إفريقيا في ظل الهيمنة الإمبريالية وتراجع التضامن العربي الإفريقي الطاهر المعز

 

قمّة مجموعة دول “الساحل”

الجزء 1 من 3

“إن هدف هذه البرامج العسكرية والمدنية، هو تركيز مناخ قار، يكون سندا لسياستنا الخارجية وتوجهاتها وبرامجها التي تعمل بدورها على تركيز مناخ سلمي يساعد على تطور الأعمال والمبادلات والتعاون, فالعلاقة بين الأمن والتطور لا تحتاج إلى برهان…” عن الموقع الإلكتروني لبرنامج “أفريكوم” الأمريكي

المناسبة: مؤتمر الذّكرى العشرين للإتحاد الإفريقي –  06 و 07 شباط/فبراير 2021 ، وقمّة مجموعة دول “الساحل” (مالي وبوركينا فاسو والنيجر وموريتانيا وتشاد)، بإشراف فرنسي مُباشر، وبتمويل سعودي/إماراتي، يومَيْ 15 و 16 شباط/فبراير 2021، في “نجامينا”، عاصمة تشاد.

شكّل مؤتمر “أكرا”، عاصمة غانا، في نيسان/ابريل 1958، أول مُحاولة لتأسيس إطار يجمع الدول الإفريقية، قبل استقلال حوالي 15 دولة، في عقد ستينيات القرن العشرين، ولم يُعْلَن عن التأسيس الرسمي لمنظمة الوحدة الإفريقية سوى بعد خمس سنوات، عند اجتماع إثنتَيْن وثلاثين دولة إفريقية، في أديس أبابا، عاصمة الحبشة وتوقيع مُمَثِّلِي ثلاثين دولة على ميثاقها (25 أيار/مايو 1963)، بعد مشاورات دامت سنين بين القادة المؤسسين، وأهمهم “مودبو كيتا”، رئيس جمهورية مالي، و”هيلاسلاسي”، ملك الحبشة، ورئيس السينغال “ليوبولد سيدار سنغور” وأحمدو أهيجو” رئيس الكاميرون، وأحمد سيكو توري” (غينيا)، والرئيس جوليوس نيريري (تنزانيا) والرئيس “كوامي نكروما”، رئيس غانا، و”جمال عبد الناصر” (مصر)،  بالإضافة إلى “باتريس لومومبا”، رئيس حكومة الكونغو الذي وقع اغتياله في السابع عشر من كانون الثاني/يناير 1961، وتضمّن ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية بنودًا طموحة، لم تتحقق، مثل تحرير القارة من الاستعمار الأوروبي ودَفْعِ عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتوطيد دعائم التعاون الأفريقي، وبعد 17 سنة ( سنة 1980) أصبحت كل الدول الإفريقية المُستقلة (53 دولة) أعضاء في منظمة الوحدة الإفريقية التي بدأ التّفكير في تطوير أدائها ودَوْرِها، فانعقد المؤتمر التحضيري لما أصبح يُسمّى “الإتحاد الإفريقي”، في التاسع من أيلول/سبتمبر 1999، بمدينة “سرت” (ليبيا)، وتحوّلت منظمة الوحدة الإفريقية رسميًّا إلى “الإتحاد الإفريقي”، في مؤتمر “لوساكا”، عاصمة زامبيا (تموز/يوليو 2001)، بمبادرة من “معمر القذافي” (1942 – 2011)، رئيس ليبيا الذي وقع اغتياله في العشرين من تشرين الأول/اكتوبر 2011، ويهدف الإتحاد الإفريقي “تسريع عملية التكامل الإقتصادي ودعم وتمكين الدول الأفريقية ومعالجة المشاكل الإجتماعية والإقتصادية والسياسية التي تواجه القارة…”، بحسب ما ورد في الميثاق الذي وقع إعلانه سنة 2002، في مؤتمر “دوربان”، بجنوب إفريقيا، الذي يُعتبر تاريخ الميلاد الرسمي للإتحاد الإفريقي.

لم تُمثّل قمّة الإتحاد الإفريقي للأسبوع الأول من شباط/فبراير 2021، ولا القِمَم التي سبقَتْها، ولا قِمم الجامعة العربية، حدثًا بحدّ ذاته، خصوصًا منذ تمكّنت الإمبريالية الأوروبية والأمريكية من إجهاض مشروع العُملة المُوحّدة والمصرف الإفريقي، وغيرها من المشاريع التي كان يدعو لها الرئيس الليبي المُغتال “معمر القذافي”، ولكن يُشكّل انعقاد القمة مناسبة لاستعراض وضع القارة الإفريقية، في ظل تزايد التّدخّلات العسكرية الإمبريالية (إضافة لأساليب الهيمنة الإقتصادية)، خصوصًا في مناطق “القرن الإفريقي”، والمنطقة المُحيطة بالصّحراء الكُبرى، والمُسمّاة “السّاحل الإفريقي”، المُتاخمة لشمال إفريقيا، أي المغرب العربي، ما يجعل الجزائر (وتونس بدرجة أو أخرى) مُعَرّضَة مُباشرةً للتّهديد العسكري والإرهابي، بعد تخريب وتفتيت ليبيا، وبعد ثماني سنوات من العدوان الفرنسي المُباشر (بدعم أوروبي وأطلسي وأمريكي وتمويل خليجي ) على مالي، في المنطقة المُتاخمة لحدود الجزائر. أما مصر فهي محاطة بالأخطار، من الكيان الصهيوني الذي يحتل فلسطين، ويستفيد من الإرهاب في سيناء، ومن ليبيا التي حولها حلف شمال الأطلسي إلى ثكنة مفتوحة، تتزوّد منها المنظمات الإرهابية، فيما يتحرّش نظام الحَبَشَة (مهما كان إسم ولون ودين الحاكم)، حيث مقر الوحدة الإفريقية، بجيرانه من العرب، عبر سُدّ “النّهضة” الذي يُخَفّض حصة السودان ومصر من مياه النّيل، وبجيرانه من غير العرب، مثل إريتريا التي كانت تحت الإحتلال الإيطالي ثم الأثيوبي…

تستعرض الفقرات الموالية الوضع الإفريقي، وتداخل المصالح والمصير والأهداف، وخصوصًا على خطوط التّماسّ بين الدّول العربية (الإفريقية) وجيرانها من غرب إفريقيا إلى شرقها، وفي المنطقة المحيطة بالصحراء الكبرى، بين المغرب العربي ووسط إفريقيا.

 

الإطار العام

تحالف ثالوث الإمبريالية والرجعية العربية والصهيونية ضد شعوب إفريقيا:

انطلقت القمّة يوم السبت السادس من شباط/فبراير 2021، بشكل رتيب، لا يتناسب مع حِدّة المشاكل الإقتصادية والصّحّية التي تفاقمت بانتشار وباء الفيروس التّاجي “كوفيد 19″، وصعوبة حصول البلدان الإفريقية (والفقيرة عمومًا) على اللقاحات، ولا مع الحُضُور العسكري المُكثّف للقوى الإمبريالية في معظم مناطق إفريقيا، وغيرها من القضايا التي تتطلّب نقاشًا جِدّيًّا بين الدّول الإفريقية، وخططًا عَمَلِيّة للتعاون من أجل حلّ مثل هذه المُشكلات.

بعد قمة الإتحاد الإفريقي بأقل من عشرة أيام، ناقَضَ الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” نفسَهُ، وأعلن تراجعه عن تصريح سابق، بشأن بدء الانسحاب العسكري من المنطقة المُحيطة بالصّحراء الكبرى، حيث يَحْتَل الجيش الفرنسي شمال “مالِي”، ضمن ما سُمّيت عملية “برْخان” التي بدأت سنة 2012 (خلال فترة حُكم الحزب “الإشتراكي”) والتي تضم رسميا 5100 جندي فرنسي، إضافة إلى قوى أخرى لم يُعْلَنْ عن وجودها ولا عن مهماتها، وفي الواقع لا يُقاس التواجد العسكري بعدد الجنود، نظرًا لتطور القصف عن بُعْد، من الجو ومن البحر، وبواسطة الطائرات الآلية، وتدعم دول أوروبا والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي عملية “برخان”، وقال ماكرون: “إن فرنسا باقية في الساحل الأفريقي، لأن المجموعات المرتبطة بتنظيم القاعدة وداعش، في المُثَلّث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، لا تزال تشكِّل تهديداً لهذه المنطقة”، وأعلن أمام المُشاركين بقمّة مجموعة دول الساحل الخمس (مالي وبوركينا فاسو والنيجر وموريتانيا وتشاد)، المنعقدة (بإشراف فرنسي مُباشر) يومَيْ 15 و 16 شباط/فبراير 2021، في نجامينا، بعد القمة الإفريقية: “من الخطأ سحب الجنود بأعداد كبيرة”، ويُشكّل هذا التّصريح تراجُعًا عن المُخطّط الذي أعلن عنه قبل بضعة أسابيع، لبدء سحب حوالي ستمائة جندي، والواقع أن الإمبريالية الفرنسية بصدد تنفيذ مخطط استبدال آلاف الجنود الفرنسيين بجنود دول مجموعة الخمسة، الخاضعة والواقعة تحت الهيمنة، بإشراف عسكري فرنسي، وبتمويل سعودي وإماراتي، لتخوض الحرب بالوكالة، أو بواسطة “مُقاوِلِين مَحَلِّيِّين”، مُتعاقدين من الباطن كما الحال مع الشركات العابرة للقارات …  

تحتل القوات العسكرية الفرنسية وحلف شمال الأطلسي والأمم المتحدة شمال مالي على الحدود مع الجزائر، وتتعاون هذه الجيوش مع العديد من الشركات العسكرية التابعة لدولة الإحتلال الصهيوني، مثل “إلبيت” و “مير” و “إسرائيل آيروسبيس” وغيرها، كما تقدم الشركات الصّهيونية معدات “لتعزيز أمن القواعد العسكرية” في المنطقة التي يسكنها الطوارق الذين لا يعترفون بالحدود التي فرضها الاستعمار الفرنسي، واستطاعت الحركة الصهيونية استمالة بعض العُملاء من أصيلي هذه المنطقة، كما استطاعت اختراق منظمات البَرْبَر في الجزائر والمغرب (ودفعت لتأسيس بعضها)، وتتفاوض هذه الشركات الصهيونية مع الأمم المتحدة من أجل “تأمين” أربعين قاعدة لحفظ السلام (تابعة للأمم المتحدة) حول العالم ، يقع بعضها في المشرق العربي.

منحت الإمبرياليةُ الفرنسيةُ الدولةَ الصهيونيةَ عديد التّسهيلات، وتشترك معها في عملية السيطرة على بلدان غرب ووسط إفريقيا، الناطقة بالفرنسية (أي المستعمرات الفرنسية السابقة)، في إطار معارضة النُّفُوذ الإقتصادي للصّين، وسبق أن عَيّنت الدّولة الفرنسية، منذ العام 2010، مشاهير الصهاينة، سيئي السمعة، في مناصب استراتيجية، لها علاقة مباشرة بتصميم وتنفيذ السياسات الخارجية الفرنسية، ومن بينهم رئيس وكالة التنمية الفرنسية، وتتضمّن مهامُّهُ اختيار وفَحْص طلبات الدّول الفقيرة الحصول على قروض أو “مساعدات” من الدولة الفرنسية، كما ساعدت الإمبرياليةُ الفرنسيةُ الشركات الصهيونيةَ (الحكومية والخاصّة) التي استولت على مساحات كبيرة من الأراضٍي الخصبة في إفريقيا، تُقدّر مساحتها بعشرين ضِعْف مساحة فلسطين المُحتلّة، من مدغشقر إلى مالي، وتستخدم الشركات الصهيونية المبيدات السّامّة والبذور المُعدّلة وراثيا، بشكل مُكثّف، ما يُلحق أضرارًا جَسِيمَةً بحياة الشعوب وبالبيئة، حيثُ تهيمن الشركات الصهيونية على زراعة قصب السكر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وزراعة الغاتروفا الضرورية لإنتاج الوقود الحيوي، في الغابون، وتُسيطر على حوالي 7% من إجمالي مساحة “سيراليون”، بالإضافة إلى مزارع أخرى لإنتاج الزُّهور (وبيعها في أوروبا) في شرق إفريقيا…

نجحت فرنسا في تشكيل مجموعة الخمسة (G5) ، التي تمول السعودية والإمارات عملياتها العسكرية في منطقة الصّحراء الكُبرى، لمساعدة فرنسا عسكريًا على احتلال دول أفريقية أخرى واستبعاد الجزائر من المناقشات حول مكافحة الإرهاب ومستقبل المنطقة المحيطة بالصحراء (الساحل)، وبعد نحو عشر سنوات من تأسيسها، أصبح دور مجموعة الخمسة، كقوة رَدِيفَة لفرنسا، واضحًا للجميع، وأصبحت الدّولة الفرنسية لا تخفي رغبتها في خفض عدد جنودها في منطقة الساحل (بسبب تململ الرأي العام الفرنسي من ارتفاع عدد الجنود القتْلى)، مع تعزيز مكاسِبِها الإقتصادية والسياسية (الإستراتيجية) باستخدام جنود موريتانيا وتشاد والنيجر ومالي وبوركينا فاسو، وللإشارة فإن حكومة “إدريس دبي” في تشاد أرسلت 1200 جندي  إلى منطقة “المثلّث الحدودي”، تحت إشراف ضباط فرنسيين وأوروبيين، فيما يُشارك جيش موريتانيا في معظم المُهمّات القَذِرَة، خدمة للإمبريالية الفرنسية…

 

هيمنة إمبريالية زهيدة الثّمن:

بعد مرور سبع سنوات على احتلال الجيش الفرنسي شمال “مالي”، ارتفع حجم العمليات الإرهابية في منطقة “الساحل”، سنة 2019، إلى أكثر من عملية واحدة كل يوم، في المتوسّط، ليتجاوز عدد الضحايا من القتلى أربعة آلاف، معظمهم من السّكّان المَحَلِّيِّين، وأدّت العمليات العسكرية التي تنفذها المجموعات الإرهابية، أو الجيش الفرنسي وحلفاؤه، إلى تشريد ملايين السكان، وحرمان ما لا يقل عن ثمانية ملايين طفل من التعليم، بعد استهداف مدارسهم، بالإضافة إلى دُور العبادة، ومساكن المواطنين، ومحلات الرعاية الصحية، ورافق العمليات الإرهابية ارتفاعٌ في عدد العمليات العسكرية الفرنسية (مع حُلفائها) وكذلك ارتفاع في عدد الضحايا من السّكّان المدنِيِّين، وارتفاع في عدد القمم واللقاءات الدولية، يدّعي مُنظِّموها والمُشرفون عليها (فرنسا وحلفاؤها) “البحث في سُبُل محاربة الإرهاب وتثبيت الأمن” في منطقة “الساحل” الواسعة، التي يعْسر تحديد حُدُودها، وتعسر مراقبتها، لأن قادة المنظمات الإرهابية يعرفون طبيعة المكان وتمكّنوا من استمالة سكّان المنطقة الذين يتفق الجميع أنهم فُقراء، رغم ثراء باطن الأرض، وأدّى الفقر واستهتار السلطات الحاكمة، إلى انتشار الفساد واستفحال الأزمات الإجتماعية، إثر فشل برامج التنمية التي لم ترَ شُعوب المنطقة نتائجها، وارتفاع حجم الدّيُون الخارجية التي لم تستفِدْ منها هذه الشّعُوب…

تعلّلت الإمبريالية الأمريكية، وكذلك الأوروبية، منذ بداية القرن الواحد والعشرين بتَحَوُّل منطقة “السّاحل” (المنطقة المُحيطة بالصّحراء الكبرى) إلى “معبر دولي لكل الأخطار التي يواجهها العالم، من غسيل الأموال وتهريب الأسلحة وتجارة المخدرات، إلى تهريب المهاجرين غير النّظامِيِّين…”، فيما يشتكي المواطنون من انهيار الإقتصاد وارتفاع البطالة (بطالة الشباب بشكل خاص) واتساع رقعة الفقر، مع انتشار المنظمات الإرهابية، منذ العقد الأخير من القرن العشرين (بعد انهيار الإتحاد السوفييتي) بالجزائر، واستفحال الإرهاب بعد تدمير ليبيا ونَهْبِ سلاح ثكناتها، بإشراف قوات حلف شمال الأطلسي، لكن المُخطط الأمريكي كان جاهزًا منذ 2005، وانكشَفَ بعد إعلان إنشاء القيادة العسكرية الأمريكية المُوحّدة لقارة إفريقيا “أفريكوم” (نخصص لها حيزًا مهما في موضع آخر من هذا النّص)، سنة 2006، والسنوات اللاحقة… أما الإمبريالية الفرنسية فإنها احتلت دول شمال إفريقيا (من تونس إلى موريتانيا)، والدّول الواقعة جنوب الصّحراء، خلال مرحلة الإستعمار المُباشر، وبقيت مُهيمنة بعد الإستقلال الشّكلي لمجمل هذه البلدان، على جانبَيْ الصحراء الكُبْرى.

أشرفت حكومة فرنسا، بمشاركة رئيس الحكومة الإسبانية “بيدرو سانشيز” ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، والمستشارة الألمانية ورئيس المجلس الأوروبي ورئيس الوزراء الإيطالي (بعضهم عن بُعد عبر “الفيديو كونفرانس” )، بعاصمة موريتانيا “نواق الشط”، يوم الثلاثين من حزيران/يونيو 2020، على قمة جمعتها بحكومات دول “الساحل” الإفريقي التي تدعم العدوان الفرنسي على المنطقة (مالي وموريتانيا والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو)، وتضَمّن جدول أعمال القمة عددًا هامًّا من المواضيع، منها “محاربة الجماعات المسلحة وتمويل القوة المشتركة وبرنامج تنمية منطقة الساحل…”، وأعرب قادة الدّول الإفريقية الخمس عن التّحدّيات التي تواجه جيوشهم، والصعوبات الإقتصادية التي تعاني منها بلدانهم، وطالبوا بإلغاء كلي ونهائي لديون دول المجموعة، لمساعدتها على التصدي لتأثيرات ومضاعفات جائحة كورونا، والتفرغ لمحاربة “الإرهاب” ودعم جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية ( أ.ف.ب.01 تموز/يوليو 2020)، ودعا الرئيس الموريتاني (الذي استضاف النّدوة، بتمويل سعودي وإماراتي) إلى عقد قمة دولية حول الديون لحسم الكثير من الإشكاليات التي تحيط بهذا الملف، لكن الرئيس الفرنسي أعلن رفضه إلغاء الدّيون، مع رفض تحديد سقف زمني لإنهاء التدخل العسكري المُباشر لجيش دولته في منطقة الساحل.

عززت الإمبريالية الفرنسية هيمنتها على مستعمراتها القديمة بإفريقيا، بعد العدوان على ليبيا وتفتيتها، متذرعة بانتشار الإرهاب الذي أصبح يهدد مصالح شركاتها، بالإضافة إلى المنافسة الحادة مع الشركات العابرة للقارات من الدول الأخرى، وفي مقدمتها الصين، ولم تكن فرنسا الدولة الإستعمارية الوحيدة التي عَزّزت حضورها العسكري في المنطقة، بل تَنامَى نشاط الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، وأطلقت كل قُوة استعمارية برامج لحماية مصالحها في المنطقة، دون أي تنسيق أو استشارة مع دول الجوار (دول المغرب العربي) ولا مع الإتحاد الإفريقي أو المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا.

 

عينات من “الأضرار الجانبية” للإرهاب وللإحتلال الأجنبي:

نشرت حكومة “تشاد” الآلاف من رجال الأمن المُسلّحين، بمناسبة قمّة مجموعة دول الساحل الخمس التي جمعت رؤساء حكومات قمعية (مالي وبوركينا فاسو والنيجر وموريتانيا وتشاد)، والمنعقدة، بإشراف فرنسي مُباشر، وبتمويل سعودي/إماراتي، يومَيْ 15 و 16 شباط/فبراير 2021، في “نجامينا”، عاصمة تشاد، بهدف إضفاء الشرعية على عملية “برْخَان” العسكرية الفرنسية، التي بدأت تُثِيرُ بعض الإنتقادات في فرنسا، بعد ارتفاع عدد القَتْلى في صُفُوف الجيش الفرنسي، دون الإهتمام ب”الأضرار الجانبية”، والمتمثلة بارتفاع عدد الضحايا من المواطنين الإفريقيين، وتزامن موعد انعقاد قمة مؤتمر مجموعة الخمسة، مع قَمْع الإحتجاجات التي انطلقت في عاصمة تشاد ضد تنصيب “إدريس دبي” رئيسًا، للمرة السادسة، بدعم من الإمبريالية الفرنسية التي شجعت الفساد، وتسببت بعَسْكَرَة الحياة السياسية، وزعزعة الاستقرار في كافة بُلدان المنطقة، شمال وجنوب الصّحراء الكُبرى، ما حَوّل ثماني سنوات من الحرب الفرنسية على الإرهاب إلى كارثة على سكان منطقة “الساحل الإفريقي”، في ظل أنظمة تدعم العدوان الفرنسي، مقابل حُصول مُمثّلي هذه الأنظمة على حصتها من نهب الشركات والقوى الإمبريالية للثروات، واستفادت المنظمات الإرهابية من غضب السّكّان ومن شُعُورهم بالظّلم، بسبب الإنتهاكات العديدة للجيش الفرنسي وحلفائه من الجُيُوش المحلّيّة، ومن بين هذه الإنتهاكات (على سبيل الذكر ) قصف الطيران العسكري الفرنسي مواطنين اجتمعوا بمناسبة حفل زفاف ب”بونتي” (مالي)، ما زاد من العداء لجيش الإحتلال الفرنسي، في ظل تكذيب الإعلام الفرنسي والحكومة الفرنسية لشهادات المواطنين بشأن قصف المدنيين، في بيوتهم وساحاتهم وأماكن عبادتهم، وهو ما وثّقَتْهُ بعض تقارير الأمم المتحدة التي ربطت بين تدهور الوضع الأمني والإقتصادي والإجتماعي للسّكّان، وارتفاع عدد الشبان الذين التحقوا بالمجموعات الإرهابية، إثر تكثيف عمليات القصف الجوي الفرنسي (بدعم لوجيستي أمريكي)، وبالطائرات المُسَيّرة، والتحق هؤلاء الشبّان بتلك المنظمات الإرهابية لأسباب لا علاقة لها بالدّين أو العقائد والإيديولوجيا، بل بفعل الفقر والإحتياج، وكرد فعل على انتهاكات القوات الحكومية والجيوش الأجنبية التي تدّعي محاربة المجموعات الإرهابية، والأدهى من ذلك أن وزير الخارجية الفرنسية “جان إيف لودريان” يُصِرُّ على إنكار حصول “تجاوزات” أو قصف للمدنيين، خلال مناظرة في مجلس الشيوخ بتاريخ التّاسع من شباط/فبراير 2021، بل ادّعى حصول تطورات إيجابية كبيرة، بفضل القصف الجوي المُستمر، رغم بعض “الأضرار الجانبية” (عن وكالة الصحافة الفرنسية أ.ف.ب 09 شباط/فبراير 2021)، وطلب من دول الإتحاد الأوروبي مزيدًا من التّورّط في العدوان (بالعتاد والجنود)، فيما يلاحظ المواطنون الإفريقيون خُضُوعًا مُتزايدًا للجيوش الأفريقية، لإشراف القوات الأجنبية، وتهميشًا للمقترحات الجزائرية التي ترمي إلى “التنسيق بين دول المنطقة”، بعيدًا عن الوصاية الأجنبية التي تُثَبِّتُ حُكْم الأنظمة التابعة للإمبريالية، التي ينعتها البعض بالإستبدادية أو الفاسدة أو العميلة، وهي الأنظمة التي تعتمد عليها الإمبريالية (في مقدّمتها الإمبريالية الفرنسية)، بذريعة “مكافحة الإرهاب”، واستغلّت المجموعات الإرهابية مُعاناة السّكّان وغضبهم ومشاعر الاستياء، ليصبح العدوان الفرنسي جزءًا من المشكلة وليس جزءًا من الحل، وعلى سبيل المثال، تعتمد الإمبريالية، منذ سنة 1986، على قيادات من فصيلة “إدريس دبي” (تشاد) الذي رَقَّى نفسه لرتبة “ماريشال”، ونَشَر قوات الأمن في الفضاء العام، بمناسبة انعقاد قمة الدّول الخمس، كما ذكرنا سابقًا، بإشراف فرنسا، واعتقلت الشرطة عددًا من المُحتجّين الذين أدانهم القضاء المستعجل (غير المُستقل وغير النّزيه) وحَكَمَ ، يوم 12 شباط/فبراير 2021، على 12 متظاهرا بالسجن 3 أشهر مع وقف التنفيذ، ويحظى نظام تشاد بدعم فرنسي قوي، يتجلّى في إنقاذ “إدريس دبي” مرات عديدة، ضد خصومه، وفي تكثيف التعاون الإستخباراتي والعسكري والتدريب، والتسليح، ويعتبر الجيش التشادي حليفًا أساسيا للجيش الفرنسي في “الحرب ضد الإرهاب” في منطقة الساحل، ما يؤدّي إلى تجاهل الإعلام الفرنسي والأمريكي، وكذلك منظمات حقوق الإنسان، عمليات القمع والتعذيب، إلى جانب فَقْر وبُؤس السّكّان…

من جهة أخرى ساهم التّدخّل العسكري الإمبريالي، والقصف العشوائي وقمع الأنظمة الحاكمة للمواطنين، في تغيير العلاقة بين مختلف المجموعات الإرهابية، لتتحول من التنافس إلى التنسيق والتكامل بينها، وتيسير التّنقّل وتنفيذ عمليات عابرة للحدود بين مالي وبوركينا فاسّو والنّيجر، على سبيل المثال، كما تمكّنت المجموعات الإرهابية من الإندماج داخل مختلف المجموعات السّكّانية الحدودية، وتقديم بعض الخدمات والمُساعدات، مُستغِلّةً تَخَلِّي الدّولة وإهمالها، مقابل تجنيد بعض فئات الشباب العاطل والغاضب، ومقابل تقديم السكان معلومات عن تحركات الجيش وقوى الأمن.

 

تدمير وتفتيت ليبيا، بَوّابة لإحْكام السيطرة الإمبريالية على منطقة “الساحل” الإفريقي:

Afficher l’image source

تدمير  ليبيا

شكّلت خطّة النظام الليبي لإنشاء عملة إفريقية موحّدة، ومصرف إفريقي، وإرساء علاقات جديدة بين مختلف المُكوّنات الإفريقية، من ناحية، وبين إفريقيا والمُؤسّسات الدّولية كصندوق النقد الدّولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية، من ناحية أخرى، أحَدَ أسباب الإطاحة به، وتفتيت ليبيا إلى إمارات متقاتلة فيما بينها، منذ سنة 2011، وأدّى نهب سلاح الثكنات الليبية، بإشراف قوى حلف شمال الأطلسي، إلى انتشار أسلحة مُتنوّعة، خفيفة ومتوسطة، في البلدان السبعة الواقعة على حدود ليبيا (مصر والسودان وتشاد والنيجر ومالي والجزائر وتونس)، وفي منطقة الصّحراء الكبرى،  ثم في مناطق أخرى كالكامرون وبوركينا فاسو ونيجيريا والكونغو وإفريقيا الوُسْطى، وغيرها، وكان مستوى عيش الشعب الليبي يضاهي مستوى عيش أوروبا، فضلاً عن مجانية التعليم والصحة والخدمات وانخفاض قيمة النقل والمحروقات وإيجار المساكن، وبعد عشر سنوات، أصبح شعب ليبيا يُعاني من الفقر، بعدما نهبت الدول المُسْتَعْمِرَة، والفئات المتناحرة، ثرواته، وخسر فُقراء الشعوب المُجاورة وظائفهم ودخلهم الذي كانوا يحصلون عليه في ليبيا، ويرسلون جزءًا منه إلى أُسَرِهم، وأصبحوا يحاولون الوصول إلى أوروبا، التي تعتقل من نجا من الموت غرقًا في البحر الأبيض المتوسّط، وتملأ بهم السّجون وتُرحِّلُهم.

في البلدان المُحيطة بالصّحراء الكبرى، أنتجَ تدمير ليبيا أزمات اقتصادية واجتماعية وأمْنِيّة تحولت إلى حرب توسّع نطاقها إلى منطقة “السّاحل” وغربي القارة، وتداخلت استراتيجيات المجموعات الإرهابية، التي غنمت أسلحة جديدة ومقاتلين جَنَّدَتْهُمْ ضمن المُعطّلين الجُدُد، جراء فقدان عملهم في ليبيا، مع أهداف بعض القَوْميات والمجموعات الاثنية، لتتّسع رقعة معارضة الأنظمة القائمة في مجموع البلدان المُحيطة بالصّحراء الكبرى، كما تعزّز الوجود العسكري الإمبريالي في المنطقة، لتنفيذ الفَصْل المُوالي من مخططات الإمبريالية الأمريكية (الفَوْضَى الخَلاّقة) وانتشار قُوات برنامج “أفريكوم”، كما اغتنمت الإمبريالية الفرنسية إسقاط النظام اللِّيبي والمشاغل الدّاخلية للجزائر، لإحْكام السّيْطرة على المنطقة الغنية بالغاز وباليورانيوم والعديد من المعادن الأخرى الثمينة، بالإعتماد على جُيُوش الأنظمة التّابعة (تشاد وموريتانيا وبوركينا فاسو…)، بالإضافة إلى زيادة حصّتها من ثروات ليبيا، ما أثار خصومات مع الحكومة الإيطالية التي تُدافع عن مصالح شركة “إيني” للمحروقات…

تغَيَّرَ شكل النُّفُوذ الفرنسي مع الإستقلال الشّكلي لمعظم المُستعمرات الفرنسية في إفريقيا، سنة 1960، ولكن الهيمنة السياسية والإقتصادية لا تزال مُستمرة، عبر اللغة والثقافة، وعبر الفرنك الإفريقي (الذي خَلَفَتْهُ عملة “إيكو”) وإجبار الحكومات الإفريقية على إيداع احتياطي العملات الأجنبية في المصرف المركزي الفرنسي، وعلى أولوية الشركات الفرنسية في عمليات النهب والإستغلال لثروات هذه البلدان، وغير ذلك من شُرُوط الهيمنة الإقتصادية، إلى جانب الهيمنة السياسية والعسكرية، ولا تزال فرنسا تُمثل القوة الإمبريالية الرئيسية في إفريقيا الغربية، وفي المغرب العربي، ومنطقة السّاحل الإفريقي.

بعد إسقاط نظام ليبيا، واحتلال البلاد، واحتداد المنافسة بين مختلف القوى الأجنبية في إفريقيا (الولايات المتحدة والصّين وفرنسا وغيرها)، أطلقت فرنسا عددًا من البرامج العسكرية في الساحل الإفريقي (سرفال، برخان، تاكوبا وغيرها)، بذريعة مكافحة الإرهاب، وكثّفت التواجد العسكري، بداية من سنة 2012، في مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو ووسط إفريقيا وساحل العاج وموريتانيا وغيرها، وأطلقت الدّولة الفرنسية على هذه البرامج “الشراكة من أجل الأمن والاستقرار في منطقة الساحل”، ويُمثّل التّدخّل العسكري أحد جوانب هذه “الشراكة” المزعومة، ما أثار رُدُودَ فعل غاضبة واحتجاجات في تشاد ومالي وبوركينا فاسّو وغيرها، فيما يتمثل الجانب السياسي في فَرْض الوصاية على المستعمرات السابقة، ودعم حُكّام دكتاتوريين فاسدين ولُصُوص، وفَرْضِهم بالقُوة وبالإنقلابات وتزييف نتائج الإنتخابات، وحمايتهم في الدّاخل والخارج، ويتمثل الجانب الإقتصادي في تَحَكُّم فرنسا باقتصاد ومالِيّة هذه البلدان من خلال الفرنك الإفريقي (إيكو حاليا)، وفي حصول الشركات الفرنسية على دَعْمٍ مالي بقيمة تفوق ملْيارَيْ يورو (2,45 مليار دولارا أمريكيا) لإنجاز حوالي ثمانمائة مشروع في منطقة “السّاحل” الإفريقي وبلدان إفريقيا الغربية، في مجالات الطاقة والبُنية التحتية واستخراج المعادن وإدارة الموانئ البحرية والجوية، ومشاريع أخرى تُعَزِّزُ جميعها الهيمنة الفرنسية، وهي مُفيدة للإقتصاد الفرنسي، ومُضِرّة باقتصاد البلدان الإفريقية، وتُمَكّن الإمبريالية الفرنسية وشركاتها من الصّمود أمام منافسة المشاريع الأمريكية والصّينيّة وغيرها.

أما الإمبريالية الأمريكية فقد استخدمت حلفاءها في حلف شمال الأطلسي (فرنسا وبريطانيا وإيطاليا…) لتدمير ليبيا، وخَلْق الظّرُوف (أو الشُّرُوط) التي تُمكّنها من التّدخل العسكري، في حوالي عشرة بلدان، بذريعة مكافحة الإرهاب، ولئن كان التّدخّل الأوروبي (بزعامة فرنسا) مُباشرًا في منطقة “السّاحل” الإفريقي، فإن الإمبريالية الأمريكية تكتفي بتدريب الضّبّاط المَحَلِّيِّين وبالدّعم والتّنسيق الأمني، والإستطلاع والقصف (أحيانًا) بواسطة الطّائرات الآلية، بحسب تقرير أعلن عنه رئيس إدارة الإستخبارات الخارجية الفرنسية، في الثالث من شباط/فبراير 2020، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية التي أضافت أن حكومة فرنسا تعمل على تطويق تنظيم “القاعدة” وتُحاول منع توسّع نفوذه نحو خليج غينيا الغَنِي بالمحروقات، ونحو ساحل العاج وبِنِين، ما يُشكّل تبريرًا استباقِيًّا لتوسيع نطاق العمليات العسكرية الفرنسية، من مالي إلى نيجيريا ومجمل منطقة إفريقيا الغربية، وأعلن رئيس الإستخبارات الخارجية الفرنسية أن هذه المجموعات الإرهابية بصدد الإعداد لهجومات مُسلّحة في أوروبا، وما هذا الإدّعاء سوى ذريعة لكي يتقبّل الرأي العام التّورُّطَ التدريجي والمتواصل للجيش الفرنسي في السّاحل الإفريقي، منذ ثماني سنوات، وفي ليبيا منذ عشر سنوات، وفي الصّومال، منذ ثلاثين سنة، وغيرها من المواقع، دفاعًا عن مصالح الشركات الرأسمالية العابرة للقارات، مثل شركة “توتال” للمحروقات، و”بويغ” للإنشاء، و “بلوريه” للبُنية التّحتية، كما طلبت فرنسا من دول الإتحاد الأوروبي مُساعدتها على “مكافحة الإرهاب”، مع التّذكير بوجود قوات دولية في شمال “مالي”، تحتل جزءًا من البلاد تحت راية الأمم المتحدة، إلى جانب مجموعات عديدة تجمع المعلومات، تحت يافطة “العمل الإنساني” والمنظمات “غير الحكومية”.

بلورت الإمبريالية الأمريكية، منذ العقد الأخير من القرن العشرين (خصوصًا خلال فترة حكم بيل كلينتون)، مشروعًا أطلقت عليه “مبادرة إيزنستات” لتعزيز التجارة مع البلدان المُحيطة بالصّحراء الكُبرى، قبل إقرار برنامج القيادة العسكرية الأمريكية الموحّدة في إفريقيا (أفريكوم)، خلال فترة رئاسة “جورج بوش الإبن”، وانطلقت البوادر الأولى للبرنامج، مباشرة بعد تفجيرات أيلول/سبتمبر 2001، قبل سنوات من الإعلان الرّسمي عنه، إذ بدأت الولايات المتحدة، منذ سنة 2002، تُنفذ برنامج “المبادرة العابرة للسّاحل”، ثم برنامج “الشراكة لمكافحة الإرهاب بالصّحراء”، بدءًا بتدريب و”تأهيل” جيوش موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد، أي البلدان الواقعة تحت النفوذ الفرنسي، وأنشأت الإمبريالية الأمريكية شبكة من الخطط والبرامج التي تتضمن مناورات عسكرية مُشتركة، كما أنشأت قاعدة للطائرات الآلية في النّيجر وأُخرى في بوركينا فاسو، وقاعدة جوية شمال مالي، وكذلك في موريتانيا وفي المغرب، ثم في جنوب تونس، وأعلنت “برامج تنمية” تُشرف عليها الوكالة الأمريكية للتنمية الدّولية، بهدف دعم الشركات الأمريكية الراغبة في الإستثمار في قطاعات الطاقة والبُنية التحتية في إفريقيا…

عَرَبِيًّا، يُقيم حوالي 70% من مواطنِي الدّول العربية في إفريقيا، وكانت الشُّعُوب الإفريقية تعتبر جمال عبد النّاصر قائدًا إفريقيا، يحرص على تعزيز العلاقات العربية الإفريقية، ودعمت مصر النّاصرية استقلال البلدان الإفريقية، وساندت الزّعماء التقدّميين (مثل كوامي نكرومة وباتريس لومومبا )، ولكن الجامعة العربية تحولت، بزعامة السّعودية، إلى مؤسسة رجعية تطعن الشعب الفلسطيني (مشروع فَهْد، قبل أربعة عُقُود) وتدعم العدوان على البلدان والشعوب العربية (العراق 1991) وتطالب، بل تُساهم باحتلال البلدان العربية (العراق 2003 و ليبيا وسوريا، منذ 2011)، وتُدمّر وتُفَتّتُ بلدانا تُعتبر مهدًا للحضارة الإنسانية (منطقة ما بَيْن النّهرَيْن واليمن)، ويعتبر شيوخ النفط، وصهاينة العرب أن العدو الصهيوني ليس عَدُوّا بل حليفًا ضد إيران…

تُساهم السعودية والإمارات وقَطَر (ومعها مصر والسّودان والمغرب والأردن، وغيرها، بدرجات متفاوتة) في العدوان على دولة وأرض وشعب سوريا وفي احتلال اليمن، وتتورّط السعودية والإمارات ومصر مباشرة في احتلال وتقسيم ليبيا، إلى جانب تركيا وقوى حلف شمال الأطلسي، فيما تورّط الإخوان المسلمون بتونس (بدعم قَطَرِي وتُرْكِي) في تَجْنيد وإرسال الإرهابيين إلى سوريا وليبيا، واستخدام الأراضي والمياه الإقليمية التونسية للإعتداء على الشعب الليبي.

تزايد تورط الإمارات والسعودية في إفريقيا، منذ 2011، سواء في القرن الإفريقي (شرقي القرة) أو في منطقة “السّاحل”، وساهمت الإمارات في تمويل إنشاء مجموعة الخمسة، منذ سنة 2013 (موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو) وفي تمويل التّسليح والتدريبات العسكرية، وازداد نفوذ الإمارات في مالي وفي موريتانيا، وأثار الدّور الإماراتي في المنطقة المُحيطة بالصّحراء الكُبرى تساؤلات عديدة في وسائل الإعلام بالجزائر المتاخمة للصحراء والتي لها حدود مع البلدان التي تتدخّل بها الإمارات مُباشرةً (ليبيا وتونس ومالي والنيجر والمغرب وموريتانيا )، خصوصًا بعد زيادة التنسيق السياسي بين فرنسا والإمارات في ليبيا وفي “السّاحل” الإفريقي، وتجدر الإشارة أن لعبد العزيز بوتفليقة وأُسْرَته مصالح مباشرة مع بعض شُيُوخ الإمارات، حيث كان يُقيم في مَنْفَى اختياري، لعدة سنوات.

 

منطقة “القَرْن الإفريقي”

تكمن أهمية القرن الإفريقي في موقعه الإستراتيجي – قبل اكتشاف شركة “إيني” الإيطالية كميات كبيرة من الغاز في عرض البحر بشرق إفريقيا- فهو يُشرف على البحر الأحمر حيث تمر نسبة هامة من صادرات النفط، وهو قريب من فلسطين المحتلة ومن إيران والسعودية ومصر، كما تُعَدُّ سواحل الصومال من أهم مناطق صيد سمك التُّونة (التُّن) لأساطيل الصيد البحري من اليابان وكوريا الجنوبية وروسيا وأوروبا، وزادت أهمية المنطقة مع التطبيع الخليجي، ومع العدوان على اليمن، ومع التهديدات المتزايدة ضد إيران، وغير ذلك من الأسباب التي حّوّلت “جيبوتي”، من قاعدة فرنسية إلى قاعدة عسكرية دولية وكذلك إريتريا وكينيا وغيرها، حيث توجد قواعد أمريكية وأوروبية وتركية وصينية، وأنشأت دُويلة الإمارات قاعدة، وتحاول شركتها “موانئ دُبَيْ” الحصول على عُقُود إدارة موانئ المنطقة…

إن موقع القرن الإفريقي قُبالة اليمن، يجعله عُرْضَةً “للتّأثيرات الجانبية” لما يحصل في الخليج، ونشرت صحف أوروبية وأمريكية، منذ سنة 2018، أخبارًا عن توسّع العدوان على اليمن، وشموله قُوى أجنبية عديدة، وأخبارًا عن التواجد العسكري الأمريكي والصّهيوني في موانئ اليمن (مثل الحديدة) وجُزُرِه، مثل “سُقَطْرَى” التي تحتلّها الإمارات، وتُخطّط لتحويلها بالتعاون مع الكيان الصهيوني، من مَحْمِيّة طبيعية إلى موقع سياحي وإلى قاعدة جوية وبحرية، نظرًا لموقعها الإستراتيجي، ولِقُرِبها من مضيق باب المندب، ومن إيران والقرن الإفريقي، حيث تمر نسبة حوالي 40% من حجم تجارة النّفط، عبر البحر، وأشارت وسائل الإعلام إلى خطط أميركية صهيونية لاستغلال هذه المواقع الاستراتيجية، ومشاركتها في العدوان، ويطمح الجيش الصهيوني إلى تثبيت وسائل اتصال وتنصّت في جزيرة سقطرى (وهي محميّة مُصنفة من قِبَل اليونسكو، ضمن التّراث العالمي)، وفي خليج عَدَن…

عندما أعلنت الإمارات قرار الإنسحاب من اليمن، منتصف سنة 2019 (لم يكن انسحابًا وإنما إعادة هيكلة القوى المحسوبة عليها، وإدماج شركات سياحية وأمنية صهيونية)، بدأت تفكيكًا جُزْئِيًّا للقاعدة العسكرية (ميناء ومطار عسكري ) التي تديرها، وهي قاعدة عسكرية أنشأها الإحتلال الإيطالي، في مدينة “عصب” بإريتريا، التي لا تبعد سوى سبعين كيلومترا عن اليمن، على البحر الأحمر، وتستخدمها الإمارات لنقل العتاد العسكري والجنود السودانيين، نحو اليمن، منذ 2015، ولكن مشاريع الإمارات كانت كبيرة، عندما كانت أسعار النّفط مرتفعة، فقدمت طلبًا لتصبح مراقبًا في الإتحاد الإفريقي (منذ 2011)، وارتفعت قيمة المواد التي تُخزنها الإمارات في حاويات ضخمة، وتُعيد تصديرها نحو إفريقيا إلى حوالي 45 مليار دولارا، سنة 2020، وأوْرَدَ موقع “صندوق أبو ظبي للتنمية” بنهاية كانون الثاني/ يناير 2021، خبرًا بشأن تمويل مشاريع الطاقة المتجدِّدة، في مالي وأرخبيل “سيشل” وتوغو، وليبيريا والسودان والصومال وجُزر مالديف…

من جهة أخرى أصبحت الإمارات منصّة للتطبيع، وللإستثمارات المُشتركة مع الشركات والمصارف الصهيونية، في مشاريع بإفريقيا، وفي بلدان عربية أيضًا، بحسب موقع “إيكونوميست” ( 31 كانون الثاني/يناير 2021)، وتُهدّد بعض المشاريع أمن البلدان العربية والإفريقية، مثل البرمجيات ومعدّات الأمن (أمن المطارات والموانئ البحرية وشركات الطاقة…) والرّعاية الصّحّية، مع الإشارة أن الأمريكيين والأوروبيين والصهاينة يُدِيرُون العديد من الشركات الإماراتية والسعودية والخليجية عُمومًا، وتعمل هذه الشركات، في مجالات مختلفة بالبلدان العربية والإفريقية، وفي مقدّمتها مجال الأمن، ما جعل وزارة خارجية جنوب إفريقيا، في بيان صَدَرَ يوم 14 آب/أغسطس 2020، تحظر مبيعات الأسلحة للسعودية والإمارات، وتُندّد بالتّطبيع مع الكيان الصهيوني الذي يُهدّد أمن جنوب إفريقيا في القارة الإفريقية، وأشارت وسائل إعلام جنوب إفريقيا إلى إشراف الجيش الصهيوني (مع الجيش الأمريكي، في معظم الحالات ) على تدريب الفرق الخاصة لما لا يقل عن عشر دول إفريقية، من دول ذات ثقل كبير مثل الحبشة (مقر الإتحاد الإفريقي) ونيجيريا، أكبر منتج للنفط في القارة وأكثرها كثافة سُكّانية، وادّعى موقع صحيفة “العين” الإماراتية أن التعاون الإماراتي الصهيوني يدعم السّلْم والنّمو الإقتصادي في إفريقيا، أما وسائل الإعلام الأمريكية (موقع واشنطن بوست، يوم 26 شباط/فبراير 2021) فإنها “تُبارك” التطبيع الخليجي الصهيوني، لمنافسة دور الصّين في إفريقيا، فيما اعتبرت وكالة “أسوشيتد برس” ( 15 و 17 شباط/فبراير 2021) أن دور الإمارات والكيان الصهيوني في شرق إفريقيا “إيجابي ومُكمّل لدور تركيا وقَطَر” (رغم التّعارض الشّكْلي)، في إريتريا والحبشة وكينيا والسودان والصّومال وجيبوتي، حيث أصبحت هذه الأخيرة ساحة صراع ظاهر بين الولايات المتحدة والصّين، التي أنشأت بها أول قاعدة عسكرية صينية مُعْلن عن وجودها بالخارج…

 

دور الإستسلام العربي والفلسطيني، في تعزيز التغلغل الصهيوني بإفريقيا:

لعبت مصر دورًا هامًّا في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، وفي احتضان الزعماء التّقدّميّين وعائلاتهم، مثل أُسْرة “باتريس لومومبا” بعد اغتياله، و”كوامي نكروما” وأُسرته (وهو متزوج من مصرية) بعد الإنقلاب على حكومته، ولعبت مصر والجزائر وليبيا دورًا مُهمًّا في دعم حركات التّحرّر بجنوب إفريقيا وزمبابوي وأنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر، ولعبت ليبيا دورًا رئيسيا في تأسيس الإتحاد الإفريقي، وتعزّز، في تلك المرحلة، التضامن بين البلدان العربية والإفريقية، لكن التغيرات التي حصلت في العالم، أدّت إلى تغيير موازين القوى، فوقّع النّظام المصري اتفاقية استسلام مع العدو، كانت فُرصة للكيان الصهيوني لإعادة العلاقات المقطوعة وإنشاء علاقات جديدة مع معظم الدول الإفريقية، وكان تخلِّي قيادات منظمة التحرير الفلسطينية عن هداف تحرير الأرض وعودة اللاجئين، بعد تدمير العراق، سنة 1991، ومنح شَرْعِيّةً مجانية للعدو الذي يحتل وطن الفلسطينيين، وبعض الأراضي العربية الأخرى، فُرصة ذهبية استغلّها كيان الإحتلال لتعزيز مواقعه في إفريقيا كما في العديد من مناطق العالم، ونعيش الآن مرحلة أخرى، أو “نكبة” ثانية، أخطر مما عرفناه سابقًا، بعد موجة التطبيع الجماعي، بل والتحالف مع العدو الصهيوني ضد دول ذات أغلبية سُكّانية مُسلمة (مثل إيران)، وانتقلت القارة الإفريقية من قلعة لدعم حركة التحرر العربية إلى ساحة يستغلها الكيان الصهيوني اقتصاديا وأمنيا وسياسيا، وبدأ التغلغل الصهيوني باكرًا، لكنه بقي محدودا، بسبب تحالف العدو مع نظام جنوب إفريقيا، وبسبب دعمه للحركات الإنفصالية (انظر فقرة لاحقة)…

بدأت العلاقات الصهيونية الإفريقية قبل عدة عُقُود، لكن أدّى عدوان حزيران/يونيو 1967، على مصر (الإفريقية) وعلى وسوريا والأردن، إلى تعكير العلاقات، وقَطع بعضها، وعقب حرب تشرين الأول/اكتوبر 1973، قررت منظمة الوحدة الإفريقية قطع العلاقات الدبلوماسية مع العدو بشكل جماعي، إلى أن وقّع نظام السادات بمصر اتفاقية الإستسلام في المخيم الرئاسي الأمريكي “كمب ديفيد” سنة 1978، ما جعل بعض الدول الأفريقية تعيد علاقاتها.

منحت الأنظمة العربية للكيان الصهيوني فُرصة اختراق إفريقيا، فكانت زيارة رئيس حكومة العدو، سنة 2016 لعدد من الدول الإفريقية، منها أوغندا وكينيا، التي تُعتبر قاعدة عسكرية أمريكية، ورواندا، ثم الحبشة، مقر الإتحاد الإفريقي، وطلبت دولة الإحتلال الحصول على صفة مراقب بالإتحاد الإفريقي، بينما استحوذ نظام آل سعود على الجامعة العربية التي دعمت احتلال العراق وسوريا والعدوان على اليمن وليبيا، وعصفت أنظمة الخليج والنظام المصري والأردني وقيادات منظمة التحرير ببعض المكاسب، ومن بينها جهود النظام الليبي ودوره في تأسيس الإتحاد الإفريقي، وقبل ذلك كان المؤتمر الوزاري العربي الأفريقي في نيسان/ابريل 1976، لبحث التعاون العربي الأفريقي، في تواصل مع جهود مصر الناصرية لدعم الأمن القومي العربي، عبر تعزيز الروابط مع البلدان والشعوب الإفريقية…

قطعت معظم الدول الإفريقية علاقاتها مع الكيان الصهيوني، إثر العدوان الصهيوني على البلدان العربية، وعلى مصر، إحدى الدّول المُؤسسة لمنظمة الوحدة الإفريقية (الإتحاد الإفريقي لاحقًا)، وكذلك بسبب الدّعم الصهيوني لنظام الميز العنصري بجنوب إفريقيا وناميبيا وزمبابوي، وبسبب دعم الكيان الصهيوني للإستعمار البرتغالي (أنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر)، والدعم العسكري الصهيوني للحركات الإنفصالية في الكونغو ثم في نيجيريا، كما دعمت بقوة الحركة الإنفصالية بجنوب السّودان، التي تدرّب قادتها العسكريون في فلسطين المحتلّة، منذ عقد الستّينيات من القرن العشرين، بحسب تصريح  لرئيس جنوب السودان “سيلفا كير”، خلال زيارة فلسطين المحتلة، في كانون الأول/ديسمبر 2011، عندما شكر (عَلَنًا) شمعون بيريز بقوله: “لقد وقفتم دائمًا إلى جانبنا، ولولا دعمكم لما تمكّنّا من نيل استقلالنا”.

كانت القضية الفلسطينية قضية مركزية عربية وإفريقية أيضًا، خلال عقدَيْ الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، ما مَتّنَ التحالف العربي الإفريقي في الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الأخرى.

تغيّر الوضع بعد توقيع النظام المصري معاهدة كمب ديفيد وزيارة أنور السادات للقدس، ثم غرقت قيادات منظمة التحرير الفلسطينية في وَحَل التطبيع والإستسلام، بعد العدوان على العراق، في محادثات مدريد ثم في أوسلو، وتمكن الكيان الصهيوني، على مدى ثلاثة عقود، من تحقيق أهدافه السياسية والإقتصادية والعسكرية في إفريقيا، فارتفعت مبيعات الأسلحة إلى جنوب السودان والحبشة وكينيا وتنزانيا، وتكثّف التعاون الأمني والتقني، وأصبحت منطقة شرق إفريقيا تستضيف قواعد عسكرية للجيش الصهيوني، وزادت إمدادات الأسلحة لمختلف المجموعات الإنفصالية بالسودان ( دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان…)، كما تطورت العلاقات الإقتصادية الصهيونية مع ساحل العاج والحبشة، في مجال توليد الطاقة، ومع دول إفريقية أخرى من غرب وشرقي إفريقيا، ما جعل ميزان القوى يميل لصالح الكيان الصّهيوني، بعد أن كان، في مجمله، داعمًا للشعب الفلسطيني وللقضايا العربية، وأعلنت حكومة العدو، في كانون الثاني/يناير 2019، إقامة علاقات دبلوماسية مع دول يُشكّل المسلمون أغلبية سكّانها، وتعددت الزيارات المتبادلة بين قادة صهاينة وحُكام نيجيريا وتشاد والسنغال ومالي وغيرها، وزاد التغلغل الصهيوني بعد التطبيع الجماعي الخليجي والسوداني والمغربي…

تُمثّل إفريقيا جزءاً من مطامع الكيان الصهيوني، لدعم موقعه ومطامعه في البحر الأحمر والقرن الإفريقي وشرقي إفريقيا، ولدعمه في الأمم المتحدة، وأعلن ديفيد بن غوريون، في الكنيست سنة 1960، إن الدول الأفريقية ليست قوية ولكن صوتها في المنظمات الدولية يساوي في قيمته أصوات الدول الكبرى، ولذلك “وجب تعزيز الصداقة الإسرائيلية الأفريقية بهدف ضمان مساندة إفريقيا لنا، أو تحييدها”، وحصلت حكومة “نتن ياهو” على صفة “عضو مراقب” في الإتحاد الإفريقي سنة 2017، فيما شارك رئيس حكومة العدو الصهيوني في قمة أفريقية إقليمية مصغرة بشأن الأمن والتصدي للإرهاب، بأوغندا، وبمشاركة رؤساء دول وحكومات أوغندا وكينيا والحبشة ورواندا وملاوي وجنوب السودان وزامبيا، وجميعها دول داعمة لموقف الكيان الصهيوني، ما يُشكّل ضربة مؤلمة لحقوق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية عمومًا، ويحق للعضو المراقب في الإتحاد الإفريقي تقديم المقترحات والتعديلات والمشاركة في نقاشات الإتحاد، ويحق له أيضًا الانضمام إلى الاتفاقيات العالمية التي يُعدّ الاتحاد طرفًا فيها، ما قد يزيد من تغلغل الكيان الصهيوني بإفريقيا وتعزيز مصالحه في مجالات التنقيب عن النفط واستخراج واستغلال اليورانيوم، والماس، والسيطرة على الصناعات الغذائية، كما يحصل في الحبشة، وتُعتبر إفريقيا سوقًا لصادرات كيان الإحتلال من الأغذية والأسلحة والتجهيزات الأمنية وغيرها، كما يستغل الكيان الصهيوني حاجة الدول الأفريقية إلى المساعدات الاقتصادية، فأنشأت حكومته “المؤسسة الدولية للتعاون والتنمية” التي تنفذ أجندة سياسية، من خلال القيام بمهام الربط بين مؤسسات الدولة وشركات القطاع الخاص، بالإضافة إلى إرسال فنّيّين في مجالات الأمن والأسلحة والإتصالات والطاقة والزراعة إلى دول إفريقية عديدة، وأهمها أوغندا الحبشة وكينيا في القرن الإفريقي، كما في غرب إفريقيا، بما فيها نيجيريا، رغم الدعم الذي قدمه الصهاينة إلى الإنفصاليين في إقليم “بيافرا”.

الجزء 2 من 3

النهب الإمبريالي لثروات إفريقيا:

تحتل إفريقيا موقعًا استراتيجيا، بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي والمحيط الهندي والبحر الأحمر، وتفوق مساحتها ثلاثين مليون كيلومتر مربع، فيما يتيح لها موقعها مناخا استوائيًّا ومداريا، يُساعد على تربية المواشي، وبها ثروة مائية هائلة تُساعد على زراعة العديد من الأشجار المثمرة والغابية، والنباتات والخضار المتنوعة، ما يوفر لمواطنيها غذاءً وفيرًا ومتوازنًا، لكن عشرات الملايين من مواطني إفريقيا يعانون من الجوع ومن الحروب، ومن عدم الإستقرار…

كانت هذه الثروات، وهذا الموقع الجغرافي المُمتاز، خاصة بعد اكتشاف الأوروبيين للطريق التجارية البحرية التي تمر برأس الرجاء الصالح، نحو المُحيط الهندي وقارة آسيا، وبعد حفر قناة السويس، التي تربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر ثم المحيط الهندي، أي الربط بين أوروبا وآسيا، أحد أسباب تكالب القوى الإستعمارية على القارة، لاستغلال الموارد، وللتحكم في المعابر المائية وطُرق التجارة الدّولية، ولا يزال سكان قارة إفريقيا يعانون إلى غاية اليوم من آثار الإستعمار الذي انتقل من استعمار عسكري مباشر، إلى اقتصادي وسياسي وثقافي، بعد أن عانى سكان غربي إفريقيا من اصطيادهم وتهجريهم لبَيْعِهم كالحيوانات، في الأسواق، ولاستعبادهم بأمريكا.

يعيش أغلب سُكّان منطقة “السّاحل” الإفريقي، في المنطقة المُلاصقة للمغرب العربي، تحت خط الفقر، ويعانون من الإرهاب وعدم الإستقرار وعدم توفّر المياه والغذاء، ويعيش أكثر من 45 من مواطني القارّة في فقر مدقع بأقل من دولارَيْنِ في اليوم وفق بيانات البنك العالمي لسنة 2018، ولا يحصل نحو 630 مليون شخص في جنوب الصحراء على الكهرباء، ولا يحصل 61% من سكان افريقيا على خدمات المياه النّقِيّة والصّرف الصحي، بينما تزخر المنطقة المُحيطة بالصحراء الكبرى بالعديد من مصادر الطاقة (الغاز والنفط) والمواد الأولية، كاليورانيوم والبوكسيت والماس والحديد، وهو ما جعل المنطقة ميدانًا للتنافس بين القوى الإمبريالية، التي تستخدم قُوى محلّيّة، سواء كانت حُكومات عميلة أو منظمات إرهابية، ولا تقتصر هذه الحروب بالوكالة على منطقة الصحراء الكبرى (الساحل) بل تتعداها إلى غرب ووسط وشرق إفريقيا، من أجل نهب ثرواتها، إذ تُنتج إفريقيا نحو 98% من الإنتاج العالمي من الماس و55% من الذهب و22% من النحاس، ومعادن أخرى كاليورانيوم والمنغنيز والكْرُوم، مع احتياطي ضخم من النفط يقدّر بأكثر من 17 مليار طن، بحسب “الاتحاد النفطي السويسري”، أو أكثر من 15% من احتياطيات النفط العالمية و40% من احتياطات الذهب ونحو 30% من الموارد المعدنية العالمية، وأكثر من 60 معدنًا مختلفًا(البلاتين والكْرُوم والماس والكوبالت واليورانيوم والذهب…)، وتنتج نحو 70% من كاكاو العالم و 60% من زيت النخيل، كما يُنتج المُزارعُون مواد عديدة، مثل الدخن والذرة والقلقاس والبطاطا الحلوة والموز والفول والقهوة، بالإضافة إلى صيد السمك من البحر والبُحَيْرات والأنهار، وتربية الحيوانات لإنتاج اللحوم أو البَيْض أو الألبان، وإنتاج القُطن وغير ذلك، لكن الشركات العابرة للقارات تحتكر مساحات واسعة مُخصصة من الأراضي الخصبة، لزراعة إنتاج مُعدّ للتصدير باستخدام الآلات والتجهيزات الحديثة، والأسمدة الكيماوية، والمبيدات السّامة والبذور المُعَدّلة وراثِيًّا، بالإضافة إلى ضعف التجهيزات والإستثمارات للفلاحين الصغار، ما يؤدّي إلى إتلاف كميات كبيرة من هذا إنتاج صغار المزارعين، بسبب العوامل الطبيعية وغياب المخازن والطاقة، وسوء الطرقات، ومسالك التوزيع، وغير ذلك، بالإضافة إلى شروط صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية، التي تَحْظُر دَعْم الفلاحين والإنتاج الزراعي ( لو افترضنا أن العزيمة متوفرة لدى الفئات الحاكمة)، جعل القارة تستورد العديد من السلع الغذائية، منها الحُبُوب، كالقمح من أوروبا وأمريكا الشمالية، والأرز من آسيا، وتستورد الزيت النباتي والحليب، رغم وَفْرة المياه وخُصُوبة الأرض (خاصة في وسط وجنوب القارة) وتنوع المناخ والإنتاج…

يُشغّلُ القطاع الزّراعي نحو70% من قوة العمل في قارة إفريقيا، ولكنه لا يساهم سوى بنحو 15% من إجمالي الناتج المحلي، وتستورد افريقيا أغذية بقيمة تقارب ثلاثين مليار دولارا سنويا…

لا يقتصر النّهب على المعادن أو الأراضي الصالحة للزراعة، بل يشمل العديد من الموارد، ومن ضمنها تهريب الأموال إلى الخارج، حيث قدَّر تقرير نشره مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية – “أونكتاد” – يوم الإثنين 28 أيلول/سبتمبر 2020، أن مبلغًا لا يقل عن 89 مليار دولارا سنويا، يخرج من إفريقيا بطُرُقٍ غير مشروعة، كالسّرقة والتّهرّب الضّريبي، أو ما يُعادل 3,7 % من الناتج الإجمالي لقارة إفريقيا، وتُهَرِّبُ الشركات العابرة للقارات نحو نصف المبلغ الإجمالي، بينما لا تتجاوز قيمة الإستثمارات الأجنبية المباشرة 54 مليار دولارا، وبلغت قيمة الدّيون الخارجية للقارّة 770 مليار دولارا، بنهاية سنة 2018، وتتمثل عمليات التحايل في عدم التصريح بالقيمة الحقيقية للثروات والسّلع الخارجة، من صادرات بعض المواد الأولية، مثل الذهب والألماس والبلاتين، وتضخيم قيمة الواردات، بالإضافة إلى المناجم غير النّظامية، والرشوة وغسيل الأموال وهشاشة أنظمة الرقابة المصرفية، وتتجه هذه المبالغ المُهَرّبة إلى مصارف الدّول الغنية والملاذات الضريبية ومعظمها مستعمرات أوروبية وأمريكية، واحتلت نيجيريا (أكبر منتج للنفط في إفريقيا والبلد الأكثر كثافة سُكّانية) المركز الإفريقي الأول في مجال تهريب الأموال إلى الخارج بطرق غير مشروعة، تليها مصر ثم المغرب والجزائر…

أصبحت ثروات قارة إفريقيا وموقعها الإستراتيجي مَحَلَّ منافسة بين مختلف القوى الرأسمالية والإمبريالية، وأقرّت إدارة الرئيس “باراك أوباما” (2009 – 2016) منافسة الصّين، فارتفعت الصادرات الأمريكية خلال نفس الفترة وارتفع استثمار الشركات الأمريكية في مجالات مُحَدّدة كالطاقة والإتصالات والبُنية التّحتية، بالإضافة إلى الأمن والسلاح، ضمن برنامج “أفريكوم”.

أما الصين فقد بدأت تعزيز الإستثمارات والعلاقات التجارية، منذ سنة 2000، مع نحو 45 دولة افريقية (من إجمالي 53) فنمت التجارة الثنائية بين إفريقيا والصين، من 10,6 مليارات دولار سنة 2000 إلى 160 مليار دولار سنة 2011، وحوالي 200 مليار دولارا سنة 2016، خلافًا للدول الأوروبية التي تفرض سيطرتها في افريقيا عبر اللغة (الإنغليزية والفرنسية) والقواعد العسكرية والتدخل في الشؤون الداخلية وتنظيم الإنقلابات، والتركيز على بعض القطاعات التي لا تستفيد منها سوى الشركات الأوروبية، وارتفعت حصة الصين في مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا إلى أكثر من الضِّعْف سنة 2016، وارتفعت قيمة الاستثمارات الصينية وقيمة التجارة بين الصين وإفريقيا بنسبة 17% خلال سنة 2017، ويُقدّر البنك العالمي قيمة الإستثمارات الصينية بنحو خمسين مليار دولارا سنويا، لكن الشركات الصينية تُخصّص أكثر من مليون وظيفة في إفريقيا للمواطنين الصينيين. 

عندما كان الخطاب الرّسمي الصيني يُؤَكِّدُ على مناهضة الإستعمار وعلى التضامن مع الشعوب الإفريقية ضد الاحتلال، قامت الصين الفقيرة آنذاك ببناء خط سكة حديد تنزانيا الذي يبلغ طوله قرابة 1900 كيلومتر، ويربط بين زامبيا وساحل تنزانيا، أما اليوم فإن الشركات الصينية مهتمة باقتناص الفُرَص المُرْبِحَة، وبالمواد الأولية التي تحتاجها الصين مثل النفط  (أنغولا ونيجيريا والسودان ) والنحاس (زامبيا والكونغو الديمقراطية ) والكوبالت، الضرورى لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية، من الكونغو (أكبر منتج عالمي) واليورانيوم من ناميبيا، وخام الحديد، وغير ذلك، ثم توسّع اهتمام الشركات الصينية  في افريقيا ليشمل بلدانًا أخرى منها ليبيا وزامبيا وغانا وموزمبيق والحبشة، وجيبوتي (حيث تمتلك أول قاعدة عسكرية مُعْلَنَة) والمغرب والجزائر، وتنوعت الإستثمارات لتشملَ شراء أو تأجير الأراضي واستخراج المعادن مقابل إنجاز بعض مشاريع البنية التحتية والمالية، مع توظيف عدد قليل جدا من السكان المحليين والإفراط في استغلالهم وإذلالهم وإساءة معاملتهم، وتعزّز نفوذ الصين مع مشروع “طريق الحرير الجديد” (أو الطريق والحزام) الذي يتضمن إنشاء الطرقات والموانئ والسكك الحديدية، وتُسيطر الشركات الصينية تُسَيْطِرُ على شبكات البث ومراكز البيانات ومبيعات الهواتف “الذكية” منذ 2016…

بدأت الهند تهتم بالإستثمار في قطاع الزراعة ف والصناعات الغذائية في بلدان مثل زامبيا وبوتسوانا وتنزانيا وجنوب إفريقيا، مستغلة إرث “عدم الإنحياز”…

يكمن الفارق بين الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، من جهة، ودول الإتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة من جهة أخرى، أن المجموعة الثانية تحتل مناطق في إفريقيا، ولها قواعد عسكرية، وتُساهم في قَتْلِ المواطنين المَدَنِيِّين، أما المجموعة الأولى (البلدان الآسيوية) فهي تكتفي (لحدّ الآن) بالإستغلال ونَهْب الثروات، بشروط أقل إجحافًا من شُرُوط الإمبرياليات “الغربية”.

 

برنامج “أفريكوم”، رمز الهيمنة الأمريكية

المُقدّمات، أو تزامن احتلال العراق مع الهيمنة على إفريقيا:

  بعد ثلاثة أيٌام من تفجيرات 11 أيلول/سبتمبر، أي في 14 أيلول/سبتمبر 2001، دعت وزارة الخارجية الأمريكية سفراء الدول الإفريقية بواشنطن، لإعلامهم بوُجُوب دخول الدّول التي يُمثلونها في تحالف “لمحاربة الإرهاب”، بالتعاون الكامل مع وكالات الإستخبارات الأمريكية، وفرض مزيد من الرقابة على المواطنين وتحركاتهم داخل بلدانهم وعلى الحدود، وتسليم المشتبه فيهم إلى أمريكا، ومراقبة كل من له “نوايا عدوانية ضد أمريكا ومصالحها…”، على أن يكون الرّد، بعد 72 ساعة على أقصى تقدير، وخلال اجتماع ثان يوم 18/09/2001، أعلنت معظم الدول الإفريقية قُبُولها ومُشاركتها (الإجبارية) مع بعض التحفٌظات لجنوب افريقيا ونيجيريا والجزائر، وضغطت الولايات المتحدة على 34 دولة افريقية، اتهمتها بعدم “التعاون الكامل لمحاربة الإرهاب”، ومنها ليبيا والجزائر والسودان وكينيا وتنزانيا وليبريا…
تَجَلّت المُخطّطات الأمريكية، سنة 2002، لما طرحت أمريكا “مبادرة السٌاحل الافريقي والصٌحراء”، خلال اجتماع ضم رؤساء أركان جُيُوش كل من موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس ومالي والسنغال والنيجر ونشاد ونيجيريا، بهدف “التعاون في مجال مكافحة الإرهاب”، وشارك، خلال نفس السّنة، حوالي ألف جندي أمريكي في تدريبات عسكرية مشتركة بأفريقيا، وخصٌصت أمريكا 6,25 مليون دولار لتعزيز القدرات العسكرية لسلاح البر في مالي وموريتانيا وتشاد والنيجر، وإشراف ضُبّاط أمريكيين على تدريب الجنود “للبحث عن الإرهابيين الفارِّين من أفغانستان”، ثم عزز الجيش الأمريكي صفوفه في قاعدة “جيبوتي” بألْفَيْ جندي (سنة 2002)، وصادق الكونغرس على ميزانية إضافية بقيمة خمسمائة مليون دولار “لمكافحة الإرهاب بشمال وغرب افريقيا”، وزار مدير المخابرات الأمريكية “مايكل هيدن” عَدَدًا من الدّول الإفريقية المرشٌحة لاحتضان القواعد العسكرية وقيادة “أفريكوم”، فيما بعد، وقام مساعد وزير الحرب الأمريكي لشؤون التخطيط والسياسات، بجولة شملت المغرب والجزائر وليبيا ومصر وجيبوتي والحبشة، وزار وزير الحرب “دونالد رامسفيلد” ارتريا والحبشة وجيبوتي، وهي الدول التي وافقت حكوماتها على “التعاون الكامل مع القوات العسكرية الأمريكية، وتقديم المعلومات لها”، كما وافقت، في كانون الأول/ديسمبر 2002، على استخدام أراضيها جوٌا وبحرا (جيبوتي وإرتريا) لضمان أمن البحر الأحمر”، وكانت سنة 2003، سنة احتلال العراق، سنة حاسمة للهيمنة العسكرية الأمريكية على قارة إفريقيا، ونكتفي بسرد بعض الأحداث:

تدخٌلت أمريكا عسكريا في ليبيريا (آب/أغسطس 2003)، وعزلت “شارلز تايلور” الحليف السٌابق، وفرضت على المتخاصمين وقف الحرب الأهلية (التي استمرت حوالي 15 سنة)، ثم أنشأت مطار “طروبرتسفيلد” الذي تستخدمه القوات العسكرية الأمريكية، للتموين، كما أنشأت قاعدة “أوميغا”، وهي إحدى أكبر القواعد البحرية آنذاك، ومحطٌة تجسٌس لوكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) تغطٌي القارة الافريقية، بثٌا وإرسالا والتقاطا، وقامت القوات الأمريكية بحماية أكبر مزرعة للمطٌاط في العالم، قريبًا من المطار الدولي ب”منروفيا”، عاصمة ليبيريان الذي استخدمته المخابرات الأمريكية في السابق، لِنَقْلِ الأسلحة إلى الحركات اليمينية المسلٌحة في افريقيا مثل “يونيتا” الأنغولية، وجزء من المتمرٌدين الطوارق الموالين للإمبريالية الأمريكية وللكيان الصهيوني، بحسب تصريحات بعض قادَتهم…

وقّعت الولايات المتحدة، سنة 2003، اتفاقيات مع حكومات الكامرون والغابون وغينيا الإستوائية، لاستخدام مطاراتها لأغراض عسكرية أمريكية، واتفقت مع حكومات نيجيريا وبينين وساحل العاج بشأن استخدام قواعد جوية بأراضيها…

على المستوى الإقتصادي، بلغت استثمارات شركات النفط الأمريكية بإفريقيا، سنة 2003، نحو عشرة مليارات دولارا، في “مناطق التٌوتٌر” التي تتذرّع بها الولايات المتحدة للتدخّل العسكري في إفريقيا، واتفقت وسائل الإعلام الأمريكية على التّركيز على “عدم الإستقرار بمناطق كثيرة في افريقيا، ما يُوسّع مجال نشاط المجموعات الإرهابية وتجارة المُخدّرات والهجرة السّرّيّة”، لذا أعلن الجنرال “جيمس جونز”، أعلى مسؤول عسكري أمريكي في أوروبا ( نيسان/ابريل 2003)، إنشاء مراكز للتدخٌل السريع في افريقيا والعالم، لتعزيز قدرات الجيش الأمريكي على التحرٌك، وبعد سنتَيْن أصبح هذا الجنرال، سنة 2005، مُنسّقًا عسكريا بين سلطة أوسلو، في رام الله، والكيان الصهيوني، كما عمل في مصر والصٌومال…

زار الرئيس الأمريكي “جورج بوش الأبن” خمس دول افريقية: السنغال وجنوب افريقيا وبستوانا واوغندا ونيجيريا، وأعلن، خلال الزيارة (تموز/يوليو 2003) اهتمام أمريكا ببؤر التوتر في ليبريا وساحل العاج والسودان ومنطقة البحيرات الكبرى، وأعلن اعتزام أمريكا تأمين احتياجاتها من الطاقة من الخليج العربي وبحر قزوين وخليج غينيا الإستوائية، ولو بالقوة، ولذلك وجب تواجد الجيش الأمريكي بقواعد عسكرية تُؤمّن ضرب أي قوة “معادية” لها، أو حتى القوى المنافسة، وتُؤمّن السيطرة على المعابر البحرية التجارية، خاصة المحيطة بافريقيا، وتلا هذه التصريحات إعلان “مبادرة (عسكرية) ضد الإرهاب عابر الصٌحراء”, واختارت هيئة أركانها مدينة “داكار” (عاصمة السينغال) مقرًّا لها، وخصٌصت لها ميزانية تٌدّر بمائة مليون دولار سنويا لفترة خمس سنوات، كما ارتفع نَسَق “التعاون” العسكري مع موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا والسنغال والنيجر ونيجيريا ومالي، بتعلٌة مقاومة الإرهاب والعصابات الخطيرة وقطٌاع الطٌرق الحدودية، المحاذية لمنابع النفط، وأشرف الجيش الأمريكي على مناورات عسكرية، بمشاركة جُيُوش هذه الدّول، وكذلك دول أوروبية من حلف شمال الأطلسي، فرنسا وبريطانيا والدنمارك والبرتغال…كما نشطت القاعدة العسكرية الأمريكية الضّخمة ب”سيغونيلا” (إيطاليا) في استقبال وإرسال بعثات مراقبة وتجسٌس، وعمليات سرٌية “لمحاربة الإرهاب”، وزادت أهمٌية القواعد العسكرية الأمريكية بايطاليا وأسبانيا والبرتغال واليونان منذ احتلال أفغانستان والعراق، وبشكل عام كثٌفت أمريكا من الزيارات العسكرية والمناوات المشتركة مع بلدان كان تأثيرها فيها ضعيفا أو منعدما، كالجزائر التي صرح بوش عام 2004 انها “حليف استراتيجي”، بمناسبة إجراء مناورات بحرية مشتركة، قبل زيارة وفد عسكري جزائري إلى واشنطن، وقبل توقيع اتفاق حول التكوين والتدريب والتجهيز العسكري الخ، وتزامن تعزيز العلاقات العسكرية الجزائرية الأمريكية، مع مصادقة مجلس النّوّاب الجزائري على قانون يمكٌن الشركات الأجنبية (منها الأمريكية) من دخول السوق المحلٌيٌة في مجال استغلال وتجارة وصناعة المحروقات…

عمومًا تمكّنت الولايات المتحدة من إجهاض محاولات حلفائها الأوروبيين، ومحاولات منظمة الوحدة الإفريقية والأمم المتحدة، “لخلق آليات إقليمية وجهوية (افريقية) لحل النزاعات…”، وضغطت لكي تقبل حكومات الدول الإفريقية وجود قيادة عسكرية أمريكية خاصة بإفريقيا (أفريكوم).

 

الوقائع:

تمتلك الولايات المتحدة قاعدة ضخمة، ودولة كاملة في إفريقيا، أي “ليبيريا”، في الساحل الغربي لإفريقيا، على ساحل المحيط الاطلسي، التي أسّسَها العبيد المُحَرَّرُون من الولايات المتحدة، سنة 1822، بتمويلٍ ودعمٍ أمريكي رسْمِي (عَلَمُها مُستوحى من العَلَم الأمريكي)، ولا يتجاوز عدد سكانها خمسة ملايين نسمة، سنة 2019، وكانت قارة إفريقيا، كما مجمل بلدان “المُحيط”، محل صراع بين الإمبرياليات الأوروبية، وخلال النصف الثاني من القرن العشرين، أصبحت إفريقيا ساحة للصراع بين المعسكرين “الغربي” بزعامة أمريكا، و”الشرقي” بزعامة الإتحاد السوفياتي (الكونغو، أنغولا والموزمبيق, افريقيا الإستوائية, مصر وغيرها)، وبعد انهيار الإتحاد السوفييتي، أصبحت أمريكا تطرح استراتيجيا شاملة، توٌجتها بتنصيب قيادة لأفريكوم (القيادة العسكرية الأمريكية الموحٌدة في افريقيا – يونيتد ستايتز أفريكا كوماند)، أي تكوين “القيادة السٌادسة” الخاصة بمراقبة افريقيا.

تم إقرار نقل القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا من “شتوتغارت” (ألمانيا) إلى إفريقيا، وهو برنامج خطير، وقع إقراره خلال فترة رئاسة جورج بوش الإبن، ووقع تنفيذه خلال فترة رئاسة باراك أوباما، ولعبت تركيا، عضو حلف شمال الأطلسي، منذ تأسيسه، دورًا هامًّا في التّرويج “للأمن والإستقرار الإقليمي” في المغرب العربي، بواسطة الحوار المتوسّطي/الأطلسي الذي جَمع دولاً عربية، منذ سنة 1994، دولاً عربية ( موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس ومصر والأردن ) مع الكيان الصهيوني، وأدّى هذا “الحوار المتوسّطي” إلى قرار قمة إسطنبول، التي جمعت 26 دولة، إدماج الكيان الصهيوني في عمليات التدريب والمناورات المشتركة بين الحلف الأطلسي وبعض البلدان العربية، التي تجري منذ سنة 1995، بذريعة “حماية البيئة البحرية، والتدريب على عمليات الإنقاذ، خلال الكوارث، وحماية البيئة البحرية…”، ولم يُشارك جيش الجزائر سوى منذ سنة 2002، وكانت تلك مُقدّمات برنامج “أفريكوم”، الذي سبقه برنامج “ميبي” (مبادرة الشراكة للشرق الأوسط، أو “ميدل إيست برتنارشيب انيشيتف” ) ومقرّه الرئيسي بتونس، منذ 2002، وتندرج هاتان المبادرتان ضمن مشروع “الشرق الأوسط الكبير”، وضمن الهيمنة على قارة إفريقيا، بعد انهيار جدار برلين، وبدأت تنفيذ هذا البرنامج بالعدوان العسكري واحتلال الصومال، سنة 1992، والتّدخّل المباشر في ليبيريا وسيرا ليوني، وقصف مصنع أدوية بالسّودان، سنة 1998، بدعوى أنه مصنع للمواد الكيماوية…

 

الجيش في خدمة الإحتكارات- عسكرة الإقتصاد الأمريكي والسياسة الخارجية:

يندرج برنامج “أفريكوم” العسكري، وما سبقه وما لحقه من برامج، ضمن مخطّط أقْدَم وأشمل، يتمثل في “عَسْكَرَة” العلاقات الخارجية، ويتجاوز قارة إفريقيا، ويشمل آسيا وأمريكا الجنوبية وأوروبا الشرقية أيضًا، وتسارعت وتيرة تنفيذ هذا المُخطّط بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، وطموح الإمبريالية الأمريكية فَرْض هيمنة القُطْب الواحد على العالم، وتوفير الحماية العسكرية (إلى جانب الحماية السياسية والإقتصادية، والدّعم المالي المُتواصل) للشركات العابرة للقارات، ذات المَنْشأ الأمريكي، ومنها شركات المحروقات (النّفط والغاز) والطاقة، وحماية المُجمّع الصناعي العسكري الأمريكي، وشركات الإتصالات والتكنولوجيا الأمريكية، وما إلى ذلك.    

أعلن نائب الرئيس الأمريكي، وممثل مصالح الإحتكارات النفطية، “ديك تشيني”، في أيار/مايو 2001، قبل تفجيرات نيويورك: “يجب أن نخفٌف من اعتمادنا على نفط الدٌول المعادية مثل فنزويلا شافيز، ونعوٌضه بنفط خليج غينيا”، وخلال نفس الشهر، صرح الجنرال “شارلز واد”، قائد القوات العسكرية الأمريكية في أروبا، في حديث لصحيفة “وول ستريت جرنال”: ” تقع على عاتق قواتنا المسلٌحة في افريقيا مهمٌة أساسية تتلخٌص في ضمان السٌيطرة الكاملة على المناطق النفطية في نيجيريا وما حولها، لأن 25% من حجم الواردات الأمريكية للنفط ستأتي من هناك في المستقبل القريب”، وأظهرت الوقائع ارتفاع واردات أمريكا من النفط الإفريقي من 1,6 مليون برميل يوميا سنة 2000 إلى 2,7 مليون برميل يوميا سنة 2007، سنة تركيز “أفريكوم”، وبالربط بين الأحداث والتصريحات، يبدو أن الهدف الحقيقي لبرنامج “أفريكوم” هو الهيمنة على مصادر إنتاج الطاقة (ولو لم تكن أمريكا هي المُستورِدَة)، والهيمنة الإقتصادية، بواسطة القُوّة العسكرية.

كانت نسبة النفط الذي تستورده أمريكا من خليج غينيا تبلغ 10% من جملة وارداتها، سنة 2001، وارتفعت النسبة إلى 15% عام 2007 على أن تتضاعف سنة 2025، بحسب “ناشينال إينرجي بوليسي”، لكن تغير الأمر بارتفاع إنتاج النفط والغاز الصّخرِيّين الأمريكيّيْن، ما أضرّ كثيرًا بنيجيريا التي انعدمت صادراتها من الغاز إلى الولايات المتحدة، منذ سنة 2019.

وقع الإعلان لأول مرة، عن برنامج “أفريكوم” يوم العشرين من كانون الأول/ديسمبر 2006، بهدف “تعزيز الأمن والإستقرار في خليج غينيا”، وفي السابع من شهر شباط/فبراير 2007، وقع الإعلان عن إنشاء القيادة العسكرية الأمريكية السادسة، “أفريكوم” أو القيادة العسكرية الأمريكية الموحٌدة في أفريقيا، بهدف “تطوير التعاون العسكري مع الدول الافريقية، والقيام بعمليات عسكرية حربية في قارة إفريقيا، عند الإقتضاء، بقرار من الحكومة الأمريكية، لضرب قدرة المتطرٌفين المسلٌحين على قتل المدنيين الأبرياء…” ويرتبط رئيس قيادة افريكوم مباشرة بالرئيس الأمريكي ويقدم له تقاريره…

بعد عام من بداية تركيز “أفريكوم”، عزٌزت الشركات النفطية الأمريكية وجودها، سنة 2008، في كل من الجزائر وأنغولا والكامرون وتشاد والكونغو بجزئيه وغينيا الإستوائية والغابون وليبيا ونيجيريا، وصرّح وزير الطٌاقة “سامويل بودمان” (2008) إن الحكومة الأمريكية تشجع الشركات النفطية على توسيع نفوذها في كل من مدغشقر وبينين وساو تومي وغينيا بيساو، بالتوازي مع تعزيز العلاقات العسكرية مع مجمل الدول الإفريقية، وارتفاع المبيعات المباشرة للسلاح الأمريكي (لم يقع الإعلان عن القيمة المالية) إلى أنغولا والجزائر وبستوانا وتشاد وساحل العاج والكونغو (برازافيل) وغينيا الإستوائية واريتريا والحبشة والغابون وكينيا ومالي وموريتانيا والنيجر ونيجيريا وأوغندا، مع تركيز قواعد عسكرية جديدة (بعضها غير مُعْلَن) بكل من السنغال ومالي وغانا، بالإضافة إلى القواعد البحرية بساو تومي (في عرض ساحل الغابون)… وأعلن الجنرال “جيمس جون” قائد القوات العسكرية الأمريكية في أوروبا، أن البحرية الأمريكية قد تخفض تواجد بوارجها في البحر الأبيض المتوسٌط (الأسطول السادس) لتعزٌز حضورها في الساحل الغربي لأفريقيا وخليج غينيا (حيث حقول النفط وطريق مرور النٌاقلات)…

ارتفعت قيمة الإستثمارات الأمريكية بإفريقيا، خلال ثمانية سنوات من رئاسة جورج بوش الإبن، ثلاثة أضعاف، خصوصا في مجال الطٌاقة والمناجم، ووقٌعت الولايات المتحدة عددا من المعاهدات العسكرية مع عدٌة دول أفريقية، لحماية مصالحها ولمواجهة المنافسة الصٌينية، ولتوفير إسناد لوجيستي لاحتياجاتها الإقتصادية، وقواتها العسكرية التي تحمي الشركات الأمريكية العاملة في افريقيا…

تُجسّد هذه الوقائع التي بدأت قبل أكثر من عِقْدَيْن، مقدّمات العدوان الحالي على ليبيا والمنطقة المُحيطة بالصّحراء الكُبرى، وهي المنطقة المُستهدفة، بدرجة أولى، بمشروع “أفريكوم”، وتكمن أهمٌيٌة الصحراء في اتساع مساحتها وثراء باطن أرضها، وقلة عدد سكانها وقربها من منابع النفط والعديد من المعادن الثمينة الأخرى، وهي على مسافة واحدة بين أروبا والمشرق العربي، وكذلك على نفس المسافة بين نيجيريا وأنغولا والجزائر، أهم منتجي النفط  في افريقيا، بالإضافة إلى عودة الشركات النفطية الأمريكية إلى ليبيا، منذ سنة 2004، وتوقيعها عقودا هامة في مجال البحث والإستكشاف واستغلال الطاقة… أما موضوع الإرهاب فإنه يساعد البلدان المتاخمة للصحراء والإمبريالية في نفس الوقت، للتموية وتحويل الأنظار عن المشاكل الحقيقية الداخلية والإبقاء على الأوضاع القائمة كما هي: الفقر (في نيجيريا رغم النفط) والمجاعة (في النيجر رغم اليورانيوم والمعادن الأخرى) والفساد واستثراء أقلٌية على حساب الأغلبية…

يقول “مارك فرانشر”, عضو المجلس الأمريكي للمحامين السٌود (أن سي بي أل) :”إن القيادة العسكرية الأمريكية في افريقيا – أفريكوم- ليست سوى وسيلة لضمان الموارد النفطية للشركات الأمريكية، وكل من يعارض هذا الهدف أو يحاول عرقلته يصبح إرهابيٌا، ويضاف إسمه إلى قائمة اهداف الجيش الأمريكي…” وجاء في الموقع الإلكتروني لأفريكوم ” إن هدف هذه البرامج العسكرية والمدنية، هو تركيز مناخ قار، يكون سندا لسياستنا الخارجية وتوجهاتها وبرامجها التي تعمل بدورها على تركيز مناخ سلمي يساعد على تطور الأعمال والمبادلات والتعاون, فالعلاقة بين الأمن والتطور لا تحتاج إلى برهان…” إن أفريكوم هي الذراع العسكري للسياسة الخارجية ولمصالح الإحتكارات الأمريكية…

 

مرحلة الإنجاز:

Afficher l’image source

الجنرال وليام وارد

أشرف الجنرال “وليام وارد” (ذو الأصول الافريقية)، مساعد قائد القوات الأمريكية في اروبا، آنذاك، والذي أصبح قائدا لأفريكوم على ندوة بداكار، عاصمة السينغال، خلال نفس يوم إعلان جورج بوش الإبن عن تأسيس “أفريكوم” (07/02/2007) بعنوان “مكافحة الإرهاب العابر للصحراء”، بمشاركة رؤساء أركان كل من المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا والنيجر ومالي وتشاد ونيجيريا والسنغال…

يقول روبرت غيتس وزير الحرب الأمريكي آنذاك ان برنامج أفريكوم يُمثل تحديثًا للإستراتيجية الامريكية، لتصبح اكثر تماسكا وفعالية، بعد انهيار الإتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة… ورصدت آنذاك موازنة سنوية لأفريكوم بحوالي 90 مليون دولار، و392 مليون دولار لمركز القيادة، المتركٌبة من حوالي 500 خبير في الإستخبارات والاتصالات والتحاليل والتقارير الاستشرافية، وخبراء من وزارات الخارجية والمالية والأمن والتجارة والطٌاقة والزراعة، ومن مكتب التحقيقات الفدرالي أف بي آي (من المفروض أن لا يكون له نشاط خارج الولايات المتحدة)،  وارتفع عدد الموظفين الدٌائمين إلى 1300 بعد مدٌة قصيرة…

لا يقتصر برنامج “أفريكوم” على الجانب العسكري، بل يدمج في نشاطه هياكل وموظفين مدنيين من “يو آس آد” (الوكالة الأمريكية للتعاون الدولي) ومؤسسات الإغاثة والعمل “الإنساني” والمنظمات “غير الحكومية”…”لخلق مناخ مناسب للتطور الإقتصادي, والحكم الرشيد والتصرف السليم في الموارد الإقتصادية والبشريةن والوقاية من الأمراض والأوبئة والآفات، مما يعود بالمنفعة على المواطنين في ميادين التعليم والصحة والتأهيل…ليتمتٌعوا بظروف عيش أفضل”، بحسب موقع أفريكوم، وتدّعي السيدة “هنريتٌا فور”, مديرة “يو آس آد” : “إن دور أفريكوم هو الوقاية من النزاعات، وتقديم المعونة للسكان، ومساعدة الحكومات والمواطنين زمن الكوارث الطبيعية، بالتعاون مع شركائنا في القطاع الخاص، والمساعدة على تجاوز الصعوبات الإقتصادية والنزاعات العرقية والمرض والجريمة، وهي آفات يُعادل خطرها خطر الحروب والنزاعات…”. 

إنه برنامج عسكري, يستعمل المعونات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية “والعمل الإنساني”, لتلميع صورة الولايات المتحدة لدى المواطنين, الذين تظاهروا بكثافة ضد احتلال افغانستان والعراق وضد االجرائم الصٌهيونية المتكررة، كما يُمثّل العمل “الإنساني” محاولة لتغطية الحضور العسكري…

تعدّدت زيارات الوفود الأمريكية، المتكونة من رجال أعمال ومخابرات وموظفين سامين بوزارتي الحرب والخارجية، طيلة سنتي 2007 و2008 , إضافة إلى الجولة الافريقية الثانية للرئيس جورج بوش (2008)… كما تعددت المناورات العسكرية التي شملت كافة المناطق الافريقية من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها, وشملت كافة أعضاء الإتحاد الافريقي، وأشرف الجيش الأمريكي على تدريب وتأهيل 45 ألف جندي و3200 مدرٌب عسكري افريقي، وشاركت 21 دولة إفريقية في مناورة عسكرية ضخمة في تموز/يوليو 2008 ، وزار الجنرال “ويليام وارد” قائد أفريكوم، ثلاثين دولة افريقية ضمن جولة واحدة في شباط/فبراير 2008، بمناسبة مرور سنة واحدة على تركيز “أفريكوم، وقام خبراء عسكريون بمهام تدريب وإغاثة ووقاية في معظم الدول الافريقية، إلى جانب “المنظمات غير الحكومية”، في ميادين عديدة كالصحة والمياه الصالحة للشرب والتموين الغذائي، لتلميع صورة أمريكا وجيشها، و”تلطيف” الحضور العسكري…

تمثلت رغية الولايات المتحدة في إقامة قواعد عسكرية في المغرب العربي، وفي غربي إفريقيا والسّيْرة المباشرة على المنطقة المتاخمة للصحراء الكبرى، ورفضت بعض الدّول الإفريقية كالجزائر وليبيا وجمهورية جنوب افريقيا ونيجيريا إنشاء قواعد عسكرية على أي أرض افريقية، لتفادي غضب السكان وعدم الإستقرار، وردّت الولايات المتحدة بالضّغط على هذه الحكومات واستخدام ورقة “انعدام الحريات الدينية” في الجزائر وعدم احترام حقوق الإنسان والأقلٌيات،  و تعدّدت استفزازات السفراء الأمريكيين العاملين في هذه الدّول، ونَظّمت سفارات أمريكا في خمسين دولة إفريقية ندوات صحفية لموظفين سامين بوزارتَيْ الحرب والخارجية الأمريكيّة، لشرح “النويا الأمريكية الطيبة تجاه إفريقيا، والأهداف السلمية والتنموية لبرنامج أفريكوم”.

الجزء 3 من 3 

الصحراء، ثراء باطن الأرض وفَقْر السّكّان:

تعتبر الحرب في مالي من “الآثار الجانبية” للحرب الأطلسية على ليبيا، إحدى البلدان المتاخمة للصحراء، وثالث  أكبر منتج للنفط في افريقيا، وبما أن الولايات المتحدة تُشرف على برامج ومخططات الحلف الأطلسي، فإنها تُدمج عمل الحلف في اهدافها ومخططاتها، ويستهدف بعضها إفريقيا والوطن العربي، ومنها برنامج “أفريكوم”، لنشر “الفوضى الخلاقة” ولإنجاز مشروع “الشرق الأوسط الكبير” (أو الجديد)، والسيطرة على مصادر إنتاج الطاقة ومعابرها، ومحاصرة المنافس الصيني الذي تغلغل في أفريقيا منذ بداية الألفية الثالثة، وتفتيت وإضعاف عدد من الدول، في إفريقيا والوطن العربي، كالسّودان وليبيا ونيجيريا ومالي والكونغو وجمهورية إفريقيا الوُسطى وساحل العاج، وتتقاطع مصالح الإمبريالية أو تختلف أحيانًا مع مصالح الإمبرياليات الأوروبية، وخاصة فرنسا التي كانت تعتبر المنطقة المحيطة بالصحراء الكبرى مجالا لهيمنتها التقليدية وتحتفظ بقواعد عسكرية في ما لا يقل عن خمس دول، ينتشر بها ما لا يقل عن عشرة آلاف جندي، وتهيمن شركاتها على اقتصاد دول غرب افريقيا، حيث يعمل حوالي مليون فرنسي، بينما يعيش حوالي 50% من مواطني “مالي”، حيث يوجد ما لا يقل عن 5500 جندي فرنسي، بأقل من 1,25 دولارا يوميا، ويعاني نحو سبعة ملايين نسمة من النقص المستمر في الغذاء، وتتهدّدُ المجاعة ما لا يقل عن 16 مليون نسمة في المنطقة المحيطة بالصحراء (خاصة من مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو)، بسبب عودة العاملين الذين كانوا في ليبيا، وارتفاع معدلات البطالة، وبسبب الجفاف وارتفاع أسعار المواد الغذائية (الحبوب والزيوت النباتية)، وتضرر الأطفال من انعدام الأمن الغذائي، حيث تعتبر نسبة وفيات الأطفال (أقل 5 سنوات) في منطقة “الساحل” الصحراوي هي الأعلى في العالم، بالإضافة إلى عوامل أخرى قد تزيد من مُعاناة المواطنين، مثل التَّصَحُّر الذي أتى على أرض بعمق 250 كيلومتر، وامتداد 6000 كيلومتر، خلال قرن واحد، مما يعيق أنشطة الرعي وتربية الحيوانات وزراعة الحبوب، وما يُعَرّضُ بالتالي حياة البشر الذين يعيشون في منطقة الصحراء لمخاطر وُجُودِيّة، بالتزامن مع انخفاض نسبة المياه في نهر النيجر وفي بحيرة تشاد (حيث انخفضت نسبة المياه إلى الثلث خلال نصف قرن)…

سمح اتساع مساحة المنطقة المحيطة بالصحراء بازدهار الإقتصاد الموازي لتمويل الإرهاب، وقدّر أحد أعضاء الحكومة الجزائرية المداخيل المتأتية من الإختطاف مقابل فدية، ب 150 مليون مليون يورو، من سنة 2005 إلى منتصف سنة 2010، ويمثل هذا المبلغ 95 بالمائة من “تمويل الإرهاب”، ويعرض الإرهابيون حمايتهم على العصابات التي تهرب المخدرات أو السجائر أو الراغبين في الهجرة نحو أوروبا، عبر الصحراء مقابل “ضريبة”، وتبادل معلومات، وتقديم خدمات مفيدة للطرفين (ضد حكومات المنطقة ومؤسساتها الأمنية). وحسب تقديرات الديوان الجزائري لمكافحة المخدرات فإن 240 طنا من الكوكايين عبرت أراضي القارة الإفريقية، سنة 2008 ، قادمة من البرازيل والبيرو وكولومبيا، ووقع حجز 52 طنًا من مجموع 75 طنًا سنة 2009 في المنطقة المحيطة بالصحراء فقط. وحدث أن ترك المهربون طائرة “بوينغ”، إثر عطب أصابها في الصحراء، بعد إفراغ حمولتها من المخدرات. وتشير مختلف التقارير الصحفية والأمنية إلى دور حكومة وجيش غينيا بيساو في استقبال وتوزيع مخدرات أمريكا الجنوبية، نحو أوروبا، عبر الصحراء، مقابل “ضريبة” يستفيد منها الضباط وكبار الموظفين.

انطلقت موجة الاختطافات المتصلة بالإرهاب سنة 2003 عندما اختطفت إحدى المجموعات 30 سائحًا أوروبيًا في الصحراء الجزائرية، ووافقت ألمانيا على دفع فدية بقيمة 5 مليون أورو (معلنة)، وأصبحت اختطافات السياح الأوروبيين مصدرا هاما للدخل “للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”.  وفي شمال الجزائر يستهدف الإرهابيون الأثرياء وكبار التجار لحصد فديات ضخمة، ويعتقد أن الجزء الأكبر من هذه “المداخيل” يستغل في شراء الأسلحة التي يسهل اقتناؤها في بعض مناطق افريقيا، التي عرفت حروبا أهلية، كما يخصص جزء من هذه الأموال لأعيان المناطق التي تتحرك فيها عناصر “القاعدة” (أو فروعها)، ويخصص جزء آخر لحفر آبار أو بناء مدارس أو محلات تمريض، لضمان ولاء السكان، أو “حيادهم الإيجابي”. وكانت الحكومة الجزائرية تؤكد على رفض دفع الفدية ورفض التدخل الأجنبي، معتبرة “أن محاربة الإرهاب في الساحل هي مسألة تخص بالدرجة الأولى بلدان المنطقة، ولا مجال لأي تدخل أجنبي، لأن الغرب لم يهتم بالساحل الإفريقي، بل باستغلال ثرواته الطبيعية ولمصالح اقتصادية أخرى واستغلال الفقر وامتداد المنطقة على مساحات شاسعة، مما يضعف سيطرة الحكومات المركزية.”، لكن موقف الحكومة الجزائرية من التدخل الأجنبي تغير، وأصبحت تدعو إلى “التعاون” مع الإتحاد الأوروبي ومع أمريكا، شرط تكريس و”احترام الدور الإقليمي للجزائر”.

لا تهتم القوى الإمبريالية بمعاناة المواطنين، بل إن الهيمنة الإمبريالية هي السبب في هذه المعاناة، وتتهافت القوى الإمبريالية على منطقة الصحراء بسبب أهمية موقعها الإستراتيجي، بين المغرب العربي وبلدان إفريقيا الواقعة جنوب الصّحراء، فهي  تمتد من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر، وتعبُر حدود عَشْرِ دول، على مساحة قدرها 8,6 مليون كلم مربع، بطول 4500 كلم وعرض يتراوح بين 1500 و1800 كلم، وتحتوي على خَمْسِ سلاسل جبلية وَعْرَة، كسلسلة جبال “تيبستي” (جنوب ليبيا، شمال تشاد) وسلسلة جبال “الهقار”  (جنوب الجزائر)، ويحدُّ الصحراء جنوبا مالي والنيجر وتشاد، ومن الجانب الشمالي والشرقي موريتانيا والجزائر وليبيا، ويسكن المنطقة المحيطة بالصحراء حوالي مائة مليون نسمة، سنة 2020، ويحتوي باطن الصحراء على أكبر مائدة مائية عميقة في العالم، وعلى اليورانيوم والنفط والغاز والذهب واللؤلؤ والكوبالت، وأكثر من 30 معدن، ومنها النادر والنفيس.

لم تستفد شعوب المنطقة المتاخمة للصحراء من خيراتها، فسكان جنوب الجزائر، حيث حقول النفط والغاز، يعانون من البطالة والفقر، ويقومون بتحركات احتجاجية بشكل مستمر، أما في النيجر فإن نصف السكان في حالة مجاعة، وتعاني نسبة هامة من سكان تشاد ومالي وموريتانيا من الخصاصة والجوع والفقر، وتعتبر النيجر نموذجا صارخا للتناقض بين ثراء باطن الأرض وفقر السكان الذين يعيشون على سطحها، حيث تستغل مجموعة الطاقة النووية الفرنسية “آريفا” (أكبر شركة طاقة نووية عالمية)، يورانيوم النيجر الذي يغطي ما لا يقل عن ثُلُث احتياجاتها، أو ما يكفي لتشغيل عشرين مفاعل نووي، سنويا، وتسبب استغلال شركة “آريفا” لمناجم اليورانيوم في مصادرة الأراضي التي يستغلها الرعاة ومرَبُّو الحيوانات، وتلويث المحيط والبيئة بالغازات السامة والنفايات والإشعاعات القاتلة (مثلما فعلت في الغابون)، وتهجير عشرات الآلاف من أصحاب الأرض الشرعيين، وانتشار الأمراض الجلدية والسرطان والولادات المشوهة.

تستغل مؤسسة النفط الوطنية الصينية نفط النيجر ومعادن أخرى، وتشغل السكان المحليين في ظروف أقرب إلى القنانة أو العبودية منها إلى الإستغلال الرأسمالي، وتعد الشركتان الفرنسية والصينية، أكبر مستثمرين في النيجر، الذي لا يزال من أفقر بلدان العالم. وتعتزم أوروبا تنفيذ “الخطة الشمسية المتوسطية”، لاستغلال شمس جنوب المغرب العربي، وتحويلها إلى طاقة شمسية، مربوطة مباشرة بشبكة الطاقة الأوروبية، التي تستأثر بها، ورصدت لها اعتمادات قدرها 600 مليون دولارا سنويا، وأقر “نادي روما”، بالإشتراك مع مؤسسات مالية وصناعية أوروبية (خاصة من ألمانيا) خطة تحت اسم “ديزرتيك”، تتلخص في نشر “حقول من المرايا” لجمع أشعة الشمس، وتحويلها إلى طاقة تولد يوميا أكثر من 15 بالمائة من احتياجات أوروبا من الطاقة “النظيفة”، وهو مشروع أوروبي، لمصلحة أوروبا، مضر بالبيئة وبسكان المنطقة، لأنه يتطلب كميات كبيرة من المياه (لتنظيف المرايا، من آثار غبار الرياح الرملية، ولتبريد المحركات)، وتبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع 400 مليار دولارا، على أقل تقدير…

أصبحت الهيمنة التقليدية الفرنسية مهددة من قبل الإمبريالية الأمريكية التي تعاظم اهتمامها بافريقيا وبثرواتها المعدنية (منذ سقوط جدار برلين)، وبمشروعها العسكري “أفريكوم” (الذي دخل حيز التنفيذ)، كما أصبحت الصين منافسا جديا لكل من فرنسا وأمريكا، في قارة إفريقيا، بما في ذلك المستعمرات الفرنسية السابقة، إضافة إلى منافسين آخرين “أقل خطورة” في الوقت الحاضر، مثل الهند وتايوان وكوريا الجنوبية واليابان.

 

استهداف الجزائر، بعد ليبيا:

عندما اعترض وزير خارجية الجزائر، سنة 2011، على مشاركة الجامعة العربية في الدّعوة لاحتلال ليبيا، هَدّدَهُ وزير خارجية مَشْيَخَة “قَطَر”، عَلَنًا، وأعلمَهُ أن الجزائر هي المحطّة القادمة للعدوان الإمبريالي- الخليجي، ما يُؤَكّد استهداف الجزائر التي خرجت مُرْهَقَة وضعيفة من حرب العقد الأخير من القرن العشرين…

استضافت الجزائر سلسلة اجتماعات ذات صبغة أمنية لمنطقة “الساحل”،وكان أولها  اجتماع لقادة أركان الجيش في كل من مالي وليبيا وموريتانيا والنيجر (سنة 2009) من أجل تطوير استراتيجية إقليمية لمكافحة الإرهاب، وإنشاء مركز قيادة أمنية إقليمية في مدينة “تامنراست”، جنوب الجزائر، وأشادت الولايات المتحدة بجهود الجزائر في مكافحة الإرهاب، وأصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرا حول الإرهاب ( 5 آب 2010)، وجاء في أحد فصوله “أن البلدان المغاربية (أي المغرب العربي)، وخاصة الجزائر، أحرزت تقدما ملحوظا ضد الإرهاب”، وأن حكومات دول منطقة الصحراء “سعت إلى اتخاذ الخطوات الكفيلة بالتصدي للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، إلا أنه كانت هناك حاجة للحصول على الدعم الخارجي في شكل بناء القدرات العسكرية وقدرات فرض القانون”.

تركز التقارير الأمريكية على “ضرورة التعاون” الدولي “لمكافحة الإرهاب”، لتبرير مشاريعها الهيمنية (مثل أفريكوم) ولتبديد أموال الدول الفقيرة وحلفائها المؤقتين في شراء الأسلحة (الأمريكية) والعتاد وأجهزة المراقبة والتخابر، وتدريب قوات الجيش والأمن على استخدامها (في ثكنات أمريكا أو على أيدي خبراء أمريكيين في افريقيا) بَدَلَ إنفاقها على مشاريع تنموية، لتحقيق الإكتفاء الذاتي الغذائي وخلق وظائف، ولتشغيل العاطلين، وتطوير الصناعات الغذائية والتحويلية، وتطوير مؤسسات التعليم والصحة الخ.

بعد الإطاحة بنظام ليبيا، انعقد بالجزائر، يومي 7 و 8 أيلول 2011 (تلاه لقاء آخر في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 بواشنطن)، مؤتمر لوزراء خارجية الجزائر ومالي وموريتانيا والنيجر إلى جانب الدول الأعضاء في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي و”خبراء في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة” (أي مخابرات الدول الإمبريالية)، “لبحث سبل تكثيف التعاون في مجالات التدريب والأسلحة والاستخبارات والتنمية”، وفق ما ورد في البيان الختامي للمشاركين في هذا “المؤتمر الوزاري حول الأمن في الساحل”، وادعت الدول الإمبريالية، التي أججت الحرب في ليبيا، أن “تركيزها منصب على كيفية مساعدة بلدان المنطقة لمكافحة الإرهاب ومحاربة التهريب عبر الحدود..” وأعلن وزير خارجية الجزائر، التي أصبحت تلعب دور الوسيط بين الإمبريالية ودول المنطقة: “إننا بحاجة إلى شركاء وإلى تمويل وإلى تأهيل ومعدات ومعلومات”، خلافًا للتصريحات العديدة السابقة لقادة الجزائر بأن الحرب ضد الإرهاب هي أولا وقبل كل شيء مسؤولية بلدان المنطقة ولا يمكن لأحد التدخل واتخاذ قرارات نيابة عنهم.

تعدّدت اللقاءات الجزائرية الأمريكية، وزار الوزير المساعد للخارجية الأمريكية، المكلف بالمغرب العربي، الجزائر، ل”بيع عتاد عسكري، في إطار مكافحة الإرهاب”، وأقر بوجود شراكة “هامة” بين الجزائر وأمريكا تقوم على”الصداقة والمصالح المشتركة العديدة ” (والواقع أن لا دخل للصداقة في هذا المجال)، وأصبحت الحكومة الجزائرية ترى “أن التعاون مع أمريكا لمكافحة الإرهاب أساسي وضروري في مستوى تبادل المعلومات والتدريب والتكنولوجيات والتنمية الاقتصادية. لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في إطار جماعي منظم ومتفق عليه.”، وتلح الجزائر، في نفس الوقت، على الربط بين الاستقرار الأمني والتنمية.

تنازل النظام الجزائري عن العديد من المبادئ وما كان يُعتَبَرُ ثوابت أو خطوطًا حمراء، ولكن ذلك لن يُجْدِي نفعًا إذا لم تعتمد الجزائر (كدولة) على قواتها الذّاتية وعلى قُدْرة شعبها على الدفاع عن الإستقلال والسيادة الوطنية التي كان ثمنها مرتفعًا جدًّا، وظهر الموقف الأمريكي من خلال دعم استيلاء المغرب على الصحراء الغربية وما تحتويه من فوسفات وأسماك، وموقع استراتيجي، مقابل التطبيع العلني مع الكيان الصهيوني، في خطوة استهدفت الجزائر كدولة وأرض ووطن وشعب.

 

الطموحات الأمريكية في منطقة الصحراء:

 تعللت أمريكا بأحداث 11/09/2001 للتخطيط لإقامة قواعد عسكرية في افريقيا (كما في مناطق أخرى من العالم)، وكانت أمريكا (ولا زالت) تستغل قاعدة “طانطان” في المغرب، وأثنت الحكومة المغربية على “الأهداف الإنسانية” النبيلة للقوات الأمريكية في المغرب التي “قدمت كمية من اللوازم المدرسية لمصلحة تلاميذ إحدى المدارس الإبتدائية بالمدينة” (وكالة أنباء المغرب العربي، حكومية، 07/04/2005)، وكان قائد قوات الحلف الأطلسي في أوروبا، الجنرال الأمريكي “جونز” قد صرح، في آذار/مارس 2003، قائلا:”لم يعد بمقدور أمريكا أن تبقى بعيدة عما يحدث في افريقيا، وليس بوسع القوات الأمريكية أن تظل تراقب الوضع، انطلاقا من البحر. لقد آن لها أن تحط في اليابسة، في تلك المناطق الشاسعة من الصحراء، التي أصبحت مرتعا للجريمة والإتجار بالمخدرات والأسلحة، ولم يعد بمقدور دولها أن تفرض سيطرتها ومراقبتها.”، ولعبت القاعدة العسكرية الأمريكية في “طانطان” المغربية دورا هاما في إدارة عمليات التجسس بمنطقة “الساحل” والصحراء، وفي تقريب النزاعات المسلحة من دول المغرب العربي (إضافة إلى الحرب الأهلية الدامية والمدمرة التي دامت 10 سنوات في الجزائر)، وتزامن تصريح الجنرال الأمريكي “جونز” مع تدخل قوات الكومندوس المغربية لإفشال محاولة انقلابية في موريتانيا، قادها الضابط “ولد حنانا”، سنة 2003. ومنذ سنة 2005 بدأ الحديث (والتسريبات المقصودة) عن مشروع إنشاء القيادة العسكرية الأمريكية الموحدة في افريقيا المعروف باسم “أفريكوم”، وتركيز قواعد عسكرية أمريكية حول منطقة الصحراء. وتزامن ذلك مع احتداد التوتر في المنطقة والعمليات المسلحة واختطاف الرهائن، وهذا من شأنه أن يكثف التواجد العسكري الخارجي، ويفتح باب التدخل العلني “المشروع” للإمبريالية، باسم “مكافحة الإرهاب”، ويؤخر عمليات التنمية الإقتصادية وبرامج الصحة والتعليم، لفائدة السكان (هذا إذا كانت للحكومات برامج اجتماعية أصلا). وفي مرحلة لاحقة، اعتبرت أمريكا (قبل عدة سنوات) أن “انتشار الإرهاب وتجارة الأسلحة والمخدرات والرقيق، والهجرة غير النظامية، والأنشطة غير الشرعية في الصحراء، مصدر للمخاطر الأمنية والإرهابية، وخطورتها في منزلة خطورة الوضع في العراق وأفغانستان واليمن ودارفور.” (ويكمن الخطر في وضع الإرهاب وتجارة الأسلحة والمخدرات، في نفس منزلة الهجرة غير النظامية) لذا تستنتج أمريكا أن من واجبها (الأخلاقي؟) التدخل العسكري المباشر أو بواسطة الحكومات المحلية، “من أجل إعادة الهدوء إلى هذه المنطقة” (الإستراتيجية والغنية بالمعادن والثروات الأخرى)، و”تقترح” أمريكا تمويل التدخل العسكري في منطقة الصحراء بواسطة “أصدقائها” السعوديين، والخليجيين عموما. وبعد سقوط رأسي النظامين التونسي والمصري وسقوط نظام القذافي في ليبيا، كثفت أمريكا من “مشاوراتها” مع حكومات الدول المحيطة بالصحراء، ودعت وزراء خارجية الجزائر وموريتانيا ومالي والنيجر إلى الإجتماع في واشنطن يوم 11/11/2011، “لدعم الشراكة الإقليمية لمكافحة الإرهاب”. واعتبر هذا الإجتماع مكملا لعدة مؤتمرات سياسية وعسكرية واستخباراتية، وللنشاط الدبلوماسي المكثف حول “خطر الإرهاب وتداعيات الثورة الليبية”، وتبادل الخبرات والمعلومات في مستوى التدريب العسكري والتكنولوجيات والتنمية الاقتصادية، بالإضافة إلى زيارات عديدة لمسؤولين أمريكيين لمنطقة المغرب العربي والساحل الصحراوي. وحاولت الجزائر ربط مكافحة الإرهاب بموضوع التنمية (وهو ما لا تقوم به داخل الجزائر) لأن منطقة الصحراء “تعتبر من بين الأفقر في العالم وتواجه نموا كبيرا لشريحة الشباب التي تحتاج إلى موارد لتفادي الانضمام إلى العصابات الإجرامية أو الجماعات الإرهابية”…

كانت الجزائر وجنوب افريقيا ونيجيريا وليبيا من المعارضين لتواجد قواعد عسكرية أمريكية في افريقيا، في إطار “أفريكوم”، فغيرت أمريكا تكتيكاتها وأصبحت تعتمد على المحادثات والتدريبات العسكرية الثنائية، وركزت على الجزائر (باعتبار رغبة أمريكا في التموقع في المنطقة العربية، قريبا من منابع الطاقة والمعادن وغير بعيد من طريق مرورها)، وتكثفت زيارات الضباط من القيادة الإفريقية الأمريكية (أفريكوم) ومسؤولين أمريكيين آخرين إلى الجزائر في بداية سنة 2010، “لتظهر أن هذا التعاون في محاربة الجماعات الإسلامية الإرهابية في الساحل الإفريقي هو هدف مشترك، تأمل أمريكا والجزائر تحقيقه” وزارت “سوزان إف بورك”، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي لمنع انتشار الأسلحة النووية، الجزائر لمدة 3 أيام، (من 20 إلى 22/02/2010) وقالت “تلعب الجزائر دورا هاما في مجال الدبلوماسية متعددة الأطراف وتعتبر شريكا هاما”، وفي تشرين الثاني 2009، التقى قائد “أفريكوم”، الجنرال ويليام وورد (تغير منذ ذلك الحين وعوضه الجنرال كارتر هام)، الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ومسؤولين عسكريين رفيعي المستوى، لمناقشة “الجهود الأمريكية الجزائرية المشتركة ضد الإرهاب، وخاصة تبادل المعلومات من خلال التدريب.” وشدد الجنرال “ويليام وورد” على أنه لم يأت للجزائر ليطلب منها استضافة مقر “أفريكوم” (وقد كانت هذه المسألة مطروحة في وسائل الإعلام)، وبعد أقل من شهرين من زيارة قائد “أفريكوم”، التقى مسئولون من القوات الجوية الجزائرية، في عاصمة الجزائر، قائد القوات الجوية الأمريكية في افريقيا، لمواصلة النقاش حول التعاون في الحرب ضد الإرهاب في المنطقة المغاربية والساحل الصحراوي، وقال اللواء “رونالد لادنيي” أن أمريكا “مستعدة للعمل جنبا إلى جنب مع الجزائر، من أجل ضمان الإستقرار ومواجهة هذه التهديدات” (عن صحيفة “الوطن” 26/01/2010. وحسب موقع “مغاربية” ( موقع أسسته وتديره وزارة الحرب الأمريكية)، بتاريخ 26/02/2010، فإن “تأسيس أفريكوم يشكل تحولا في الحضور الأمريكي في القارة، من السياسي والإقتصادي إلى العسكري، ولو بشكل غير مباشر، وإن زيارات مسؤولي أفريكوم إلى الجزائر استهدفت أساسا معالجة الوضع الأمني في الساحل الافريقي، وتهدف الشراكة العسكرية بين أمريكا والجزائر إلى تحديث القوات العسكرية في المنطقة وتبادل المعلومات الأمنية والإستخباراتية، قبل تزويدها بتجهيزات متطورة، على غرار أجهزة الرصد، والطائرات الإستطلاعية من دون طيار”، أي ربط جيوش المنطقة بالجيش الأمريكي، تجهيزا وتدريبا وإيديولوجيا أيضا لمدة طويلة. وأعلن الجنرال ويليام وورد عن “تطابق الأهداف بين الجزائر وأمريكا، ورغبتهما في الإستقرار وحماية المواطنين الأبرياء من الضرر، والعمل معا على للوقاية من أعمال التطرف العنيف”. ولا يستحي الجنرال وورد من الحديث عن حماية المواطنين الأبرياء، وزهو الذي ساهم في الإعتداء على العراق واحتلاله وتدميره واستعمال الأسلحة السامة والفتاكة، كما ساهم في عديد المهمات القذرة في فلسطين والوطن العربي وغيرها. لكن يبدو أن أمريكا استفادت من تجربتها في العراق وفي أفغانستان، وأصبحت لا تكتفي بالمراقبة من السماء بواسطة الأقمار الصناعية أو بواسطة التكنولوجيا، وعادت إلى التركيز على جمع المعلومات بواسطة المخبرين والجواسيس، وهو ما بدا جليا في البيانات والتصريحات الرسمية الأمريكية أو من جدول أعمال الإجتماعات المشتركة، وتحاول أمريكا الإستفادة القصوى من جيوش ومخابرات “الأصدقاء”، والتخفيف من خسائرها البشرية، فتعهد بالمهمات القذرة إلى الجيوش والمخابرات المحلية، وتستأثر أمريكا بمداخيل بيع الأسلحة والتكنولوجيا، ومراقبة مصادر الطاقة وطرق تسويقها.

اعتمدت الإمبريالية الأمريكية مقاربة مختلفة عن الإمبريالية الفرنسية، وتتمثل في بناء شبكة واسعة من العلاقات الأمنية والعسكرية في البلدان الافريقية، وتطبيق سياسة الإختراق الإستراتيجي، باعتماد التدريب والمساعدات العسكرية والمالية، في شكل هدايا وتجهيزات وبرامج مثل عملية “فلينتوك” السنوية، وهي مناورة عسكرية تهدف “تطوير القدرات العسكرية” لبعض الجيوش الافريقية، وأهم هذه الأدوات، الحوار بين قادة أفريكوم وقادة الدول الافريقية، وللمرة الأولى تنخرط قيادة عسكرية إقليمية أجنبية في الحوار مع البلدان الافريقية، وكأنها طرف فيه، وهو نوع من “العلاقات العامة”، لإظهار أن افريكوم ليست أداة للهيمنة. وجرت عدة اجتماعات بين قادة أفريكوم وقادة أركان جيوش منطقة الساحل والصحراء (بإدماج المغرب)، وأطلقت أمريكا، منذ سنة 2011، مشروعا يستهدف النخب المدنية والعسكرية في المغرب وتونس، إضافة إلى برنامج “ميبي” (مشروع الشراكة للشرق الأوسط) ودوره الإيديولوجي لتخريب المجتمعات العربية، وغرس الأفكار “النيوليبرالية”، وتمرير مشاريع “الشرق الأوسط الجديد” وقبول الهيمنة بدعوى “الإنفتاح”، وأحيانا الإستنجاد بالإمبريالية “لنشر الديمقراطية” وإزاحة الأنظمة الدكتاتورية (التي تساندها الإمبريالية)، وتستهدف أمريكا وأوروبا لنشر سمومها الشباب المتعلم والنساء والصحافيين ورجال الأعمال، ومن تسميهم “ناشطي المجتمع المدني” (مفردة ناشط، تعوض كلمة مناضل، حتى لدى الفلسطينيين المحتلة أرضهم)، وتخصص لهم ندوات ومحاضرات ودورات تأهيل الخ. أما أمريكا واوروبا فإنها تغلق حدودها أمام البشر والمنتوجات (الفلاحة والصناعات التقليدية.) والأفكار الداعية للتحرر من الهيمنة، القادمة من الدول الفقيرة، وأفريقيا والوطن العربي على وجه الخصوص.

 

الدبلوماسية الأمريكية المسلحة في إفريقيا:

سارعت الولايات المتحدة إلى ملء الفراغات التي تركها انهيار الإتحاد السوفييتي في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، الفاصل بين أوروبا من جهة، وشمال إفريقيا وغرب آسيا (شرق المتوسط) من جهة ثانية، ونظّمت تدريبات ومناورات عسكرية عديدة على ضفّتَيْ البحر الأبيض المتوسط، بمشاركة الجيش الصّهيوني، وجيوش الدول العربية الواقعة على حوض البحر الأبيض المتوسّط (إضافة إلى الأردن)، باستثناء جيوش ليبيا ولبنان وسوريا، وارتفع عدد « زيارات » السفن العسكرية الأمريكية والأطلسية، لموانئ المغرب العربي، منذ شهر آذار/مارس 2003، بالتوازي مع احتلال العراق، وكانت هذه الخطوات الأمريكية، وما لحقها، مُحاولات لمنافسة فرنسا (القوة الإستعمارية السابقة لشمال ووسَط وغربي إفريقيا)، والصّين التي تطورت استثماراتها، وتضاعفت عشر مرات، خلال 15 سنة، وشكّل المغرب العربي بَوّابةً للهيمنة الأمريكية على قارة إفريقيا، وجزءًا من برنامج « الشرق الأوسط الجديد »، لِبَسْط النُّفوذ الأمريكي، على منطقة تمتد من أفغانستان إلى موريتانيا…

بعد حوالي سبع سنوات من انطلاق برنامج « أفريكوم »، أعلنت الولايات المتحدة زيادة استثمارات الشركات الأمريكية الخاصة، في مجالات مُحَدّدة (الطاقة والمَعادن، والنّقل والبُنْيَة التّحْتية…)، ثم نشرت صحيفة « غارديان »، وصحيفة « ميل » تقريرًا مُشتركًا يُشير إلى نَشْر قوات « العمليات الخاصة »، بالجيش الأمريكي، في 22 دولة إفريقية، بشكل رسمي، سنة 2019، وهي الجزائر وبوتسوانا وبوركينا فاسو والكاميرون والرأس الأخضر وتشاد وساحل العاج وجيبوتي ومصر والحبشة وغانا وكينيا وليبيا ومدغشقر ومالي وموريتانيا والنيجر ونيجيريا والسنغال والصومال وتنزانيا وتونس، ويمثل هذا الإنتشار المُعْلَن في إفريقيا، نحو 14% من النشاط الخارجي لقوات العمليات الخاصة الأمريكية (قوات الكوماندوس الأكثر تدريبًا في العالم)، وهي أعلى نسبة في أي منطقة في العالم باستثناء المشرق العربي، لكن المعلومات غير المنشورة تفيد أن القوات الأمريكية الخاصة تعمل سرا في نصف بلدان إفريقيا، بذريعة “مكافحة تمدّد المصالح الصينية والرُّوسِيّة في إفريقيا، ومكافحة التمرد والإرهاب”، وغير ذلك من الذّرائع، وتعمل هذه القوات الأمريكية بموافقة الحكومات التي تتكتّم عن الأمر، وتُخفي حضور الجيش الأمريكي عن مواطني هذه البلدان، وعندما تكشف وسائل الإعلام أو بعض المنظمات عن موقع تواجد هذه القوات الأمريكية، ومُهمّاتها، تُسارع الحكومات إلى تكذيب الخبر، جملةً وتفصيلاً، مثلما فعلت حكومة تونس في تشرين الأول/اكتوبر 2020، رغم تأكيدات وسائل الإعلام، ومراكز البحث الأمريكية وجود قاعدة واحدة على الأقل، وقواعد أخرى مُتنقلة، أو مُؤقتة…

بيّنت وثائق « أفريكوم » سنة 2019، وُجُود قواعدها ( 29 قاعدة عسكرية) في 15 دولة، وبالأخص في منطقة « الساحل »، أي قريبًا من دول المغرب العربي، وفي « القرن الأفريقي »، المُشرف على الخليج وإيران والمشرق العربي، وصرّح « دونالد بولدوك » الذي ترأس قيادة العمليات الخاصة في إفريقيا (SOCAFRICA) حتى العام 2017 (سنة تقاعده): « شاركت قوات العمليات الخاصة الأمريكية، سنة 2017، في القتال في 13 دولة أفريقية »، وواصلت القوات الخاصة نشاطها سنتَيْ 2018 و 2019، في ما لا يقل عن عشر دول: بوركينا فاسو والكاميرون وتشاد وكينيا وليبيا ومالي وموريتانيا والنيجر والصومال وتونس (نلاحظ أهمية تونس في النشاط العسكري الخارجي الأمريكي، منذ الإطاحة بالنظام في ليبيا، وخلال حكم الإخوان المسلمين في تونس)، وغالبًا ما تتعاقد الولايات المتحدة مع شركات أمريكية خاصّة لإمدادها بما تحتاجه، ولم تعترف حكومات الدّول المَذْكُورة بوجود هذه القواعد والأنشطة الحربية والإستخباراتية، فيما لا يتم إعلام المواطنين بما يحصل في بلادهم من تدريبات ومناورات عسكرية وتخطيط وتنفيذ العدوان على الجيران، ومن عمليات خطف واغتيالات وقصف لمُنشآت حَيَوِيّة، وما إلى ذلك، أما في الولايات المتحدة فإن بعض العمليات تتم بإقرار ميزانية سرّيّة (القِسْم 127)، وهي عبارة عن ترخيص قانوني لقوات العمليات الخاصة الأمريكية باستخدام الوحدات العسكرية المحلية ( في البلدان المُسْتَهْدَفَة، أو التي توجد بها القواعد الأمريكية) كوحدات بديلة في مهام « مكافحة الإرهاب »، بحسب « كين ماكغرو »، المتحدث باسم القُوات الخاصة، وجَنّدت، لهذا الغرض، مُرتزقة من الصومال والحبشة وكينيا وأوغندا، للقتال في الصومال وينفّذُ هؤلاء المرتزقة أكثر من 200 مُهمّة سنويا (لحساب قيادة العمليات الخاصة)، منذ 2015، من ضمنها بعض المهمات في اليمن، لدعم العدوان السعودي الإماراتي…

لا تكشف قيادة « أفريكوم » عن عدد ونوعية ما تسميها « المهام الاستشارية والمساعدة والدعم والمُرافقة »، بل تصفها بأنها ليست عمليات قتالية، وقُدّرت بنحو خمسين عملية سنويا في مختلف بلدان إفريقيا، وخاصة في 11 دولة مما تُسميه قيادة « أفريكوم » شمال غرب إفريقيا، أي الجزائر وبوركينا فاسو والكاميرون وتشاد ومالي وموريتانيا والمغرب والنيجر ونيجيريا والسنغال وتونس، حيث تُقدّم قوات العمليات الخاصة الأمريكية « المشورة والمساعدة والمرافقة لقوات شريكة محلية في مهام تستهدف الجماعات الإرهابية، بما في ذلك القاعدة والجماعات التابعة لها، بوكو حرام وداعش »، وفقاً لوثائق « أفريكوم » (نيسان/ابريل 2020)، وتقوم « أفريكوم » والقوات الخاصة بالجيش الأمريكي، بتنفيذ التدريب السنوي « فلينتلوك »، ويتعلق بالتدريب على »قيادة العمليات الخاصة، وتخطيط وتنفيذ مهام مكافحة الإرهاب »، بمشاركة بنين وبوركينا فاسو والكاميرون وتشاد والرأس الأخضر وساحل العاج وغانا وغينيا ومالي وموريتانيا والمغرب والنيجر ونيجيريا والسينغال وتوغو…

نشرت منظمات مثل العفو الدّولية وهيومن رايتس ووتش وثائق عن تورط قيادات « أفريكوم »، و قيادة « العمليات الخاصة المشتركة »، وبعض الفِرق السّرّيّة الأمريكية الأخرى، في انتهاكات حقوق الإنسان، عند تنفيذ الغارات الجوية، وقتْل المَدَنِيِّين، أو بسبب أخطاء معلومات المُراقبة والإستخبارات (التّجسّس)، في مناطق الحرب (مالي والصومال ) أو في مناطق بعيدة عن الحرب، ومنها « بوستوانا »، حيث أَجْرت الوحدات الخاصة الأمريكية، في حزيران/يونيو 2019، تدريبات ( Upward Minuteman )، لمدّة ثلاثة أسابيع، و »بوركينا فاسو »، حيث دربت وحدات العمليات الخاصة الأمريكية قوات الأمن في بوركينا فاسو على مكافحة عمليات مكافحة الإرهاب، وحصلت انتهاكات و »أضْرار جانبية » (أي أضرار يعتبرها الجيش الأمريكي غير هامّة)، ومن بين هذه الحوادث والإنتهاكات، تورط جنود من « بوركينا فاسو » في مذابح في بلدة « جيبو » (شمال البلاد)، وأعلن  متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية: « نشعر بقلق عميق إزاء العدد المتزايد من مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان والانتهاكات التي ترتكبها قوات الأمن الأمريكية في الساحل الإفريقي، لكن ليس لدينا أي معلومات عن تَوَرّط أفراد أو وحدات أمريكية في أي من الانتهاكات المبلغ عنها « . لكن مديرة « الأزمات الدولية »، وهي ( كما العفو الدولية أو هيومن رايتس ووتش) منظمة لا يمكن اتهامها بمعاداة الحكومة الأمريكية، أن حَجْم ومهمات ونشاطات القوات الخاصة، والوحدات الأخرى للجيش الأمريكي بإفريقيا تفتقر إلى الوضوح والشفافية، بالإضافة إلى التّورّط المُتكرّر في عمليات قتل المَدَنيّين…

 

ارتفاع المخاطر ضد شعوب المغرب العربي:

إن المغرب العربي محشور إلى حد ما بين أوروبا ، القوة المستعمرة السابقة ، وخاصة فرنسا ، ومنطقة الصحراء، ففي البحر الأبيض المتوسّط يوجد الأسطول السادس الأمريكي والقواعد العسكرية الضخمة الأطلسية والأمريكية بإيطاليا، والتي انطلقت منها الطائرات الأمريكية والصهيونية للعدوان على تونس (01 تشرين الأول/اكتوبر 1985) وليبيا والسّودان، منذ منتصف عقد ثمانينيات القرن العشرين، بينما تتعرض الجزائر إلى محاولات التقسيم، في إطار “برنامج الشرق الأوسط الكبير” (أو الجديد)، كما يحصل في سوريا والعراق والسّودان وليبيا، وكذلك في إطار برنامج “أفريكوم” العسكري الأمريكي…

منذ 1805، استهدفت البحرية الأمريكية سواحل المغرب العربي، وقصفت سواحله من طرابلس إلى الجزائر، مرورَا بتونس، بين 1805 و 1815، بذريعة “مكافحة القَرْصَنة”، التي استبدلها برنامج أفريكوم ب”مكافحة الإرهاب”، وما أشبه اليوم بالبارحة، وما أشبه المخططات التخريبية الأمريكية باتفاقيات “سايكس – بيكو” (1916) لتقسيم المشرق العربي، وذكرنا في فقرة سابقة التهديد الذي أطلقه سنة 2011، في اجتماع رسمي للجامعة العربية، وزير خارجية قطر (نصف أراضيها تحتلها إحدى قاعدتين عسكريتين أمريكيتين) ضد وزير الخارجية الجزائري مباشرة بقوله: “سيأتي دور الجزائر قريبًا”، وبعد عشر سنوات، نلاحظ أن الجزائر (كدولة ووطن وشعب) مُستهدفة بشكل خاص، ضمن منطقة المغرب العربي التي ازدادت أهميتها في الإستراتيجية الإمبريالية الأمريكية، وفي إستراتيجية حلف شمال الأطلسي (ناتو) والإمبريالية الأوروبية.

قام وزير الحربية الأمريكي، بنهاية أيلول/سبتمبر وبداية تشرين الأول/اكتوبر 2020، بزيارة ثلاث بلدان مغاربية (بالترتيب: تونس والجزائر والمغرب)، لتوقيع عدة اتفاقيات عسكرية واقتصادية، وتجارية، فيما يجري تحديث برنامج “أفريكوم” لإدماج المنطقة المغاربية بشكل أفضل في هذه الاستراتيجية الأمريكية “الجديدة” ، لمنافسة القوى الأخرى، ولا سيما الصين، وألحّت وسائل الإعلام الأمريكية، على العلاقة بين تطوير البرنامج العسكري (أفريكوم) وزيارة وزير الحرب الأمريكي، حيث سيتم إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية ثانية في طانطان بالمغرب، وربما قاعدة أخرى في الجزء المحتل من الصحراء الغربية، كما توجد في جنوب تونس (على الحدود مع ليبيا والجزائر) قاعدة عسكرية أمريكية للمراقبة ولإطلاق الطائرات الآلية، بحسب وسائل إعلام أمريكية.

إن الجزائر مستهدفة ، رغم التعاون مع الجيش الأمريكي ومع حلف شمال الأطلسي، ورغم المشاركة ، بصفات وأشكال مختلفة، في مناورات عسكرية بالبحر الأبيض المتوسط، إلى جانب الجيش الصهيوني، بحجة التدريب على عمليات الإنقاذ في البحر.

قدّرت وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية عدد جنود حلف شمال الأطلسي وأوروبا والولايات المتحدة بإفريقيا، بنحو خمسين ألف جندي (وعدد الجنود ليس أهم من وجود الآليات والأسلحة وأجهزة المراقبة )، منهم حوالي ثلاثين ألف جندي في المناطق المحيطة بالصحراء الكبرى، أي قريبًا من المغرب العربي، الواقع بين المحيط الأطلسي ، الغني بالأسماك والهيدروكربونات، والبحر الأبيض المتوسط، ذي الموقع الغستراتيجي، ​​والصحراء الغنية بالمعادن وذات الموقع الإستراتيجي أيضًا، وتود أوروبا (خاصة فرنسا) بقاء المغرب العربي تحت سيطرتها، بواسطة اتفاقيات الشراكة التي تعكس أحد جوانب التبادل غير المتكافئ بين “المركز” و “الأطراف”، أما الولايات المتحدة فقد صَمّمت، منذ العام 2002، برنامجًا عابرًا للصحراء يمتد من موريتانيا إلى البحر الأحمر، ولتبرير تواجدها العسكري، دعمت الولايات المتحدة تهريب المخدرات والسجائر والهجرة إلى أوروبا، وكلما زاد الحضور العسكري والمراقبة، زاد حجم التهريب والجريمة المنظمة والإرهاب العابر للصحراء…

يُستخدم برنامج أفريكوم في الأغراض العسكرية، وكذلك لمنافسة الصين التي ضاعفت تجارتها مع إفريقيا بعشرة أضعاف، خلال عشر سنوات، لتصل استثماراتها إلى 200 مليار دولار في إفريقيا، ما حدا بالرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى إعلان عن برنامج اقتصادي مدته عشر سنوات بقيمة 400 مليار دولار، وهذا المبلغ ليس مساعدة لاقتصاد إفريقيا، وإنمالمشروع كبير يدعم الشركات الأمريكية في مجالين معينين: البنية التحتية (الموانئ والسكك الحديدية والطرق …) والطاقة.

إن جميع المخططات الأمريكية والأوروبية بالمغرب العربي وإفريقيا (كما في غيرها من مناطق العالم)، هي برامج تعكس وتُعمّق التبعية والتبادلات غير المتكافئة بين المركز الإمبريالي والبلدان الخاضعة للسيطرة أو المستعمَرات الجديدة، ويقع تطبيق هذه الاتفاقيات الاقتصادية، بالتوازي مع الوجود العسكري الذي يشكّل خطرًا مباشرًا على منطقة المغرب العربي، كبوابة لإفريقيا، خاصة منذ العدوان على ليبيا وتقطيع أوصالها، فالأسلحة المنهوبة من ثكنات الجيش الليبي (بتشجيع من الغزاة الأوروبيين والأمريكيين والأطلسيين، إلخ) تنتشر بين الجماعات الإرهابية، حول الصحراء، في النيجر والكاميرون ومالي ونيجيريا، ولكن أيضًا في سوريا و العراق .. لقد تم إنشاء منظمات إرهابية ، مثل بوكو حرام ، التي تهاجم المسلمين فقط، فيما  تمسك الولايات المتحدة بالخيوط التي تُحرّك الدّمى…

ينتشر البُؤس والفقر، بالتوازي مع انتشار القواعد العسكرية الأجنبية ، ففي منطقة الصحراء الكبرى، كان هناك حوالي 16 مليون شخص تحت خط الفقر (1,9 دولار في اليوم للفرد)، سنة 2018، قبل انتشار وباء “كوفيد 19″، وارتفع الرقم، لكن لم تُنشر البيانات بعدُ، ولا يكمن دور الإمبريالية في حل مشاكل الفقر والبطالة، بل في احتلال أراضي الفُقراء عسكريًا ، ونهب ثرواتهم.

 

خاتمة:

تمتلك قارة إفريقيا حجمًا كبيرًا من الثروات الطبيعية، ومساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، ومن المياه ومن الغابات، لكن تتعرض القارة للنهب وتهريب الأموال إلى الخارج، إذ تقدر النسبة المائوية من الثروات التي يُهرّبها الأثرياء من أوروبا بنحو10% من إجمالي ثروة أوروبا، فيما ترتفع النسبة إلى 30% من ثروة إفريقيا، ما جعل الدّول الإفريقية تفقد أكثر من تريليون دولارا من ثرواتها، خلال ثلاثة عُقُود (أي أكثر من حجم الديون البالغ 600 مليار دولارا)، ووقع تهريب هذه الثروات إلى مصارف الدول الإمبريالية، وإلى الملاذات الضريبية، وهي مَحْمِيّات أوروبية وأمريكية، وهذا أحد أسباب ارتفاع نسبة الفقر والبطالة في إفريقيا الغنية بالموارد، وبعض المعادن النادرة، أو النفيسة، وأوردت وكالة « بلومبرغ » (05 أيلول/سبتمبر 2019) أن قارة إفريقيا تُنتج نحو 50% من حجم الماس العالمي، وتمتلك 95% من الإحتياطي العالمي، وتُنتج 70% من الذهب، و33% من النحاس، و76%  من الكوبالت، وتنتج نحو 75% من معدن البلاتين، وتمتلك 90% من الإحتياطي العالمي، وتنتج حوالي 20% من إجمالي الإنتاج العالمي لليورانيوم، وبها ثلث الإحتياطي العالمي، واليورانيوم معدن ضروري للصناعات النووية، وتعتبر النيجر من كبار المنتجين (تستغله فرنسا)، لكن البلاد وشعبها من أفقر بلدان وشعوب إفريقيا، وتبلغ الاحتياطات النفطية لإفريقيا، نحو 10% من الاحتياطي العالمي، خصوصًا في نيجيريا وليبيا والغابون وغينيا الاستوائية، وقدر احتياطي نفط إفريقيا بنحو 124 مليار برميل (بيانات سنة 2017)، أو ما يُعادل 12% من إجمالي الإحتياطي العالمي، بالإضافة إلى حوالي مائة مليار برميل في المياه البحرية الإقليمية، وكميات هامة من الغاز الطبيعي، وقع اكتشافها خلال السنوات الأخيرة بشواطئ شرق إفريقيا، كما تتميز إفريقيا بمناخ متنوع وبوفَرَة المياه، ما ساعد على ممارسة النّشاط الزراعي، وتنتج إفريقيا أخشابًا عالية الجودة، بفضل كثرة الغابات، في وسط إفريقيا (الكامرون جمهورية إفريقيا الوُسْطى وغينيا الإستوائية، والغابون والكونغو…)، ونظرًا لطول الحدود البحرية، وكثرة الأنهار والبُحَيْرات، يُساهم قطاع صَيْد السّمك بتوفير الدّخل لما لا يقل عن عشرة ملايين مواطن إفريقي، وتُصدر القارة أسماكًا بقيمة ثلاثة مليارات دولارا سنويًّا، في المتوسّط، خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين…

رغم هذه الثروات، تفتقر معظم دول إفريقيا إلى البنية التّحتية، وإلى المستشفيات، وغير ذلك، وتُقدّر احتياجاتها بنحو 100 مليار دولار سنوياً في البنى التحتية.، ويعيش نصف فقراء العالم في إفريقيا، ويُعاني ثلث سكان إفريقيا من الجوع،  بحسب البنك العالمي (2019)، وتفتقر قطاعات كبيرة من السكان لمياه الشُّرْب، ويموت نحو خمسمائة ألف طفل سنويا (دون سن الخامسة)، بسبب نقص وسوء التغذية، فيما أكدت منظمة « أوكسفام » على عدم المساواة في توزيع الدخل والموارد، وعلى انخفاض مستويات المعيشة، في أغلب مناطق القارة الإفريقية، ما يمثل عقبة كبيرة في تخفيض معدلات الفقر، بسبب انتشار الفساد، والحُروب، التي تُمَوّلُها الشركات الأجنبية المُسَيْطِرَة على المناجم والثروات الطبيعية للقارة…

يُبرهن حجم أزمة النظام النيوليبرالي، (أزمات اجتماعية وبيئية واقتصادية وصحّية…) على فشل التصميم الإمبريالي للعلاقات الدولية، وتُعد أفريقيا القارة الأكثر تضررا من التبادل غير المتكافئ بين الشمال الإمبريالي والجنوب الخاضع للسيطرة. لا يمكن لأفريقيا أن تستغل ثروتها وتتطور دون إلغاء الديون، المقدّرة قيمتها بنحو 600 مليار دولارا، واتفاقيات الشراكة، وإلغاء الفرنك الأفريقي (أو “إيكو” الذي عَوّضَهُ)، وإغلاق القواعد العسكرية الأجنبية، ووضع حد للإحتلال، مع إلغاء اتفاقيات الشراكة، وإعادة الأموال والثروات المنهوبة، لتستفيد منها الشعوب، لكن هذه المطالب المشروعة لن تتحقق بدون كفاح مستمر ضد الإمبريالية، وأنظمة الحكم والطبقات التي تُمثلها وتمثل مصالحها في بلدان إفريقيا أو غيرها.

تضاعف حجم ديون بلدان إفريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، بين 2008 و 2018، بحسب صندوق النقد الدّولي (نيسان/ابريل 2018)، فيما انخفضت أسعار المواد الأولية التي تُصدِّرُها الدول الإفريقية، وانخفض حجم احتياطي العملات الأجنبية وتحويلات العمال المهاجرين إلى بلدانهم وأُسَرِهم بإفريقيا.

من جهة أخرى، تستنزف الأموال المُهرّبة والدّيون (وخدمة الدّيون) اقتصادات البلدان الإفريقية، وخصوصًا البلدان العربية الإفريقية، ومنها مصر والجزائر والمغرب، بالإضافة إلى نيجيريا التي تحتل المرتبة الأولى، وما الأموال المُهَرّبة والدّيون سوى حلقات من شبكة فساد واستعمار غير مباشر، وتتضمن هذه السّلسلة (أو الشبكة) أزمة الديون والبيئة وزيادة الفقر والنزاعات، وتهجير السكان، وكذلك الاتفاقيات التجارية غير المتكافئة التي لا تدخل ضمن اهتمامات الإتحاد الأفريقي، ولا الأنظمة الإفريقية، ولذلك يتوجّب فرض إلغاء الدّيون من خلال النضالات والمقاومة الشعبية، من أجل استفادة المواطنين من الثروات الهائلة المتوفرة، والتي تنهبها الشركات الأجنبية، بدعم من الدّول الإمبريالية التي نَصّبت ودعمت حُكّامًا عُملاء وفاسدين، وأنشأت طبقة برجوازية طُفَيْلِيّة مُرتبطة بالإمبريالية وبشركاتها، لتلعب دور الوكيل لمصالح شركات النفط والمعادن والأخشاب، وشركات الشّحن واستغلال الموانئ، وغيرها…

أما الحُلُول فهي مُشتركة بين كافة البلدان الواقعة تحت الهيمنة (بُلدان « المُحيط »، أو « الأطراف »)، وتتمثل في سيطرة المجتمعات المحلية والعاملين على موارد البُلدان، وتأميمها، وتطوير استغلال الموارد، من أجل تحقيق التنمية الشاملة، بحماية العاملين والكادحين والفُقراء، وتكامل اقتصاد الدّول المتجاورة، عبر تكثيف التجارة البَيْنِيّة، وتطوير البُنْيَة التحتية لربط البُلدان بالطرقات وسكك الحديد، وتكثيف التعاون مع بلدان آسيا وأمريكا الجنوبية، كبديل عن هيمنة الشركات العابرة للقارات، وعن هيمنة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي…

إن ما ينطبق على إفريقيا، ينطبق على الوطن العربي، الغني بالموارد الطبيعية كالنفط والغاز، والواقع تحت هيمنة الإمبريالية وعملائها، بالإضافة إلى الوضع الخاص لشعب فلسطين، حيث يتم تحرير فلسطين، من الإحتلال الصهيوني، بالتوازي مع تطهير الوطن العربي من الهيمنة الإمبريالية وعملائها، من الحُكّام الذي يَعْسُرُ وصْفُهُم بالعرب، فهم صهاينة، وعرب أمريكا…

كان تحول “منظمة الوحدة الإفريقية” إلى “الإتحاد الإفريقي” مشروعًا ليبيًّا بالأساس، يهدف إنشاء مؤسسات سياسية ومالية مُسْتقِلّة عن صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي، ولكنه لا يقطع مع الرأسمالية، وكان هذا المشروع سببًا رئيسيًّا للإطاحة بالنّظام الليبي، وتخريب البلاد وتقسيمها إلى إمارات تُسَيِّرُها القوى الأجنبية التي تستغل الثروات الهائلة للبلاد، وشكّل العدوان على ليبيا، منذ شهر آذار/مارس 2011، مرحلة جديدة لتوسيع الهيمنة الإمبريالية على هذه المنطقة الإفريقية المُمتَدّة من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي، ومن البحر الأبيض المتوسط إلى خط الإستواء…

لا يُتَوَقَّعُ أن تُغادر القوات الفرنسية منطقة “الساحل” الإفريقي وغرب إفريقيا (مهما كان اللّون السياسي للحكومة وللأغلبية النيابية) لأن ذلك يعني تغييرًا جذريا في السياسات الفرنسية المُتوارَثَة منذ بدايات مرحلة الإمبريالية، والتي تُساهم في دَعْم الإقتصاد الفرنسي، وإفقار شُعُوب إفريقيا، من خلال تثبيت وحماية أنظمة رجعية كمبرادورية (تخدم مصالح الشركات والقوى الأجنبية)، ومن خلال خَلْقِ بُؤَر عُنف وإرهاب، تُبَرِّرُ استمرار التواجد العسكري والقواعد العسكرية الفرنسية، واستمرار الهيمنة مُتعَدّدة الأشكال.

المصادر الأساسية: موقع “أفريكوم”، ومتابعة لبرقيات ثلاث وكالات: “أسوشيتد برس” و “رويترز” ووكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب.) من آذار/مارس 2016 إلى 07 شباط/فبراير 2021، بالإضافة إلى وكالة “بلومبرغ” الأمريكية، وبعض وثائق مراكز البحوث ومواقع وسائل الإعلام الأمريكية بشكل غير منتظم…

الطاهر المعز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *