خرجتْ تظاهراتٌ تمتدّ من بغداد الى إسطنبول وتركيا وتونس والجزائر والسودان وتشاد…، وسُمّيتْ شوارعُ ومدارسُ في غزّة باسمه، كما سُمّيتْ بعضُ فرق الكشّافة الفلسطينيّة باسمه أيضًا. لذلك أعتقد أنّ الاستعمارَ الاستيطانيّ، الإيطاليّ أو الفرنسيّ أو غيرَهما، ليس عدوًّا للعرب فقط، بل لكلّ شعوب العالم الثالث أيضًا؛ ذلك لأنّ هذا الاستعمار قائمٌ على فكر عنصريّ يحدّد تفوّقَ العِرق الأبيض على الشعوب الأخرى.

بالنسبة إلى لبنان تحديدًا، فإنّ الحركة الصهيونيّة كانت لها دائمًا مخطّطاتٌ ضدّه، كضمّ الأراضي اللبنانيّة جنوبًا حتّى نهر الليطاني إلى الدولة اليهوديّة، وتآمرتْ مع اليمين المسيحيّ في الأربعينيّات لإقامة دولة طائفيّةٍ مسيحيّة؛ هذا إضافةً الى هجومها المستمرّ وإغاراتها على لبنان في الخمسينيّات والستينيّات، أيْ قبل سنوات طويلة من وصول الفدائيّين الفلسطينيين إلى لبنان. كما نال الأردن نصيبًا كبيرًا من ذلك…

* المصري (مقاطعةً): قبل الحديث عن الأردن، أودّ أن أقول إنّنا كلبنانيين، ضمن الكيان اللبنانيّ، لا نستطيع أن نبنيَ دولةً مدنيّة لأنّ وجودَ “إسرائيل” المبنيّة على فكر استيطانيّ عنصريّ يهدِّد وجودَ هذه الدولة المرجوّة. هل هذا التفكير السياسيّ محقّ وواقعيّ، أمْ أنّه يأتي من جانبٍ عاطفيّ؟

– مسعد: “إسرائيل” كانت دائمًا حليفةَ معظم القوى والأنظمة الرجعيّة في العالم العربيّ. واعتراضي على مَن يرحِّب بالاستعمار ليس اعتراضًا “عاطفيًّا” بل هو مبنيٌّ على مصالح الشعوب ضدّ الاضطهاد. وفلسطين ليست استثناءً لحالات الاستعمار الاستيطانيّ في العالم منذ أواخر القرن الثامن عشر، سوى أنّه ما زال موجودًا من دون أيّ تغيير، في حين أنّ ما سبقها من المستعمَرات الاستيطانيّة في جنوب أفريقيا تحوّل إلى تمييز عنصريّ اقتصاديّ بعد العام 1994 وإنْ أنهى التمييزَ العنصريّ الاستيطانيّ السياسيّ. ولكنْ هناك مستعمَرات استيطانية ما زالت تمارس فوقيّةَ “الحقّ” الأبيض، وأنا أعيش في إحداها؛ وأعني الولايات المتحدة، حيث “أحقّيّةُ” العِرق الأبيض [المزعومة] في حيازة الحقوق والامتيازات الاجتماعيّة والحقوقيّة لم تزل قائمةً، شأن ما حدث ويحدث في نيوزيلاندا وأستراليا.

* المصري: السيّدة ميْسا تسأل هل يمكن التوسّعُ في موضوع الزراعة كفعلٍ استعماريٍّ استيطانيّ؟

– مسعد: هنالك منظومةٌ مهمّةٌ بدأتْ في فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر، وهي مؤلّفة من بعض المفكّرين الاقتصاديّين الذين عُرفوا بـ”الفيزيوقراطيّين.” كان هؤلاء يَعتبرون الزراعةَ أساسَ الاقتصاد الحديث. وقد عاداهم بعضُ المفكّرين اليهود، واعتبروا فكرَهم معاديًا للساميّة ومندِّدًا بالتجارة اليهوديّة لصالح المزارعين لأنّ اليهود لم يكونوا يمارسون الزراعةَ في أوروبا الغربيّة أو الشرقيّة في حينه.

الفكرة التي تقول إنّ الزراعة هي النشاطُ الاقتصاديُّ الوحيدُ المنتِج، وأنّ على الجميع أن يعودَ اليها، تبنّاها قياصرةُ روسيا، خصوصًا في أواخر القرن الثامن عشر، مع كاثرين العظيمة، التي بدأتْ بمشروعٍ مهمّ، هو مشروعُ بناء مستوطناتٍ زراعيّةٍ حول الإمبراطوريّة الروسيّة (التي كانت في ذلك الوقت تمتدّ إلى البلاد المسلمة المجاورة، ولا سيّما في آسيا والقوقاز). وقد أصرّت كاثرين العظيمة على استخدام الكثير من اليهود الذين ضُمّوا إلى المملكة الروسيّة بعد ضمّ بولندا، معتبرةً أنّ إنقاذَ اليهود من براثن الفقر والتجارة يكون في إدخالهم في المستوطنات الزراعيّة وإقامةِ مستوطناتٍ زراعيّةٍ لهم، وبخاصّةٍ في جنوب أوكرانيا.

هكذا بدأتْ فكرةُ الاستيطان الزراعيّ في حالة اليهود. ثم اعتنقها اليهودُ الصهاينة، الذين أتوْا إلى بلادنا مستوطنين زراعيّين لأنّهم اعتبروا أنّهم يريدون تحويلَ اليهود إلى “منتِجين.” وبذلك، يكون الصهاينة قد اعتنقوا الفكرَ اللاساميّ، فكرَ الفيزيوقراطيّين، الذي يعتبر أنّ اليهود لم يكونوا منتجين في أوروبا، بل كانوا يعيشون بطريقةٍ طفيليّةٍ على حساب المجتمعات المسيحيّة هناك.

في الوقت نفسه (القرن التاسع عشر)، كان مفهومُ الاستيطان الزراعيّ قد ازدهر في الفكر الكولونياليّ الفرنسيّ. ولذلك أقيمت المزارعُ الاستيطانيّةُ للمستوطنين الفرنسيّين في الجزائر، وللمستوطنين الإيطاليّين والفرنسيّين في تونس ومن ثمّ في ليبيا. كما أنّ أقلّيّاتٍ كثيرةً كانت أوروبيّةً، أو نتجتْ من التزاوج بين المستوطنين الأوروبيّين والشعوبِ الأصليّة (كما في الهند أو أندونيسيا مثلًا)، اعتقدتْ أنّ الحلَّ الوحيدَ لها هو في إقامة مستوطناتٍ زراعيّة.

وعليه، فإنّ المستوطنين اليهود الروس في فلسطين لم يَحِيدوا عن هذا الفكر الأوروبويّ عن أهمّيّة الاستيطان الزراعيّ الذي بدأ في أواخر القرن الثامن عشر من قِبل حركة الفيزيوقراطيّين الفرنسيّة.

لقد أصبحت الأراضي الزراعيّة مهمّةً جدًّا لهذا الفكر نتيجةً لأهمّيّة إنتاجيّتها. فمثلًا مَن بدأ بالاستثمار في الأراضي الفلسطينيّة التي استوطنها يهودُ أوروبا الشرقيّة في أواخر القرن التاسع عشر قد كان بارون ادموند روثتشايلد، وهو كان صاحبَ مساحاتٍ كبيرةٍ من أراضي كروم العنب لإنتاج النبيذ في فرنسا. وحين قدِمتْ، في أواخر السبعينيّات وأوائلِ الثمانينيّات من ذلك القرن، حشرةٌ الفيلوكسيرا من الولايات المتحدة وقضت على محاصيل كروم العنب في فرنسا وعلى منتوجِها من النبيذ، قرّر روثتشايلد الاستثمارَ في الأراضي الفلسطينيّة مع العمّال والمزارعين اليهود لإنشاء كروم العنب ومصانعَ لإنتاج النبيذ هناك.

الجدير ذكرُه أنّ الاستيطان الزراعيّ في الجزائر أنتج، هو الآخر، الكثيرَ من النبيذ الذي حلّ محلَّ النبيذ الفرنسيّ بعد أن اختفى في فرنسا أواخرَ القرن التاسع عشر. وحصل ذلك أيضًا في ليبيا.

* المصري: سؤال من الرفيق سماح إدريس: هل يمكن تصوّرُ “إسرائيل” يومًا ما دولةً ديمقراطيّةً، فيها مساواةٌ وعدالة، خصوصًا بعد إقرار “قانون القوميّة اليهوديّة” في تمّوز (يوليو) 2018 ؟

– مسعد: هذا صعبٌ جدًّا، بل مستحيلٌ بالأحرى! الفكر الصهيونيّ قائمٌ على يهوديّة الدولة، وقائمٌ على دولةٍ ذاتِ امتيازاتٍ عرقيّةٍ ودينيّةٍ للمستوطنين اليهود. موضوعُ المساواة غيرُ مطروحٍ أبدًا في هذا الفكر. حاولتْ “إسرائيل” أن تقيمَ أغلبيّةً يهوديّةً في فلسطين منذ تسعينيّات القرن التاسع عشر وحتى العام 1948، لكنّها أخفقتْ في ذلك (إذ إنّ ثلثَ سكّان فلسطين فقط كانوا من اليهود المستوطنين قبل حلول العام 1948)، فقرّرتْ طردَ 90% من الشعب الفلسطينيّ من الأراضي التي أقيمت عليها الدولةُ الإسرائيليّة كي تَفْرضَ هذه الأغلبيّةَ اليهوديّة. بعدها، أَقرّت حوالي خمسةٍ وستّين قانونًا للتمييز ضدّ السكّان غير اليهود. بل إنّ “ديمقراطيّة إسرائيل” لا تسري إلّا على بعض اليهود (وأعني الأشكيناز)، وذلك نتيجةً للتمييز العنصريّ الذي تمارسُه ضدّ اليهود الشرقيّين (أو ما يسمّى “المزراحي”).

اليوم، لا أغلبيّةَ يهوديّةً في فلسطين المحتلّة عام 48 وعام 1967، ويُقرّ الإسرائيليّون بأنّ الفلسطينيّين أصبحوا الأغلبيّةَ من جديد

اليوم، لا أغلبيّةَ يهوديّةً في “إسرائيل” (فلسطين المحتلّة عام 48) والأراضي الفلسطينيّة المحتلّة سنة 1967 (الضفّة الغربيّة وغزّة)، بل يُقرّ الإسرائيليّون بأنّ الفلسطينيّين أصبحوا الأغلبيّةَ من جديد، على الرغم من طرد مئات الآلاف منهم في العام 1948 ثمّ في العام 1967 وآلافٍ آخرين على مرّ سنوات الاحتلال. لذا أَقرّ الكنيست الصهيونيّ “قانونَ الجنسيّة” في تمّوز 2018 من أجل ضمان الحقوق والامتيازات العرقيّة والدينيّة للمستوطنين اليهود بغضّ النظر عن عددهم. ولقد أصرّ هذا القانونُ على أنّ من حقّ اليهود وحدهم تقريرَ المصير في “أرض إسرائيل،” ولم يقل في “دولة إسرائيل.” وهذا يعني أنّ القانون يشمل الضفّةَ الغربيّة وغزّةَ والقدسَ الشرقيّة والجولان، ولا يقتصر على حدود فلسطين المحتلّة عام 48.

إنّ فكرة سَنّ قانون 2018 هدفتْ إلى المحافظة على الامتيازات العرقيّة والدينيّة للمستوطنين اليهود في فلسطين بغضّ النظر عن الديمغرافيا، ولسانُ حالهم: نحن نُقرّ بصعوبة طرد مئات آلاف الفلسطينيّين من جديد، لذا “سنَقْبل” بوجودهم كأفراد، لكنْ من دون أن نعطيَهم حقوقَ المواطَنة. ثمّ قُسّم الفلسطينيّون إلى عدّة أقسام، كما حدث في جنوب أفريقيا خصوصًا في الثمانينيّات: ففي العام 1983 أقرّت دولةُ جنوب أفريقيا العنصريّة بحقّ الملوّنين والهنود في برلمانٍ خاصٍّ بهم، ولكنّ هذا لم ينطبقْ على السود؛ فأصبح هناك فَرقٌ بين البِيض من جهة، والسودِ الذين يفتقرون إلى حقّ التصويت من جهةٍ ثانية، والهنود والملوّنين الذين أعطوا هذا الحقَّ من جهةٍ ثالثة. نرى شيئًا مماثلًا اليوم في فلسطين: المواطنون الفلسطينيّون داخل “إسرائيل” (فلسطين المحتلّة عام 48) لهم حقوقٌ أكثر من المواطنين الفلسطينيّين في القدس الشرقيّة، وهؤلاء لهم حقوقٌ أكثر من الفلسطينيّين الموجودين في الضفّة الغربيّة، وهؤلاء لهم حقوقٌ أكثر من الفلسطينيّين الموجودين في غزّة!

* المصري: د. طارق دعنا يسأل: كيف تتوقّع أن يكونَ مسارُ الصهيونيّة بعد سيطرة اليمين القوميّ الدينيّ الصهيونيّ على مراكز القوّة في “إسرائيل” والحركة الصهيونيّة بشكلٍ عامّ؟

– مسعد: النزعة الدينيّة في الصهيونيّة كانت موجودةً، في الأصل، عند المفكّرين العَلمانيّين الصهاينة. فهؤلاء لم يتعاملوا مع التوراة على أساس أنّها كتابٌ دينيّ، بل على أساس أنّها كتابُ جغرافيا وتاريخ؛ بمعنى أنّها تحدِّد لهم المنطقةَ الجغرافيّة لـ”دولتهم” المزعومة في ذلك الوقت، وتحدِّد لهم أيضًا تاريخَها وكيفيّةَ إعادة خلقها. طبعًا كان هنالك بعضُ اليهود المتديّنين الذين اتّفقوا مع الصهيونيّة، كحركة “مزراحي” (أيْ شرقيّ)، وكانت تضمّ يهودًا أشكنازيّين وأوروبيّين. وكان هناك حزبٌ آخر دينيّ غيرُ صهيونيّ، لكنّه لا يعادي الصهيونيّة، واسمُه “أغودات يسرائيل.” أمّا معظمُ اليهود المتديّنين، لا سيّما القيادات الحاخاميّة اليهوديّة الأورثوذوكسيّة واليهوديّة الإصلاحيّة، فقد هاجموا هرتزل وعارضوه منذ البدء. مثلًا: أوّلُ اجتماعٍ للكونغرس الصهيونيّ الأوّل سنة 1897 كان يُفترض أن يقامَ في مدينة ميونيخ، غير أنّ حاخامَ المدينة الأرثوذوكسيّ اليهوديّ وحاخامَها الإصلاحيّ رفضا أن يسمحا لهرتزل بأن يقيمَ هذا المؤتمرَ عندهم، ما اضطرّه إلى نقل المؤتمر إلى مدينة بازِلْ السويسريّة عبر الحدود من ميونيخ؛ ذلك لأنّهما اعتبرا مشروعَه ضدَّ اليهود واليهوديّة ومناوئًا للفكر الدينيّ اليهوديّ، بشقّيْه الأرثوذوكسيّ والإصلاحيّ.

إذًا، كمنطلق دينيّ، كان ثمّة خلافٌ كبيرٌ بين اليهود المتديّنين في البدء. ولكنْ بعد الحرب العالميّة الثانية عظمتْ أعدادُ اليهود الأرثوذكس ممّن اتّبعوا الصهيونيّة، وإنْ كان هناك الكثيرُ من اليهود الأرثوذكس لغاية اليوم يَعتبرون أنفسَهم لاصهيونيّين. وهناك أيضًا الكثيرُ من الحاسيديم، مثل طائفة الساتمار، وهي تَعدّ تقريبًا مئة ألف يهوديّ في الولايات المتحدة، وهم من الأرثوذكس الذين يناوئون المشروعَ الصهيونيَّ تمامًا. وهناك الكثيرُ من الأرثوذكس داخل “إسرائيل” يريدون أن يعيشوا في فلسطين ولكنْ ليس بالضرورة لأنّهم متضامنون مع المشروع الصهيونيّ وإنْ استفادوا من وجوده.

* المصري: يسأل الأستاذ عمّار: هل يمكن الحديثُ عن الحدود الجغرافيّة لِما يسمّى الوطن اليهوديّ الإسرائيليّ وفقًا للإيديولوجيا الصهيونيّة قبل بازِلْ 1897 وبعدها؟ هل تغيّرت الحدودُ الجغرافيّة المتخيّلة لهذا الكيان منذ العام 1897؟ أما زال الصهاينة ينادون بدولةٍ تضمّ الضفّتيْن الشرقيّة والغربيّة؟

– مسعد: لم تكن حدودُ “الدولة” المتخيّلة واضحةً قبل العام 1897. وبين هذا العام والعام 1907عقدٌ من الزمن، ظهرتْ فيه عدّةُ مشاريع صهيونيّة للاستعمار والاستيطان. بدايتُها كانت في الأرجنتين التي أُسِّس فيها عددٌ من المستعمرات اليهوديّة. كما أُسّستْ مستعمراتٌ زراعيّةٌ قريبةٌ منّي، في نيوجرسي، ليهودٍ روس. وكانت هنالك عدّةُ مشاريع للاستيطان في أنغولا أيضًا، عن طريق التودّد إلى الحكومة البرتغاليّة في ذلك الوقت. وأُرسل وفدٌ [صهيونيّ] إلى ليبيا كذلك في العام 1908 من أجل استكشاف احتمال إقامة مستوطناتٍ يهوديّة هناك. وكان هناك كذلك مشروعٌ استيطانيّ يهوديّ في أوغندا، أو في مرتفعات كينيا، التي استُعمرتْ فيما بعد من قِبل الإنكليز البِيض.

إذًا، مشروعُ الاستيطان اليهوديّ في فلسطين [دون غيرها] أصبح هو مشروعَ “المنظّمة الصهيونيّة” (Zionist Organization)، وإنْ كانت هناك منظّمةٌ أخرى داخل هذه المنظّمة، واسمُها “المنظّمة المناطقيّة (أو الإقليميّة)” (Zionist Territorial Organization)، بقيت مهتمّةً ببناء مستوطنات في فلسطين وخارجها. لكنْ عُقد القرارُ، في النهاية، على أن تكون فلسطين هي هدفَ قيادات “المنظّمة الصهيونيّة،” وتُرك موضوعُ الحدود للّوجستيّات الإستراتيجيّة الاستعماريّة.

فمثلًا، عندما أعلن بن غوريون عن إنشاء “إسرائيل” في أيّار/مايو سنة 1948، لم تحدَّدْ حدودٌ للدولة. وعندما سُئل عن السبب، أجاب أنّ هذه الحدود يقرِّرُها “الشعبُ اليهوديُّ” في المستقبل. ولذلك أيضًا كانت هنالك مشكلةٌ كبيرةٌ في قبول الأمم المتحدة بـ”إسرائيل” بعد إقامتها، لاسيّما أنّ قرارَ التقسيم الذي اتّخذتْه المنظّمةُ الدوليّة في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 حدّد حدودًا أصغرَ من الحدود التي استولت عليها العصاباتُ الصهيونيّةُ في حرب 1948. فقد أصرّت الأممُ المتحدة على أن تنسحب “إسرائيل” من الأراضي التي احتلّتها في تلك الحرب، والعودة إلى حدود قرار التقسيم، خصوصًا أنّ “إسرائيل” احتلّت الجزءَ الغربيَّ من القدس الذي كان بحسب قرار التقسيم سيقع تحت سيطرة الأمم المتحدة. لكنّ “إسرائيل” تلاعبتْ بالموضوع، فطالبت الأممَ المتحدة بالاعتراف بها أوّلًا، وبعدها ستتفاوض على الحدود مع الدول العربيّة. وهي بالطبع لم تفعل ذلك، بل ضمّت كلَّ الأراضي التي احتلّتها في حرب 1948.

كما أنّ موضوع “شرقيّ الأردن” سنة 1921 كان مهمًّا هو أيضًا. فهذه المنطقة وفلسطين لم تكن أماكنَ محدّدةً جغرافيًّا. حتى كلمةُ “فلسطين” لم تحدَّدْ جغرافيًّا لأنّها لم تكن منطقةً إداريّةً عثمانيّة، بل كانت تتّصل بعدّة مناطق من سوريا أو لبنان. وقد اعتُبرتْ فلسطين ككلّ أنّها تضمّ “شرقيَّ الأردن” بعد العام 1921، وكانت الأخيرة تسُمّى في أدبيّات القرن التاسع عشر “فلسطين شرقَ النهر.” كان الصهاينة مهتمّين جدًّا بالاستيطان هناك، وأقاموا فعلًا بعضَ المستوطنات واشتروْا بعضَ الأراضي شرقَ الأردن، وان اختلف الوضعُ بعد ذلك، ولاسيّما عقب إقامة إمارة شرقيّ الأردن عام 1921 بالاتفاق مع ونستون تشرتشل والأمير الحجازيّ عبد الله.

إلى اليوم لا يزال حزبُ الليكود يطالب بأن يكون شرقيُّ الأردن جزءًا من الدولة الفلسطينيّة العتيدة. ويقول “الليبراليّون” الصهاينة إنّهم لن يمنحوا الفلسطينيّين دولةً في فلسطين غربَ النهر لأنّ للفلسطينيين أصلًا دولةً شرقيّ هذا النهر، وهي دولةُ الأردن. وطبعًا هذا كلامٌ مبنيٌّ على أكاذيبَ صهيونيّةٍ تحاول الإيقاعَ بين الشعب الواحد، الأردنيّ والفلسطينيّ، في الأردن، على إدارة هذه الدولة، وسيكون المستفيدُ الأوّل من ذلك هو “إسرائيل” والصهاينة بالتأكيد.

*المصري: سندخل الآن في مفهوم “المقاومة” الواسع، في وصفه دالًّا على صراعٍ يتخطّى المقاومة المسلّحة. فإلى جانب الصراع الاقتصاديّ والعسكريّ والجغرافيّ، أليس من الضروريّ أن يكون هناك صراعٌ إيديولوجيّ من طرفنا نحن مع هذا العدوّ؟

– مسعد: أنا أتبع بعضَ المفكّرين الماركسيّين الذين كانوا، منذ الستيتيّات، يَعتبرون أنّ الإيديولوجيا تُترجَم مادّيًّا أو أنّ أساسَها مادّيّ، وليست عبارةً عن “فكرٍ” فقط. المقاومة الإيديولوجيّة، في رأيي، جزءٌ لا يتجزّأ من المقاومة المادّيّة. الإيديولوجيا الاستيطانيّة الصهيونيّة، كما أكرِّر، قائمةٌ على عنصريّة وطائفيّة معيّنتيْن مارسهما يهودٌ أوروبيّون ضدّ الشعب الفلسطينيّ، ثم امتدّت هذه الإيديولوجيا لتشملَ اليهودَ العرب الذين رَتّبت الصهيونيّةُ هجرتَهم من البلاد العربيّة بين العاميْن 1949 و1967.

بالإضافة إلى ذلك، ما تزال هذه الإيديولوجيا تسوِّق “إسرائيلَ” على أنّها “روما الحديثةُ المحاطةُ بالبرابرة.” لذا، فإنّ ضعفاءَ النفوس من العرب، الذين يعتقدون أنّ “إسرائيل” والإسرائيليّين واليهودَ الأوروبيّين “يحترمونهم” لأنّهم تَدافعوا للانبطاح أمامها، من حقّهم أن يَقْبلوا بدونيّتهم العِرقيّة في هذا الترتيب [الصهيونيّ]. يقول نتنياهو دائمًا، حين يأتي إلى الولايات المتحدة، إنّ “إسرائيل” تسكن في حيّ أو منطقةٍ صعبةٍ أو عنيفة (Tough Neighborhood)؛ وهذا تعبيرٌ أميركيّ عنصريّ يقوله البيضُ العنصريّون في وصف الأحياء السوداء الفقيرة المليئة بالعنف. أذْكرُ ذلك لأقول إنّ العنصريّة الموجودة في الكيان الصهيونيّ تستهدف كلَّ العرب وكلَّ العالم الثالث. فمثلًا، قال السفيرُ الإسرائيليّ في أستراليا قبل بضع سنوات في أحد لقاءاته بوزيرٍ أستراليّ: “أتعْلم؟ نحن وأستراليا البيضُ الوحيدون في كلّ آسيا.” هذا مثالٌ من ضمن أمثلةٍ لا تُحصى يوضِح أنّ هناك اعتبارًا عنصريًّا عرقيًّا مميّزًا، وعلنيًّا، وغيرَ مستبطَن، في الإيديولوجيا الصهيونيّة الإسرائيليّة لكونها إيديولوجيا استيطانيّةً وأوروبويّةً، ومشروعُها هو إعادةُ تحويل يهود أوروبا الى أوروبيّين، لكن في آسيا.

هنا لا ننسى أنّ يهودَ أوروبا كان لديهم جزءٌ كبيرٌ من الكره الذاتيّ، وهم لا يختلفون في ذلك عن اليونانيّين في ذلك الوقت. فقد كان الأوروبيّون يعتبرون اليونانيّين في البدء أحفادَ الإغريق القدماء وأرسطو وأفلاطون، ولكنّهم عندما التقوْهم في القرن التاسع عشر اعتبروا أنّه لا يمكن أن يكونوا كذلك، شأنهم هم (الأوروبيين الفرنسيين والألمان)، بل لا بدّ من أن يكونوا من الصقالبة الذين اعتنقوا اللغةَ اليونانيّةَ لاحقًا! إذًا، هنالك دائمًا كرهٌ ذاتيّ عند اليونانيّين الذين يَعتبرون أنفسَهم آباءَ أوروبا الثقافيّين، ولكنّهم يعرفون أنّ الأوروبيين “الأقحاح” يعتبرونهم دون العِرق الأبيض.

وهذا الكره الذاتيّ يسري أيضًا على الإيطاليّين. فعندما كان موسوليني يريد أن يقيمَ روما العظمى من جديد، كان جزءٌ كبيرٌ من القوميّة الإيطاليّة من أيّام ماتسيني والوحدةِ الإيطاليّة في منتصف القرن التاسع عشر يَشعر بالكره الذاتيّ، لأنه يشعر أنّه لا ينتمي إلى العِرق الأبيض، على الأقلّ بحسب اعتقاد البيض “الأقحاح” كالبريطانيّين والفرنسيّين والألمان.

اليهود الأوروبيّون لديهم الكرهُ الذاتيّ لغاية الآن، لاعتقادهم أنّهم ينتمون الى عِرقٍ أسمى من الأعراق العربيّة وغيرِ البيضاء، ولكنّهم يريدون في الوقت نفسه رضا البِيض “الحقيقيّين.” وهذا الكره الذاتيّ موجودٌ لدى الكثير من الليبراليّين العرب الذين يعشقون الغربَ لأنّه غرب، ويكرهون الشرقَ والعربَ والمسلمين لأنّهم شرقيّون وعرب ومسلمون.

طبعًا نحن لا نكره ولا نحبّ أيَّ حضارةٍ أو شعبٍ على أساس أصولهم أو على أيّ أسسٍ أخرى. ولكنّ “عشقَ الأبيض” ومحاولةَ محاكاة الثقافة البيضاء (على أنّها أسمى من باقي الثقافات) نزعةٌ يشترك فيها اليهودُ الأوروبيّون، والليبراليّون العرب من عشّاق الغرب، واليونانيّون القوميّون (على الرغم من وجود معارضةٍ يونانيّةٍ لهذا النوع من القوميّة).

* المصري: هناك سؤالٌ يتمحور حول ما تفضّلتَ به في البداية عندما قارنتَ الفكرَ الإيديولوجيّ عند الكيان الصهيوني والولايات المتحدة وجنوب أفريقيا. لماذا نقول إنّ الكيان الصهيونيّ عدوّ وجوديّ وإيديولوجيّ، ولا نقول إنّ جنوبَ افريقيا تحت نظام الأبارتايد كانت عدوًّا لنا أيضًا؟ ولماذا لا نعتبر الولايات المتّحدة عدوًّا لنا، بالرغم من أنّها دولةٌ استيطانيّةٌ مبنيّةٌ على العنصريّة والعبوديّة والاستيطان؟

– مسعد: الواقع أنّ كلّ البلاد العربيّة لم تُقِم أيَّ علاقاتٍ مع نظام الفصل العنصريّ في جنوب أفريقيا، بل كان هنالك عداءٌ ومقاطعةٌ من معظم دول العالم لدولة جنوب أفريقيا في الخمسينيّات والستينيّات. ومع ذلك فقد كانت هناك علاقاتٌ سرّيّة بين بعض الأنظمة العربيّة ونظام الفصل العنصريّ في روديسيا السابقة (التي أصبحتْ زيمبابوي بعد تحرّرها) وجنوبِ أفريقيا.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، كان هنالك – ولم يزل – استعداءٌ كبيرٌ لعنصريّتها ودورِها الإمبرياليّ، داخل الولايات المتحدة وخارجها. أشُدُّ على يدِ السائل وأوافقُه الرأيَ في أنّ على مَن يعتبر “إسرائيلَ” عدوًّا أن يَعتبر الولايات المتحدةَ أيضًا عدوًّا للشعوب العربيّة وشعوبِ العالم، وذلك نتيجةً لسياساتها العنصريّة والإمبرياليّة. ولكنْ هنالك اختلاف: فالشعوب العربيّة، وضمنها الشعبُ الفلسطينيّ، تكره “إسرائيل” ليس فقط لأنّها إمبرياليّة بل لأنّها أيضًا مستعمِرة ومستوطِنة في منطقتنا، وتُغِير على البلاد العربيّة وتجتاحُها كأنّها ساحةٌ خاصّةٌ بها. قصفتْ “إسرائيل” تونس والسودانَ والعراقَ وسوريا ولبنان والأردن، ودعمت الحكّامَ الديكتاتوريّين في عُمان في أوائل السبعينيّات وفي اليمن في الستينيّات، بالإضافة إلى وقوفها مع طغاةٍ غير عرب كشاه إيران. أثناء حرب الاستنزاف (1967-1970) نجم عن الغارات الإسرائيليّة مليونُ لاجئ مصريّ اضطرّوا إلى الخروج من مدن القناة إلى القاهرة والمدن المصريّة الأخرى. كما أَمرتْ غولدا مائير بإسقاط طائرةٍ ليبيّة سنة 1973، ما أدّى إلى مقتل 108 ركّاب مدنيّين، وكانت “إسرائيل” بذلك أوّلَ دولةٍ في العالم تُسقط طائرةً مدنيّة. “إسرائيل” استعْدت كلَّ العالم العربيّ تقريبًا، وتدخّلتْ في كلّ بلدٍ عربيّ، ناهيك ببلادٍ في أفريقيا وأميركا اللاتينيّة وآسيا، وكانت أهمَّ حليفٍ لنظام الفصل العنصريّ في جنوب أفريقيا وروديسيا.

صحيح أنّ “إسرائيل” تمسُّنا مباشرةً، لكنّ سياساتها الاستعماريّة الكبرى لا تختلف عن السياسات الأميركيّة الاستعماريّة في منطقتنا، وهي سياسات تمسّنا مباشرةً هي أيضًا بعدوانها المستمرّ على البلاد والشعوب العربيّة. وبالتالي علينا استعداءُ الطرفيْن بالطريقةِ ذاتها، وإنْ كان هناك طبعًا اختلافٌ في موضوع الاستيطان على الأراضي العربيّة؛ وهو استيطانٌ تموِّله الولاياتُ المتحدة وتُدافع عنه في المنابر العالميّة، ومن ثمّ لها دورٌ كبيرٌ جدًّا – إنْ لم يكن رئيسًا – فيه.

* المصري: سؤال من صفحة حملة مقاطعة داعمي “إسرائيل” في لبنان: كيف يرى د. مسعد مشروعَ دولة عَلمانيّة واحدة لكافّة المكوِّنات الراهنة على أرض فلسطين مع حقّ عودة اللاجئين فضلًا عن تفكيك الصهيونيّة؟ وهناك سؤال أيضًا من BDS-المغرب: هل تحقيقُ الشروط الثلاثة لحملة مقاطعة BDS (ألا وهي حقُّ عودة اللاجئين إلى ديارهم، وإنهاءُ احتلال الأراضي المحتلّة عام 1967، ووقفُ نظام الأبارتايد داخل فلسطين المحتلّة عام 48) يشكّل تفكيكًا فعليًّا للمشروع الصهيونيّ؟ وكيف نستطيع أن نفكّكَ الفكرَ الصهيونيّ؟ وكيف نعيد الأرضَ إلى أصحابها؟ وبأيّ نوعٍ من المقاومة نحقّق ذلك؟

– مسعد: هذه الأسئلة كبيرة جدًّا ولن أستطيعَ أن أوفيَها حقَّها. دعيني أبدأ بالقول إنّ الصهيونيّة قائمة على العنصريّة والامتيازات الاستعماريّة الاستيطانيّة، كما ذكرنا. ومن ثمّ إذا كانت أهدافُ حركة المقاطعة هي حقَّ عودة الفلسطينيّين إلى أراضي 48 ، وإنهاءَ النظام العنصريّ الذي يعطي اليهودَ امتيازاتٍ على حساب العرب داخل تلك الأراضي، فسيُفَكِّك ذلك أساسًا عنصريًّا وطائفيًّا مهمًّا للقوانين الإسرائيليّة، وبالتالي سيُفكِّك جزءًا كبيرًا من هذه القوانين. إنّ حقّ العودة يعني، طبعًا، تفكيكَ المستوطنات والمستعمَرات، وإعادةَ الأراضي الى أصحابها، أو يعني استنباطَ حلولٍ جديدةٍ لإعادة توزيع الأراضي. وهناك عدّةُ مشاريع كان قد طرحها المفكّرُ الفلسطينيّ سلمان أبو ستّة، منذ أكثر من عقديْن أو ثلاثة عقود، تتضمّن خطّةً عمليّةً لإعادة كلّ الفلسطينيّين، وهي مشاريعُ لن تتطلّبَ في معظمِها إلّا تهجيرَ نسبةٍ قليلةٍ جدًّا من المستوطنين؛ ذلك لأنّ معظمَهم يعيش على “أراضي الدولة” لا على الأراضي الفلسطينيّة الخاصّة. وبالتالي هنالك طرقٌ إنسانيّةٌ تَحفظ “إنسانيّةَ” المستوطنين السارقين للأراضي الفلسطينيّة، إنْ كنّا نتوخّى أن نكون عمليّين.

إنّ أيّ دولةٍ لا حقوقَ متساويةً ثقافيّةً ودينيّةً فيها، ولكلّ مكوِّناتها، يجب أن تفكِّكَ المنظومةَ الاستيطانيّة الاستعماريّة والعنصريّة والطائفيّة كي تصبح دولةً تُعامِل جميعَ مواطنيها بالتساوي.

عن تفكيك الفكر العنصريّ الصهيونيّ: اليوم، على الرغم من انتهاء الحكم السياسيّ العنصريّ في جنوب أفريقيا (مع بقاء الامتيازات الاقتصاديّة)، فإنّ معظمَ مَن كانوا عنصريّين من البِيض في فترة الدولة العنصريّة “يستغربون” اليوم ويتساءلون “مَن وقف مع تلك الدولة المضطهِدة؟! نحن رفضنا الوقوفَ معها!” نلاحظ أنّ هذا التحوّلَ الإيديولوجيّ يحدث سريعًا بعد التحوّل السياسيّ والاقتصاديّ. وبالمثل، لن يكون هناك ما يقف في وجه التحوّل الإيديولوجيّ [لدى اليهود الصهاينة]. ستجدين أنّ معظمَ اليهود الذين يطالبون اليوم بالامتيازات العنصريّة سيقولون لكِ، بعد سنوات، في حال انتهاء الاستيطان والاستعمار، إنّهم لم يكونوا يدعمون هذا المشروعَ وهذه الامتيازات الكولونياليّةَ والعنصريّةَ البتّةَ وإنّما كانوا على العكس يطالبون بوقفها وإلغائها! التحوّل الإيديولوجيّ سيكون سهلًا، إذًا. التحوّل الأصعب هو التحوّل الاقتصاديّ والسياسيّ، وهو يعتمد على عدّة عوامل: العوامل الداخليّة في “إسرائيل،” ومن شأنها أن تُضعفَ هذا الكيانَ باستمرار؛ وعاملُ السلطة الفلسطينيّة بصفتها عدوًّا للشعب الفلسطينيّ ومتآمرًا مع أعدائه ومنسّقًا معهم على قتله وتعذيبه وقمعِه واعتقاله. كلّما أُبقي على هذه السلطة الفاسدة والخائنة للشعب الفلسطينيّ، زادت قوّةُ الكيان الإسرائيليّ.

لكنْ لن تستطيعَ هذه السلطةُ الفاسدةُ تغييرَ المعطيات على الأرض. ذلك لأنّ تغييرَ الديمغرافيا سيكون صعبًا، وتغييرَ المعادلات داخل الكيان سيكون صعبًا أيضًا، وازديادَ مَن يقاطعه على المستوى العالميّ سيصبّ في إضعافه — ولا أقول “هزيمته” بالضرورة لأنّنا أضعفُ منه في هذا المجال نتيجةً لوقوف كلّ القوى الإمبرياليّة معه بالإضافة إلى معظم الأنظمة العربيّة، ناهيكِ بدور السلطة الفلسطينيّة التي تخلّت عن تحرير الشعب الفلسطينيّ وتنسّق مع دولة الاحتلال لقمعه.

* المصري: د. حيدر عيد من غزّة يسألك: مع تبنّي الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة لـ”حلّ” عنصري متمثّل في نظام البانتوستانات، كيف يمكن تطويرُ أدوات الكفاح والوصولُ إلى حلّ ديمقراطيّ يتجنّب انزلاقاتِ نظامِ ما بعد الأبارتايد؛ وأضيف: خصوصًا مع التطبيع الوقح الذي تمارسه بعضُ الأنظمة، وجهل كثيرين بأدوات الكفاح والمقاومة؟

– مسعد: أنا لستُ منظّرًا سياسيًّا بالمقاومة، وحلولي لن تكون أفضلَ ممّا يجترحه المقاومون على الأرض المحتلّة. ما أقولُه في هذا الصدد هو أنّ موضوعَ الديمقراطيّة مهمٌّ هنا لأنّ الليبراليّين في العالم (ولا سيما الليبراليّون العرب) يتغنّوْن دائمًا بالديمقراطيّة، ولكنّهم يعنون بذلك تحديدًا الديمقراطيّة السياسيّة، ولا يتكلّمون البتّةَ عن الديمقراطيّة الاقتصاديّة. ما يَصْبون إليه هو ديمقراطيّةٌ سياسيّةٌ قائمة على دعمٍ قادمٍ من ديكتاتوريّة اقتصاديّة. وهذه حالُ جنوب أفريقيا [بعد الأبارتايد]؛ فعلى الرغم من حصول تحوّلٍ ديمقراطيّ سياسيّ هناك، فقد بقيت الديكتاتوريّةُ الاقتصاديّة.

يجب على الفلسطينيّين المقاومين لِما هو قائمٌ اليوم من الاستيطان والاستعمار، ومن التآمر والفساد من طرف السلطة الفلسطينيّة، أن يستنبطوا فكرًا ديمقراطيًّا اقتصاديًّا، لا فكرًا ديمقراطيًّا سياسيًّا فقط. يجب أن يكون هناك فكرٌ سياسيّ ديمقراطيّ، وفكرٌ اقتصاديّ ديمقراطيّ. وهذا هو ما سيَحُول دون تكرار تجربة جنوب أفريقيا بعد الأبارتايد في فلسطين.

إنّ التحرير الحقيقيّ في فلسطين لن يحصل في معزلٍ عمّا يجري في العالم أجمع. النيوليبراليّة الاقتصاديّة التي غزت العالمَ بعد سقوط الاتحاد السوفياتيّ في تسعينيّات القرن المنصرم هي التي تُفْقر معظمَ الشعوب، ومنها الشعبُ الأميركيُّ نفسُه. لقد شهدت الولاياتُ المتحدة انتفاضاتٍ مستمرّةً نتيجةً للعنصريّة، ولكنْ أيضًا نتيجةً لأسبابٍ أخرى مرتبطةٍ بالفقر المستمرّ جرّاءَ السياسات الرأسماليّة النيوليبراليّة في العالم. وهذه السياسات أنتجتْ معارضاتٍ محلّيّةً مستمرّةً لحكم ماكرون في فرنسا أيضًا، من قِبل “السترات الصفر،” وكذلك أيضًا في اسكوتلندا التي تحاول الانفصالَ عن بريطانيا، وفي دولٍ أوروبيّةٍ أخرى، ناهيكِ بدول العالم الثالث الذي يستمرّ اضطهادُها واستغلالُها الاقتصاديّ.

الدكتور حيدر على حقّ حين يطالب بالديمقراطيّة لحقبةِ ما بعد التحرير. وأريدُ أن أشدّد، من جديد، على أنّ هذه الديمقراطيّة يجب أن تكون سياسيّةً واقتصاديّة، وأُصِرّ على الجانب الاقتصاديّ قبل السياسيّ، إذ يمكن أن تنشأ الديمقراطيّةُ السياسيّةُ عن الديمقراطيّة الاقتصاديّة، في حين أنّ العكس لا يمكن أن يتحقّق.

* المصري: إزاء ما يجري اليوم من اتفاقات تطبيعٍ بين العدوّ والإمارات والبحرين (والسعوديّة من تحت الطاولة…)، كيف نستطيع التأكيدَ أنّ “إسرائيل” عدوّ إيديولوجيّ، وأنّ صراعَنا معها ليس سياسيًّا فقط وإنّما هو صراعٌ اقتصاديّ وثقافيّ وعسكريّ أيضًا؟ وهناك أيضًا ما يتعلّق بالسلطة الفلسطينيّة، التي “أبدعتْ” في ما أسمّيه “النكبة الثانية،” أي اتفاقيّة أوسلو، في مجال التطبيع الاقتصاديّ والثقافيّ، فصعّبتْ مفهومَ “مقاومة التطبيع” أمام الأشخاص الذين لا يَعْتبرون فلسطينَ جزءًا لا يتجزّأ من أراضينا، وبات بعضُهم يرى أنْ لا ضرورةَ لأن يقوموا بأكثر ممّا قامت به السلطةُ الفلسطينيّة.

– مسعد: سأثير عدّةَ نقاطٍ في الردّ على هذه الأسئلة. كثير من الأنظمة العربيّة كانت لها علاقاتٌ بـ”إسرائيل” منذ خمسينيّات القرن المنصرم (بل كان ثمّة تعاونٌ بين هذا الكيان وبعضِ حركات التحرّر العربيّة، وأخصّ بالذكر الدستوريّين في تونس وحزبَ الأمّة في السودان). التحوّل الوحيد الذي طرأ اليوم هو في علنيّة هذه العلاقات.

في ثلاثينيّات القرن الماضي، طالب النظامُ النازيُّ الألمانَ المسيحيّين بمقاطعة المتاجر والأعمال اليهوديّة في ألمانيا. فقوبل ذلك بحملةٍ مهمّةٍ في الولايات المتّحدة وأوروبا، من يهودٍ وغير يهود، طالبتْ بمقاطعة النازيّين. آنذاك، رفضتْ الحركةُ الصهيونيّة، وخصوصًا حزب العمل الصهيونيّ، هذه الحملةَ، وأقام اتفاقًا مع الحكومة النازيّة في العام 1933، اسمُه “اتفاقُ العُبور” (Transfer Agreement). وبموجب هذا الاتفاق وافقتْ ألمانيا على عدم مصادرة أملاك اليهود الألمان الذين يريدون الخروجَ من ألمانيا والذهابَ إلى فلسطين، مقابل أن تشتري “إسرائيلُ” بثمن هذه الممتلكات بضائعَ ألمانيّةً تُسوَّقُ في فلسطين ثم يعادُ تغليفُها وتصدِّرها العصاباتُ الصهيونيّةُ إلى أوروبا تحت عنوان “صُنِع في فلسطين.” وبذلك ساعدت الحركةُ الصهيونيّةُ ألمانيا على تخطّي حملة المقاطعة ضدّها آنذاك. كثيرٌ من اليهود الأميركيّين والأوروبيّين المساندين الصهيونيّة آنذاك جُنّ جنونُهم نتيجةً لما فعلتْه الحركةُ الصهيونيّة بكَسْر المقاطعة ضدّ النازيّين. وبرّروا اعتراضَهم بالقول إنّ الكثيرَ من الشركات الأميركيّة تقول لنا: “لماذا تريدوننا أن نقاطعَ النازيّين وها هي الحركةُ الصهيونيّةُ في فلسطين توقّع اتفاقيّةً لكسر هذه المقاطعة؟!”

لو كنتُ آنذاك موجودًا لقاطعتُ النازيّة، ولدافعتُ عن اليهود من ضحايا الحركة النازيّة العنصريّة، حتى لو وقفتْ معها الصهيونيّةُ أو يهودٌ آخرون. دعيني أذكِّر: في كلّ تاريخ الحركات المناوئة للاستعمار، كانت هناك دائمًا حكوماتٌ وحركاتٌ محلّيّةٌ تتعاون مع الاستعمار والاستيطان: في فيتنام (حكومة فيتنام الجنوبيّة برئاسة نغوين فان ثيو أيّدت الاجتياحَ الأميركيَّ لفيتنام)، والجزائر، ومصر، وغيرها من الدول المستعمَرة في آسيا وأفريقيا. بل كان هناك متعاونون وعملاءُ يهودٌ (kapos) في معسكرات الاعتقال النازيّة، وقُتل كثيرٌ منهم من قِبل اليهود المناهضين للنازيّة. كما أقامت النازيّةُ “مجالسَ يهود” (Judenraten) في كلّ غيتو يهوديّ لتسيير أعمال اليهود تحت الاحتلال النازيّ. وهذه المجالس لا تختلف عن السلطة الفلسطينيّة الخائنة والفاسدة والمتعاونة مع عدوّ الشعب الفلسطينيّ. وأنا أقول “خائنة” بالمعنى القانونيّ، لا العاطفيّ أو “الإيديولوجيّ،” ولا أستخدمُ ما يسمّيه الليبراليّون “اللغة الخشبيّة القديمة”؛ فأيُّ حكومةٍ تتآمر مع المحتلّ على قمع شعبها تُعتبر”خائنةً” بحسب قوانين كلّ الدول.

* المصري: هناك سؤال من السيّدة عيسى: هل يكفي إلغاءُ امتيازات الاستيطان الاستعماريّ للقول إنّنا تحرّرنا؟ هل ذلك كفيلٌ بنسيان ماضي “إسرائيل” الاستعماريّ؟ وتقول السيّدة راما إنّ التحرير لا يكون إلّا بمغادرة كلّ صهيوني بلادَنا والعودة من حيث أتى. لكنْ هناك رؤية مختلفة؛ مثلًا رؤية حملة المقاطعة العالميّة المعروفة بـBDS؛ فهذه الحملة لا تطالب بعودة المستوطنين من خارج فلسطين، بل تطالب بالمساواة والعدالة وبحقّ كلّ لاجئ (فلسطينيّ أو سوريّ أو لبنانيّ) في العودة إلى أرضه. ما رأيك في الرؤيتيْن؟

– مسعد: ما بين20-40% من سكّان “إسرائيل” اليهود اليوم قد حازوا جوازاتِ سفرٍ أوروبيّةً منذ العام 1990. والكثيرُ من الساسة الإسرائيليّين أدلوْا بأقوالٍ مفادُها أنّهم سيتركون فلسطين إنْ هُزِمت الصهيونيّةُ هناك وانتهت امتيازاتُهم الاستعماريّة والعِرقيّة والدينيّة، إذا كانت لديهم جوازاتُ سفرٍ أوروبيّة تَضْمن امتيازاتِهم البيضاءَ في الدول الأوروبيّة.

في هذا الحال سيبقى اليهودُ العرب، الذين استجلبتهم “إسرائيلُ” بطرقٍ إجراميّةٍ إلى فلسطين بين أواخر الأربعينيّات والستينيّات من القرن الماضي. هؤلاء لم يأتوا من أوروبا، بل من الدول العربيّة، ومعظمُها قريبٌ من فلسطين، وعانوا التمييزَ العرقيَّ الاشكنازيّ، ولكنّهم يَضطهدون الفلسطينيّين أيضًا ويستوطنون أراضيَهم ويستفيدون من امتيازات الصهيونيّة. غير أنّهم، في الوقت نفسه، من ضحايا الصهيونيّة إلى حدٍّ معين، وإنْ تعاونوا معها فيما بعد.

هنا يجب التذكيرُ بأنّ منظّمة التحرير الفلسطينيّة سنة 1975، أيْ بعد أقلّ من عام على اعتراف الأمم المتحدة وجامعة الدول العربيّة بها، ناشدت الدولَ العربيّةَ إعادةَ اليهود العرب إليها والحفاظَ على حقوقهم وحريّتهم. وبالفعل طالبتْ عدّةُ دول عربيّة (مصر والمغرب والسودان وليبيا والعراق واليمن) اليهودَ العربَ بالعودة الى بلادهم، لكنْ لم يستجب أحدٌ لهذه الدعوة. غير أنّ الوضع سيختلف بعد التحرير وبعد إنهاء الاستعمار والاستيطان.

بالنسبة إلى سؤال “هل ننسى ما حصل؟” طبعًا لا يمكن أن ننسى ما حصل، لكنْ لا يمكن أن ننفيَ ما حصل أيضًا! لا يمكن أن يقومَ الشعبُ الفلسطيني أو أيُّ شعبٍ أو شخصٍ مظلوم بمحو الظلم الذي وقع عليه. وهذا ما حاول أن يقولَه غسّان كنفاني في روايته عائد الى حيفا، الذي أصرّ فيها على أنّ الوطن هو المستقبل، لا الماضي. وكان في الرواية حُكْمٌ قاسٍ على مَن يحنُّ إلى الوطن الذي مات؛ وليس مردُّ ذلك إلى عدم تضامن غسّان مع حزنِ الفلسطينيين وحنينِهم إلى أراضيهم المسروقة المغتصبة، بل لأنّه كان يعرف ويُقرّ بأنّه لا يمكن استرجاعُها كما كانت قبل أن يقعَ الظلم. ولذلك كان مشروعُه هو فلسطين المستقبل، أو التفكيرَ في إقامة فلسطين جديدةٍ محرَّرة، لن تكون كفلسطين التي احتُلّت واستُعْمرتْ. يجب أن نتعلّمَ من تجربة الاحتلال والاستعمار والاستيطان والاضطهاد كيف نقيم بلدًا جديدًا لا يَستخدم استراتيجيّاتِ القمع تلك.

* المصري: يسأل د. مازن الغول ماذا عن المقاومة العسكريّة؟

– مسعد: هنالك مقاومة عسكريّة فلسطينيّة ما زالت قائمةً، لا سيّما في غزّة والضفّة الغربيّة. أهدافُها تكتيكيّة أكثر ممّا هي استراتيجيّة، وذلك نتيجةً لإمكاناتها هناك. أمّا حزبُ الله في لبنان، فإمكاناتُه أكبرُ بكثيرٍ ممّا هو موجودٌ أو يمكن الحصولُ عليه في غزّة أو الضفّة الغربيّة، وبالتالي أصبح بإمكان “الحزب” الدفاعُ عن لبنان وحمايتُه من التجبّر الصهيونيّ إلى حدٍّ بعيد.

نحن نعتزّ بهذه المقاومة. وهذا الاعتزاز ليس محصورًا بنا كعرب، بل هو شعورُ كلّ شخصٍ يقاوم الظلمَ الاستعماريّ والاستيطانيّ. ولكنْ يَعرف حزبُ الله، وحركةُ حماس، والمقاومةُ اليساريّة الفلسطينيّة، أنّ المقدِّرات العسكريّة لديها أقلُّ بكثير من المقدّرات العسكريّة الهجوميّة الإسرائيليّة. غير أنّ القوّات الإسرائيليّة، في حالة الحرب، لن تتمكّنَ من تحقيقِ ما حقّقتْه في السابق، وذلك نتيجةً للتغيّر الإستراتيجيّ لمفهوم الحروب وللأسلحة الموجودة عند أعدائها.

المقاومة تستطيع أن تُضعفَ العدوّ، وقد فعلتْ ذلك في عدّة مرّات

أنا لستُ محلِّلًا عسكريًّا، لكنّ المقاومة في لبنان أثبتتْ جدارتَها إلى حدّ بعيد. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المقاومة في غزّة؛ فهذه المقاومة تستطيع أن تُضعفَ العدوّ، وقد فعلتْ ذلك في عدّة مرّات، لكنّني لا أعتقد أنّها هي نفسُها تعتقد أنّها قادرة على إلحاق الهزيمة به.

* المصري: اسمحْ لي هنا بأن أتحدّثَ باسمي الشخصيّ، لا باسم حملة المقاطعة ولا مجلّة الآداب. أعتقد أنّ حزبَ الله أثبت قدراتِه على مستوى المقاومة العسكريّة، لكنْ لا أعتقد أنه أثبتْ قدراتِه على مستوى المقاومة السياسيّة والاقتصاديّة في لبنان، ولا على مستوى المقاومة الإيديولوجيّة، ما دام متمسِّكًا بالنظام الطائفيّ، الذي لا يسمح لنا بأيّ سيادةٍ كاملةٍ نحتاجُ إليها (اقتصاديًّا وسياسيًّا) كي نؤكّدَ أنّ “إسرائيل” عدوّ للبنان ولكلّ شخصٍ في لبنان والأردن وفلسطين…، لا عدوٌّ لحزبٍ ما أو لمجموعةٍ معيّنةٍ من اللبنانيّين واللبنانيّات…

– مسعد (مقاطعًا): لا أعتقد أنّ “إسرائيل” عدوٌّ لكلّ شخصٍ في لبنان. هناك حلفاء لها في لبنان يعتبرونها صديقتَهم وحليفتَهم.

* المصري: للأسف. أنا معك دكتور، لكنّي أقصد أنّ “إسرائيل” عدوٌّ للأرض اللبنانيّة، والأرض السوريّة، والفلسطينيّة، والأردنيّة، إنْ كان لنا أن نقومَ بهذا التقسيم…

– مسعد (مقاطعًا): أنا لا أتحدّث عن دور حزب الله في السياسة اللبنانيّة، بل عن جدارته في الدفاع عن لبنان وسيادته، وعن جدارته في حماية كلّ لبنان من الجبروت الإسرائيليّ. وهذا ما نعتزّ به. ونضيف إلى ذلك جدارتَه في تعبئة الكثير من العرب لمقاومة “إسرائيل”؛ فنتيجةً لهذه الجدارة في التعبئة الإيديولوجيّة اضطرّت أنظمةُ الخليج منذ العام 2004 إلى أن تُنشئ عشراتِ القنوات التلفزيونيّة والصحف كي تحاربَ المدّ الإيديولوجيّ للمقاومة.

* المصري: فلنوضحْ، خصوصًا لجمهورنا، أنّ غالبيّة الناس في دول الخليج (البحرين، الإمارات،…) ترفض التطبيعَ الذي تقوم به الأنظمة.

– مسعد: ليس في ذلك أدنى شكّ. وكذلك الأمر بالنسبة إلى مصر والأردن وغيرهما.

* المصري: ألا تعتقد أنّ الأبارتايد في جنوب افريقيا كان غايةً، بينما الأبارتايد في “إسرائيل” هو وسيلةٌ أو محطّةٌ على طريق إنجاز مشروع أكبر يقوم على “التطهير الحضاريّ”؛ ونتيجةً لذلك فإنّ سقفَ الحلّ الذي تمّ في جنوب أفريقيا يختلف كثيرًا عن سقف الحلّ المفترض في الصراع مع “إسرائيل” بخلفيّته الإيديولوجيّة الصهيونيّة؟

– مسعد: مشروع التحرير الفلسطينيّ يجب أن يكون جزءًا من مشروع تحريري أكبر، يشمل المنطقةَ بل دولَ “العالم الثالث” أيضًا، لا سيّما في عصر النيوليبراليّة وإفقارِ العالم، وهو العصر الذي نعيشُه الآن. لا أعتقد أنّه يمكن تحريرُ الشعب الفلسطينيّ وحده، ولا أنّ إقامةَ “دولة” في حدّ ذاتها ستحرِّره في هذه الظروف. لذلك فإنّ مفهوم “التضامن” مهمّ جدًّا.

المشروع الإسرائيليّ كان مبنيًّا أصلًا، أيضًا، على إفراغ الدول العربيّة من مواطنيها اليهود. فهذا كان تعدّيًا على المغرب، وعلى العراق، واليمن، ومصر، وسوريا، وغيرها. عندما تقوم بمؤامراتٍ لإخراج المواطنين العرب اليهود من بلادهم، فهذا استعداءٌ لهم ولبلادهم الأصليّة. وكما قلتُ في بداية اللقاء، لا تختلف “إسرائيل” والصهيونيّةُ عن الفكر القومويّ اليونانيّ الذي اعتبر أنّ المسيحييّن وحدهم يونانيّون في حين أنّ المسلمين أتراك. فـ”إسرائيل” تعتبر أنّ اليهودَ العرب ليسوا بعربٍ بل هم يهودٌ فقط، وأقامت تناقضًا بين هويّتهم اليهوديّة وهويّتهم العربيّة وكأنّنا لسنا إزاء هويّةٍ متكاملة؛ علمًا أنّها لم تُقِم هذا التناقضَ داخل هويّة اليهود الألمان!

ومن أجل خدمة مفهوم التوسّع هذا، استنبطتْ “إسرائيل” بعضَ الأفكار، وبينها مفهومُ “التبادل الديمغرافيّ،” من اليونان. فعندما فشل القوميّون اليونانيّون في ضمّ جنوب تركيا والأناضول إلى اليونان بعد الحرب العالميّة الأولى والغزو اليونانيّ لتركيا، قرّروا أن يوقِّعوا معاهدةَ لوزان، التي بموجبها طُرد مئاتُ الآلاف من المسيحيّين الأتراك إلى اليونان، والمسلمين اليونانيّين إلى تركيا. هذا أصبح نموذجًا للمفكّرين الصهاينة منذ الثلاثينيّات، ولسانُ حالهم: لماذا لا نتبع النموذجَ اليونانيّ-التركيّ في “التبادل الديمغرافيّ،” بمعنى طرد الشعوب من بلادها، واستجلاب شعوبٍ أخرى تُطرَدُ هي الأخرى من بلادها، من أجل هذا المشروع “التطهيريّ” و”الحضاريّ”؟

لقد بدأتُ بالقول إنّ مشروع إقامة الدولة اليهوديّة، وحتى الدولة اليونانيّة، كان جزءًا كبيرًا من مشروع تقويض الدولة العثمانيّة والقضاء على أيّ قوّةٍ سياسيّةٍ اعتُبرتْ إسلاميّةً ومسلمةً، ولم يكن ليُسمحَ لها بالاستمرار. وذلك كان قائمًا حين قَوّضتْ بريطانيا حكمَ الممالك المغوليّة في الهند، وقضت هولندا على الحكم الإسلاميّ في أندونيسيا. إذًا كان هناك مشروع، وإنْ كان عَلمانيًّا أوروبيًّا، فإنّه كان مأخوذًا عن البروتستانتيّة، بل عن الكاثوليكيّة الجديدة، من القرنيْن الثامن عشر والتاسع عشر من أوروبا.

في النهاية، المشروع أكبر من فلسطين، وإنْ بات محدودًا إقليميًّا في العقديْن الأخيريْن، ويساعد في القضاء على أعداء الولايات المتحدة والغرب، كإيران، وفي فصل شمال السودان عن جنوبه، وفي تركيا. “إسرائيل” تقوم بدور مهمّ في هذا المجال، لكنّ الدور الأوّل والرئيس هو للولايات المتحدة.

* المصري: سؤال آخر: ما الحلول المقترحة لمواجهة الحركات المتعاملة مع “إسرائيل” داخل العالم العربيّ، مثل حركة بعض الأكراد في العراق، وبعض الأمازيغ في المغرب العربيّ؟

– مسعد: المفهوم القائل إنّ بعضَ الأقلّيّات هي مَن يتحالف مع “إسرائيل” مفهومٌ مغالط. ذلك أنّ معظمَ الأنظمة العربيّة، التي “تُمثّل” الأغلبيّةَ العربيّةَ المسلمةَ السنّيّة، هي التي تتعامل مع “إسرائيل” وتعاملتْ معها تاريخيًّا. هذا لا يعني أنّ بعضَ الأقلّيّات لم تتعاونْ أيضًا مع “إسرائيل” بل تعاونتْ معها فعلًا، ولكنّ لوْم الأقلّيّات الإثنيّة أو الدينيّة وكأنّها هي التي تقدّمتْ للتعاون مع “إسرائيل” يغالط تاريخَنا؛ فمعظمُ القيادات العربيّة (والفلسطينيّة) هي مَن تعاون ويتعاون معها.

* المصري: أنتَ اليوم تعيش في الولايات المتحدة حيث تَصْدر، في السنوات الأخيرة، قوانينُ تحارب حركةَ المقاطعة وتعتبرها “معاديةً للسامية.” ما هي التحدّيات التي تواجهها حركةُ المقاطعة في الغرب، من الولايات المتحدة إلى أوروبا، بعد تجريمها من خلال قوانينَ تعتبرها “معاديةً للساميّة”؟

– مسعد: أعتقد أنّ أهمّ تحدٍّ أمام حركة المقاطعة هو اكتشافُ بعض ناشطيها أنّ ما يُعتبر “حرّيّةَ تعبير” و”حريّةَ نقد سياسيّ” غيرُ موجود في الغرب، وأنّ هناك خطوطًا حمراءَ ومحاذيرَ على مواضيعَ مهمّةٍ لا تُمْكن مناقشتُها، أكان ذلك في فرنسا (التي تزداد ديكتاتوريّتُها يومًا بعد يوم)، أمْ في أميركا، أمْ في ألمانيا (قبل يوميْن قرأتُ مقالًا عن كيفيّة تعامل الحكومة الألمانيّة مع الشعب الفلسطينيّ، لم يُفْصح كاتبُها الأكاديميُّ عن اسمه خوفًا من ردّة فعل السلطات الألمانيّة على بحثه!).

هناك شقٌّ إيجابيّ، وآخرُ سلبيّ، لانتشار حركة المقاطعة في الغرب. فهناك الكثيرُ من الليبراليّين الذين يدخلون في حركة المقاطعة، ويؤمنون أنّ بلادَهم بلادٌ ليبراليّة وتحترم حقَّ التعبير وحقَّ النقد السياسيّ. وهؤلاء يختلفون عن الراديكاليّين السابقين الذين كانوا يَعْرفون محدوديّةَ الحقوق الليبراليّة في الولايات المتحدة وأوروبا الغربيّة لأنّهم عايشوا حركاتِ المساواة العِرقيّة والحركاتِ الشيوعيّة التي قُمعتْ بكلّ أدوات القمع. اكتشافُ الليبراليّين اليوم تلك المحدوديّةَ هزّ إيمانَهم بالنظام الليبراليّ، أو هزّ ثقتَهم بوجوده أصلًا، في بلادهم. وأصبح التحدّي الماثلُ أمامهم هو في محاربة هذه المحدوديّة، وفي إقامة هذه الحرّيّات الليبراليّة فعلًا، وإنْ لم يسائلوا الطبيعةَ الطبقيّةَ لهذه الحرّيّات، بل اكتفوا بمسائلة طبيعتها السياسيّة وحدها.

إنّ مشكلة الليبراليّين البيض من الطبقة الوسطى الذين انضمّوا إلى حركة المقاطعة في الولايات المتحدة وأوروبا أنّه لم يكن يَصْعب عليهم، في السابق، التعبيرُ عن أنفسهم في الصحف والأقنية التلفزيونيّة، ثمّ اكتشفوا فجأةً أنّ امتيازاتِهم الطبقيّةَ والعرقيّةَ يَحُدُّ منها موضوعُ “إسرائيل،” فبدأوا عندها بمساءلة نظام الحقوق والحريّات الليبراليّة وما بعد الليبراليّة. وهذا تقدّمٌ حسنٌ، أدخله الصراعُ ضدّ الاستيطان الإسرائيليّ والاستعمار الإسرائيليّ على حركات التضامن.

* المصري: شكرًا جزيلًا لك د. جوزيف. هل من كلمةٍ أخيرةٍ في موضوع ندوتنا؟

– مسعد: أشكرُكم على استضافتي، وأشكرُ جمهورَ المشاهدين والمستمعين. أعيد وأكرِّر أنّ “إسرائيل” عدوّ إيديولوجيّ ومادّيّ واقتصاديّ وسياسيّ، ولكنّها ليست عدوَّ المتعاونين معها. لستُ هنا لأقْنعَ المتعاونين معها والمستفيدين منها بأنّها عدوُّهم؛ ذلك لأنّها صديقتُهم بالفعل. هي عدوُّ الشعوب العربيّة في منطقتنا، وعدوُّ أيّ شخصٍ يقف ضدّ الظلم، أكان هذا الظلمُ اقتصاديًّا أمْ سياسيًّا.

ما حاولتُ أن أقومَ به اليومَ في مداخلاتي هو إعطاءُ نبذةٍ تاريخيّةٍ أوسع للحركة الصهيونيّة، من أجل وضعِها في سياقها الأوروبيّ والمشاريع الأوروبيّة المتتالية منذ القرن السادس عشر. كما حاولتُ توسيعَ الرقعة الجغرافيّة لفهم الإفقار العالميّ الذي تسبِّبه النيوليبراليّةُ والاستيطانُ الاستعماريّ حول العالم من قِبل بِيض أوروبا، بمن فيهم اليهودُ الأوروبيّون طبعًا. فوضعُنا ليس استثناءً، بل هو جزءٌ لا يتجزّأ من الظلم الذي وقع وما يزال يقع على شعوب العالم من طرف الأنظمة الاستعماريّة والاستيطانيّة ومَن يساندُها في أوروبا والولايات المتحدة.

جوزيف مسعد

بيروت – نيويورك

المصدر

https://al-adab.com/article/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D8%B9%D8%AF%D9%88-%D8%A5%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%9F

 

You may also like...

1 Response

  1. يناير 7, 2021

    […] لماذا « إسرائيل » عدو إيديولوجي؟ جوزيف مسعد. […]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *