تونس 2021، اقتصاد هش وقمع شديد. هل استفاد الفُقراء من “الديمقراطية” التي نتجت عن انتفاضة 2010/2011 ؟ الطاهر المعز

 احتيجات  شباب تطاوين

تونس 2021، اقتصاد هش وقمع شديد. هل استفاد الفُقراء من “الديمقراطية” التي نتجت عن انتفاضة 2010/2011؟

الطاهر المعز

استفحلت الأزمة الإقتصادية وتوسّعت شريحة المُتضرّرين لتشمل فئات متوسّطة الدّخل، بالتوازي مع عودة قمع الحريات الفردية والجَمْعِية (العامة)، والتعذيب الذي وصل حدّ القتل أثناء الإعتقال، بدعم من أجهزة الدّولة التي مكّنت قوات الأمن من مداهمة المساكن واستخدام السلاح لقمع وإصابة المتظاهرين وتعذيب المعتقَلين، مع التمتع عناصر الشّرطة بحصانة شاملة، فلا تَتَبُّع ولا عقاب، بل حدث أن اقتحمت قوات الشرطة المُسلّحة المحكمة وهدّدت القُضاة ، لمّا تعلّق الأمر بالتحقيق مع ضابط شرطة، ولم تحْمِ الدّولة القُضاة ولا المُحامين ولا المُعارضين الذين وقع اغتيالهم، أمام منازلهم، في وضح النّهار (شكري بلعيد ومحمد البراهمي)…

بعد عشر سنوات، سيطر الإخوان المُجرمون (حزب الإخوان المسلمين “النهضة”) على دواليب الدّولة، اعتمادًا على القمع السّافر وعلى الإعلام المأجور وعلى أحزاب بلا عقيدة ولا برنامج، سمحت انتهازيتها لرئيس مجلس النّواب، راشد الغنوشي (أحد أقطاب الإخوان المسلمين على مستوى دولي) بالتّصرّف كرئيس فِعْلِي للسّلطة التشريعية (البرلمان) والتّنفيذية (الحكومة) وزعيم مليشيات مُسلّحة، كما مَكّنت أتباع الرئيس الأسبق “زين العابدين بن علي” من استغلال الوضع والعودة بقوّة، وكأن الشعب لم يُزِحْهُم من الحُكم، سنة 2011، وفتح الإعلام المأجور ورؤوس الأموال المشبوهة الباب على مصراعيه، من أجل عودة الدّساترة إلى الحياة السياسية، عَلَنًا، بعد المُصالحة الإقتصادية مع اللصوص والفاسدين، التي فرضتها “النهضة” وجناح الدّستوريِّين البورقيبيين، سنة 2013…

أما خارج مؤسسات الدّولة التي يتقاسمها ائتلاف رجعي انتهازي، فقد توسّعت رقعة الإحتجاجات لتشمل شرائح لم تتميّز بمعارضة النّظام القائم، تمتد من الأطباء إلى صغار الفلاّحين، وظهر ذلك بجلاء في الذّكرى العاشرة للإنتفاضة، وجابهت حكومة الإخوان المجرمين هذه الإحتجاجات بقمع شديد واعتقال ما لا يقل عن 1600 شخص، خلال أُسْبُوعَيْن، وقمع التظاهرة المُخَلِّدَة لذكرى اغتيال “شكري بلعيد”، يوم 06 شباط/فبراير 2021، ومنع سكان الضواحي والمُدن الأخرى من الوصول إلى العاصمة، مقابل تسخير أمكانيات مالية ضخمة، والعديد من الحافلات والسيارات والقطارات، والآلاف من عناصر الشرطة لتسهيل التنقل والمشاركة في التظاهرة التي نظّمها الإخوان المسلمون (الحزب الأكبر حجمًا والأكثر ثراءً بتونس) يوم 27 شباط/فبراير 2021 “دفاعًا عن الدّولة” وهدّد رئيس مجلس شورى الإخوان المسلمين بنشر المليشيات المُسلّحة للدّفاع عن المؤسسات التي استحوذ عليها حزبه، وبالفعل اعتدى عناصر هذه المليشيات على الصحافيين والصحافيات، تحت حماية الشرطة للمُعتدين، بينما اعتادت عناصر الشرطة، خلال نفس اليوم على المُشاركين في مسيرة مُصابي انتفاضة 2010/2011، واعتقلت بعض المُشاركين في التظاهرة… هذه صورة مُختَزَلَة عن الوضع الحالي بتونس.

 

 ماذا تَبَقّى من أحلام انتفاضة 2010/2011؟   

الوضع الإقتصادي:

نشرت وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب. ) يوم 11 آذار/مارس 2021 خبرًا عن تخفيض وكالة “موديز” ترتيب تونس، لتُصنّفها على حافة الإفلاس، ما يُعسّرُ الإقتراض، وما يرفع نسبة فائدة الدّيون، كما نشرت الوكالة خبر المفاوضات بين حكومة تونس وصندوق النّقد الدّولي، وأشارت إلى شُروط الصّندوق التي يُسمِّيها “إصلاحات”، ونُشرت في بيان للصندوق يوم 26 شباط/فبراير 2021، منها خفض الإنفاق الحكومي، وخفض العجز المالي، عبر إلغاء دعم الطاقة، وتجميد التّوظيف، وحجم الرواتب، أي التّراجع عن الإتفاق مع اتحاد نقابات الأُجَراء، لتشغيل عشرة آلاف مواطن وزيادة الرواتب، لتدارك تراجع قيمتها بفعل ارتفاع الأسعار، مع الإشارة إلى حصول الدّولة، المُهَدّدة بالإفلاس، على قَرْضِ عاجل من الصندوق “لمكافحة وباء كورونا”.

استغلّ صندوق النّقد الدّولي تقرير وكالة موديز السّلبي ( 23 شباط/فبراير 2021) وخفض التقييم السيادي للبلاد، وتصنيفها ضمن الدول عالية المَخاطر (بالنسبة للمُقْرِضِين)، ليطالب الحكومة بالإسراع في تنفيذ “الإصلاحات”، بينما تتخوف الحكومة والأغلبية النيابية التي تدعمها من اتساع نطاق احتجاجات الفُقراء إلى الفئات الوُسطى.

لا تختلف تقارير صندوق النقد الدّولي أو وكالات التصنيف الإئتماني (مثل وكالة “موديز” و”ستاندارد أند بورز” و”فيتش”، وهي وكالات خاصة، أمريكية، تتمثل مهمّتها في خدمة مصالح الدّائنين، وتوجيههم وإرشادهم) من حيث تَوْصِيف الوضع، عن تقارير الحكومة أو المصرف المركزي أو المعهد الوطني للإحصاء، فمصدَرُ الأرقام واحدٌ، لكن الحكومة تبحث عن توسيع هامش المناورة لتمويل الميزانية، عبر الإقتراض، دون تصعيد الأزمة الإجتماعية، ويستغل خُبراء صندوق النقد الدّولي الوضع الهش، لتحذير الحكومة من بلوغ مرحلة العجز عن تسديد القروض، أي مرحلة الإفلاس…

تنعكس “تحذيرات” صندوق النقد الدّولي مباشرةً على حياة المواطنين، لأن الدّائنين يفرضون شروطهم، ومنها رفع الفوائد، وارتفاع خدمة الديون الخارجية التي تضطر الدولة التونسية لاقتراضها، ليس بهدف استثمارها في مشاريع إنتاجية، وإنما لسدّ عجز الميزانية، ولتسديد القُروض السابقة وفوائدها التي ما انفكّت ترتفع، ويؤدّي تقرير “موديز” إلى إضعاف الحكومة التونسية وتقوية صندوق النقد الدّولي الذي أكد ناطق باسمه (01 آذار/مارس 2021) “وجوب تنفيذ الإصلاحات وإلغاء الدّعم وخفض حجم الرواتب وتشجيع مناخ الإستثمار، وخصخصة القطاع العام…”، أما التّأثير المُباشر على المواطنين فيتمثل في انخفاض قيمة العُمْلة المحلّية (أي ارتفاع الأسعار) وزيادة الضرائب المباشرة (على الدّخل) وغير المباشرة (على الخدمات والإستهلاك)، أي زيادة تدهور وضع الأُجراء والمُنتِجِين، والفُقراء، بشكل يفوق الفترة 2016 – 2020، حيث اقترضت الدّولة 2,8 مليار دولارا، بشروط مجحفة، زادت الوضع سوءًا عن الفترة السابقة التي وقع خلالها تأخير سن تقاعد الأُجَراء وتجميد التوظيف لمدة أربع سنوات، في إطار برنامج تقشف صارم، لكن الصندوق يفرض برنامجًا أكثر صرامة، بداية من سنة 2021، وهو ما يُلاحظ في مشروع الميزانية ( نتطرق له في فقرة لاحقة)، ويصرف الصندوق قُرُوضَهُ على أقساط، بعد تقييم شامل لكل مرحلة، لزيادة الضغط على الحُكومات المُقترِضَة، وسبق أن عَلَّقَ تسديد قسط لتونس، سنة 2019، بقيمة 1,1 مليار دولار، لأن الصندوق وُجِدَ ليخدم مصالح الدّائنين والدّول ذات التأثير في مجلس إدارته، والشركات الإحتكارية التي تريد غزو الأسواق واستنزاف موارد وثروات كافة الدّول بأقل التكاليف، ويتم لها ذلك، عند تراجع دور الدّولة في تعديل السوق، وخلق توازن بين الأسعار ومُتوسّط دخل المواطنين…

Stephanie Williams, enviada especial para la misión de la ONU en Libia

وباء الفيروس التاجي (كورونا)، عامل مُسرّع للأزمة:

كانت العديد من الشركات ( في تونس كما في بلدان أخرى) تُعاني أزمة تسويق إنتاجها، قبل تفشي وباء “كوفيد 19″، بسبب فَقْر المواطنين وانخفاض دخلهم وتخصيص الحصة الأكبر من الدّخل لشراء الحاجات الأساسية والضّرورية، وشكل انتشار الفيروس التاجي (كورونا) فُرصةً لطلب المال العام من الحكومة لإنقاذها من الإفلاس، لِيُصبح إنفاق المال العام لإنقاذ الشركات الرأسمالية الخاصة، أمرًا مُعتادًا، بل راسخًا في أذهان المواطنين، خاصّةً منذ أزمة 2008/2009، بذريعة تفادي تحَوُّل التّراجع الإقتصادي إلى كساد، وبذريعة مساعدة الشركات الخاصة على خَلْق وتوليد الثروة، خدمةً لمصلحة جميع المواطنين، بحسب صحيفة “تايمز” البريطانية، إحدى الصّحف الناطقة باسم الإتجاهات النيوليبرالية (19 آذار/مارس 2020)، ولا يختلف خطاب الإخوان المسلمين بتونس (كما بمصر أو المغرب أو غيرها ) عن هذه الإيديولوجيا الرأسمالية النيوليبرالية، كما لا تختلف ممارساتهم عن ممارسات أي طبقة أو فئة رأسمالية ( كمبرادورية أو تجارية ) رجعية، داعمة لمصالح الأثرياء، ومناهضة لمصالح الكادحين والفُقراء، فاحتل رُموز التجارة والمُضاربة وسائل الإعلام، أثناء فترة الحبس المنزلي ليصدّعوا آذان المواطنين المُحتَجَزِين في بيوتهم (الضّيّقة في معظمها) بعجزهم عن المساهمة في أي مجهود وطني لدعم الفُقراء، واختلقوا تضحيات وهمية لتبرير طلباتهم التي تتلخص في ضرورة التّعجيل بضخ المال العام لإنقاذ شركاتهم من الإفلاس، وأقرّت الحكومة (حكومة إلياس الفخفاخ) يوم 21 آذار/مارس 2020، إجراءات بقيمة 2500 مليون دينار، “لمواجهة الأزمة”، وتنازلت الحكومة عن ديون جبائية ( تَهرّب ضريبي) للشركات الكبرى بقيمة عشرة مليارات دينار (أكثر من 20% من قيمة ميزانية الدّولة)، وهي نفس الشركات التي استفادت من المال العام بقيمة حوالي ثلاثة مليارات دينارًا سنويا، منذ 2011، ما يُعتبَرُ دعما للفاسدين واللصوص، بالإضافة إلى مِنَح وإعفاءات أخرى عديدة، بدون شُرُوط، منها ضمان الدّولة لقروض بقيمة خمسمائة مليون دينار، حمايةً لمصالح هذه الفئة من البرجوازية الطُّفَيْلِيّة التي لا تُفيد البلاد بشيء، بل تسبّبَ نهبها لموارد البلاد (بدعم من الحكومات المتعاقبة، منذ عُقُود) في عجز ميزانية الدّولة، ولم يتجاوز نصيب الفئات الأخرى من الدعم الحكومي (على الورق) 150 مليون دينارًا، وقع تخصيصها لنحو 660 ألف أُسْرة فقيرة، وهو مبلغ لا يكفي لشراء الأقنعة ووسائل الوقاية والنظافة، ونحو ثلاثمائة مليون دينارًا لحوالي 1,5 مليون من العاملين الذين اضطروا إلى التوقف عن العمل، كُلّيًّا أو جُزْئيًّا، ولم تكن مساعدات العمال المُحالين على البطالة الفنية سوى دعمًا ماليا  للشركات التي أعْفَتْها الدّولة من تحمّل قسط من رواتب العمال خلال فترة الحجر الصحي، ولم يتم نشر أي تقويم أو متابعة لعدد المُعَطّلِين قَسْرًا، ولا لطريقة إنفاق هذه المبالغ أو المُستفيدين الحقيقيين منها، فيما اضطر حوالي مليون عامل لمواصلة العمل في ظروف صحية خطيرة، خاصة في المؤسسات العمومية التي لم تشملها مُساعدات الدّولة من المال العام، كما في الشركات الصغيرة التي تُنتج سلعًا وخدمات للسوق المَحلّية.

أظهر انتشار وباء “كوفيد – 19” الإنحياز المكشوف لجهاز الدّولة وللإخوان المسلمين إلى الشركات والمتاجر الكبرى والمصارف، وفئات البرجوازية الكُمبرادورية (وكيلة المصالح الأجنبية بالبلاد)، ومنحتها المال العام، مع الإعفاء من الضرائب وشجعتها على التهرب الضريبي وسرقة أموال الشعب، مقابل تجميد رواتب الأُجَراء، واقتطاع جزء منها بشكل قَسْرِي ( بدعم من قيادات الإتحاد العام التونسي للشغل، باسم “الوحدة الوطنية” و”التضامن الوطني”)، وزيادة الضرائب على الأُجُور والضرائب غير المباشرة على الإستهلاك، وخصخصة القطاع العام، تنفيذًا “للإصلاحات” التي فَرَضَها صندوق النّقد الدّولي، لتقتصر مهمة الحكومة في القمع وفي توزيع ما تبقى من الثروة على أثرى الأثرياء، بعد تسديد الدّيون الخارجية وفوائدها المرتفعة…

بعد إعلان الحجر الصحي (أواخر شهر آذار/مارس 2020) لم يتمكّن الفُقراء والعمال المياومون (العاملون باليوم) والعاملون بالقطاع الموازي أو في الشركات الصغيرة، ومجمل الفئات الهَشّة، من البحث عن الرزق اليومي، فيما تأمرهم الحكومة بملازمة بيوتهم، دون الإهتمام باحتياجاتهم اليومية من الغذاء، أو بإيجار المسكن وثمن استهلاك الماء والكهرباء، الذي ارتفع بحكم بقاء جميع أفراد الأُسَر بالبيوت، لم تُسجّل الدّولة حُضُورها سوى عبر انتشار قوى الأمن المسلحة التي ارتفع حجم تجاوزات عناصرها، منذ تأسيس نقابات تجاوز نفوذها جهاز القضاء، أما من أُصيب من المواطنين الفُقراء فلم تشمَلْهُ الرعاية الصّحّيّة بسبب تدهور خدمات الصحة العمومية، بالإضافة إلى حوالي مليون مواطن محروم من مظلّة التّأمين الإجتماعي والتّأمين الصّحّي، والفئات الهشة المحرومة من المسكن اللائق ومن الصّرف الصّحّي ومياه الشُّرْب والكهرباء، ومن الخدمات الأساسية، بحسب تقرير نشره المعهد الوطني للإحصاء بالتعاون مع البنك العالمي، بعنوان “خارطة الفقر في تونس”، أيلول/سبتمبر 2020.

ساهم الحجر الصحي بتونس في إضافة ما لا يقل عن 250 ألف مُعطّل جديد عن العمل، خلال الفترة من منتصف آذار/مارس إلى نهاية نيسان/ابريل 2020، بحسب البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة (17 حزيران/يونيو 2020)، فيما أشار تقرير المنتدى التونسي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية (حزيران/يونيو 2020) إلى ارتفاع حجم الإحتجاجات الإجتماعية، بسبب فقدان موارد الرزق والتسريح من العمل وإغلاق المؤسسات، وتسبب الحجر الصّحّي المفروض على الفُقراء، دون أي مُساعدة، في تعميق الفَجْوَة الطبقية، وفي الوَعْي بانحياز النّظام الذي يُسيطر عليه الإخوان المسلمون إلى الأثرياء والفاسدين واللصوص، وقد تكمن جذور وأُسُس احتجاجات 2021 في تَرَاكُمِ هذا الشعور بالظلم الطبقي الذي تُشرف عليه مؤسسات الدّولة…

En Tunisie, la crise économique a rattrapé la révolution

ميزانية 2021، أو “القادم أسْوَأ”

تأثّر اقتصاد تونس كما معظم الدّول الرأسمالية والتّابعة بانتشار وباء كورونا، وإغلاق الحدود وتوقف النشاط الصناعي وحركة النّقل والتجارة، وغير ذلك، لكن، كما ذكرنا في فقرة سابقة، لم يكن الوباء سوى عامل مُحفّز أو مُسَرّع ( catalyst ) حيث تدَهْوَرَ الوضع الإقتصادي (مقارنة بسنة 2010) طيلة سنوات حُكم الإخوان المسلمين وحلفائهم، وأصبح الوضع كارثيًّا، خاصة للفقراء والعاملين بالقطاع الموازي أو بشكل متقطّع، عند انتشار الوباء، وإعلان الحجر الصحي والحبس المنزلي، بدون توفير أي حماية، لكن مشاغل هذه الفئات الهشّة ليست في جدول أعمال الإخوان المسلمين ولا الإئتلاف الذي يَقُودُونَهُ، فكانت الأزمة مُستمرة، وتحولت سنة 2020 إلى كارثة، ما يُفسّر لجوء فئات عديدة (منها فئات متوسطة الدّخل) إلى الإضرابات والإحتجاجات والإعتصامات، في عدد من القطاعات ومن مناطق البلاد.

اتسمت سنة 2020 بارتفاع عجز ميزانية الدولة من 3% كانت مقرّرة من قِبَل صندوق النّقد الدّولي إلى 13,4% في الواقع، وبتراجع النمو الإقتصادي (نمو سلبي للناتج المحلي الإجمالي) بنسبة 7,3% وتراجع قيمة الصادرات بنسبة 11,7 % والإستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 14,2% وشمل التراجع قطاعات الصناعة والخدمات والطاقة، وخفضت الدّولة نفقاتها بنسبة 14%، وأدّى هذا التراجع إلى ارتفاع النسبة الرّسمية (التي تُعلنُها الحكومة) للبطالة إلى 16,2% ومعدل الفقر الرسمي إلى 15,2% على أن ترتفع نسبة الفقر إلى حوالي 20% سنة 2021، والتحاق نصف مليون مواطن بصفوف الفُقراء، وترى الحكومة (كما صندوق النقد الدّولي) الحل في رفع حجم الدّيون لتقارب نسبتها 100% من إجمالي الناتج المحلي (أي من حجم اقتصاد البلاد) وفي الضغط على النفقات العمومية، وإلغاء دعم الحبوب والمحروقات وغيرها من السلع الأساسية، وتحميل الفُقراء والأُجَراء وصغار الفلاحين والمُنتِجِين وِزْرَ الأزمة، بزيادة الضرائب على الفُقراء والأُجَراء (ضرائب مباشرة وغير مباشرة)، وعلى هذا الأساس، تمّت مُصادقة أغلبية النّواب (إخوان مُسلمون وجناح من الدّستوريين ورجال الأعمال) على قانون المالية لسنة 2021، يوم العاشر من كانون الثاني/ديسمبر 2020…

تحتاج ميزانية الدولة لسنة 2021، إلى حوالي 18,5 مليار دينار من القُروض، أو حوالي ستة مليارات دولارا، وهو مبلغ مرتفع، مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، ولن يتجاوز قرض صندوق النقد الدّولي مليارَيْ دولار، وإذا كان تصنيف اقتصاد البلاد (من قِبَل وكالة “موديز”) سلبيّا فإن الدّائنين يفرضون فوائد مرتفعة وشُرُوطًا أكثر إجحافًا، ما يُشكل عائقًا لتخطيط الإقتصاد وللإستثمار من أجل خلق الثروة، وما يوَجّه موارد البلاد لِسَدّ العجز المُستمر للميزانية، ولتسديد القُروض الخارجية وفوائدها التي تُمثل حوالي 30% من حجم ميزانية 2021، لتبقى البلاد في حالة تبعية متزايدة للدّائنين، ما يُخفّض بالضّرورة الحصّة المُخصّصة للإستثمار في التنمية (إذا افترضنا توفُّرَ نِيّة الحكومة للإستثمار في التنمية)، وعلى أي حال فلن تصل نسبتها إلى 6% من الناتج المحلّي الإجمالي…

تعتزم الحكومة زيادة الإيرادات الجبائية، سنة 2021، بنسبة  حوالي 14%، ما يُحتّم طرح سؤال بديهي: من أين سَتَجْبِي الحكومة هذه الأموال، في ظل الإرتفاع المُتَوَقّع لنسَب البطالة والفَقْر، مع تجميد الرواتب والتّوظيف وإعفاء الشركات الكبرى والأثرياء من الضرائب؟ تعتزم الدّولة زيادة الضرائب غير المباشرة على الخدمات والإستهلاك، كضريبة القيمة المُضافة، والزيادة في سعر التبغ والسكر والوقود، وهي ضرائب غير عادلة لأنها تُسوي بين الفقير والغني، والضرائب المباشرة على الدّخل، أي على الرواتب بشكل أساسي، لأن الدولة لا تُراقب دخل أصحاب المِهَن “الحُرّة”، وإعفاء الشركات التي تقل إيراداتها عن 200 مليون دينارًا من المراقبة الجبائية، بل خفضت الدّولة خفض الضريبة على أرباح الشركات بعشر نقاط مائوية، وخفض الضريبة على المراكب والسيارات والقوارب الفاخرة (بذريعة دعم السياحة !!!)، فيما تُمثل الضريبة على رواتب الأُجَراء نحو 75% من إيرادات الضريبة المباشرة التي تعتزم الدولة جبايتها سنة 2021، بزيادة قرابة 10% عن سنة 2020 ولا تمثل الضريبة على الشركات سوى 25%  من الإيرادات الجبائية للدولة.

تضاعفت قيمة الضريبة على دخل الأُجَراء نحو 3,6 مرات بين 2010 و 2020 فيما تراجعت قيمة الضرائب على الشركات بنحو 0,6% خلال نفس الفترة، واتجهت مبالغ ضريبة دَخل الأجراء إلى أرباب العمل والأثرياء، عبر الدّعم المباشر، بالإضافة إلى إعفاء الأثرياء من الضّريبة، ما عَمّق الفجوة بين الأثرياء والفُقراء، وما خلق عجزًا في ميزانية الدّولة بنسبة 7,3% من إجمالي الناتج المحلي، لتقترض الدّولة 18,5 مليار دينارا سنة 2021، ما يرفع نسبة الدّين العمومي (الدّاخلي والخارجي) إلى حوالي 93% من الناتج المحلي الإجمالي، مع الإشارة إلى ارتفاع قيمة الدّيْن الحكومي من 47 مليار دينار سنة 2015 إلى 100 مليار دينار سنة 2020…

 

تقلّص هامش الحريات، ومظاهر المقاومة الشعبية:

إن المواطن يَشْعرُ بتدهور الحال، دون حاجة للإطلاع على هذه البيانات والأرقام والنّسَب، لأنها تُتَرْجَمُ في الحياة اليومية إلى بطالة وفَقْر وارتفاع أسعار، وما إلى ذلك، ولذا انتفضت الفئات الأكثر فقرًا وهشاشة سنة 2010 من أجل وضعٍ أَفْضَلَ، اختزله شعار “شُغْل، حرية، كرامة”. تمتعت بعض الفئات بهامش من حرية التعبير والتظاهر، خلال فترة قصيرة، لكن لم تهدأ آلة القمع التي طاولت (منذ بداية 2012) الإتحاد العام التونسي للشغل ومُصابي الإنتفاضة (قمع مظاهرة التاسع من نيسان/ابريل 2012) ومواطني سليانة ( استخدام رصاص “الرّش”، بتمويل مَشْيَخَة “قَطَر”) والعديد من المُغَنِّين (فناني “الرّاب” ) والرّسّامين الذين وقعت مُطاردة واعتقال ومُحاكمة بعضهم، ومضايقة مجموعات مثل رسّامي الرسوم الهزلية (الكاريكاتور) “زواولة” (أي فُقراء ) والرسام “زاد” ومجموعة “أهل الكهف”، ومهاجمة معرض “العبدلية” للرّسم، ونشرت منظمة العفو الدّولية، منذ 2015، تقارير عن القمع الوحشي بتونس، وعن الإعتقال التّعسُّفي والتّعذيب وعن بعض الوفيات أثناء الإعتقال…

في الثامن عشر من شهر كانون الثاني/يناير 2020، فَرَضَ ملف جَرْحى وشُهداء الإنتفاضة (الذين لم تنشر الدّولة قائمة رسمية بأسمائهم، بعد عشر سنوات) حُضُورَه بوفاة “طارق الدزيري”، أحد هؤلاء المُصابين الذين وقع إهمالهم، فَحُرِموا من العلاج، فتعفّنت جُروح طارق وتأثر جهاز المناعة إلى أن تُوفِّي بسبب الإهمال، ما أثار غضب المُصابين وأهالي الشهداء والجَرْحى، لكن لم تستجب الحكومات المتعاقبة لمطالب هؤلاء الذين كانوا ضحية النظام السابق، وضحية من وصلوا سدّة الحُكْم على أكتافهم، دون أي “اعتراف بالجميل”، فالإخوان المُجرمون لم يُساهموا في الإنتفاضة، ولا في أي احتجاج ولم يحدث في تاريخ أي تنظيم “إسلامَوي” تضامنه مع أي كان، ولكنهم قطفوا ثمار تضحيات الشعوب.

في الثاني عشر من آذار/مارس 2020، أثناء الحجر الصّحّي، احتجّت بعض المنظمات الحُقُوقية والمُدافعة عن الحُرّيّات على مشروع قانون ل”مكافحة الجرائم الإلكترونية والتصدّي لانتشار الأخبار الزائفة”، ويقترح المشروع تشديد العقوبات على المُتّهَمين بالقذف وترويج الأخبار الزائفة، ما أعدّته الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين “تقييدًا للحرّيّات العامّة، ومحاولة للرجوع إلى ممارسات مصادرة حرّيّة التعبير”، واضطر مُقدّمو المشروع إلى سَحْبِه في الثلاثين من آذار/مارس 2020، على أمل طرحه في فترة أخرى مُلائمة.

Des manifestants avenue Habib Bourguiba, à Tunis, le 19 janvier 2021.  Chedly Ben Ibrahim / NurPhoto via AFP

في الرابع من آذار/مارس 2021، نشرت منظمة العفو الدّولية بيانًا عن “حالات تعذيب ووفيات أثناء الاعتقال، (ما يُشير إلى ) استئناف القمع الوحشي، وإلى غياب الإصلاحات العميقة منذ 2011…”. سبق أن أعلنت منظمة العفو الدّولية أن فريقا تابعًا لها أجرى بحثًا في كانون الأول/ديسمبر 2020، وأحصى “ما لا يقل عن عشر وفيات في الاعتقال منذ 2011، في ظروف لم يتم التحقيق فيها بجدية أو لم تفض إلى ملاحقات جزائية”، ونقلت عنها وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب. 13 آذار/مارس 2021) نبأ جَمْع شهادات حول “أعمال تعذيب وسوء معاملة”، حديثة في إطار “مكافحة الإرهاب”، وأكّد مُعتَقَلُون تعرُّضَهم للصعق بالكهرباء وخصوصا في أعضائهم الجنسية، وأنه تم إبقاؤهم في “وضعية الفروج المؤلمة، حيث يتم ربط القدمين والمعصمين بعصا”، وأشارت المنظمة أن السّلطات (وزارة الدّاخلية ووزارة القَضَاء) لم تُجْر أي تحقيقات، بل تستغل السّلطات قانون صيف 2015 (قانون مكافحة الإرهاب) للعودة إلى الوراء وتنفيذ المداهمات الليلية وممارسة الإعتقال التّعسّفي لفترة أسبوعَيْن بدون محامي، ووضع مئات المواطنين قَيْدَ الإقامة الجَبْرِية، وبدَل التّحقيق في انتهاك الحُرّيّات قررت السلطات (التي تُديرها “النهضة” ) تقديم مشروع قانون “حماية قوّات الأمن الداخلي” (الأسبوع الأول من تشرين الأول/اكتوبر 2020) أو تجريم أي نقد لعناصر الشّرطة الذين أصبحت سُلطة نقاباتهم تفوق سلطة أي قاضي وأي موظف سامي في الحكومة، ولولا الإحتجاجات ضد هذا القانون الذي يُهَدّدُ حقوق وحُرّيات المواطنين، لما تأجل تاريخ تقديم مشروع القانون، ولكنه لم يُلْغَ من جدول (أجندة )”النهضة” ومجلس النواب، والحكومة التي أصبحت تعتمد على جهاز الشرطة، كما حال نظام زين العابدين بن علي، وفي العشرين من تشرين الأول/اكتوبر 2020، تجمّع الصحافيون أمام مبْنَى مجلس النواب احتجاجًا على مناقشة مشروع قانون يُعَرْقل عملهم، ويمنعهم من استقاء الخبر من مصادره، وأدّى الإحتجاج إلى تأجيل موعد مناقشة التنقيحات…

أشرنا في فقرة سابقة إلى توسُّع رقعة الإحتجاجات إلى فئات متوسطة الدّخل، أو كانت “مُتحفّظة” ولم تكن تُبادر إلى الإضراب والإحتجاج في الفضاء العام، ومنهم فئة صغار الفلاّحين ومُرَبِّي المواشي، والقُضاة، وهم عمومًا “مُحافظون”، وفئة الأطباء الذين كانوا في الخط الأمامي (مع العاملين في قطاع الصّحّة) لمكافحة وباء “كورونا”، بدون الأدوات الضّرُورية لممارسة مهنتهم على أحسن وجه،  لأن قطاع الصحة العمومية، الذي تحمّل بمفرده مهمة مكافحة الوباء، يفتقد لوسائل الوقاية والعلاج، ولا تتجاوز موازنة وزارة الصحّة 5% من ميزانيّة الدولة، وتفتقد المستشفيات لأبسط وسائل الإنعاش والعلاج، ولذلك أطلق العاملون بقطاع الصحة العمومية سلسلة من التحرّكات، في شهر أيار/مايو 2020، ونفذت نقابة عملة الصحة (الإتحاد العام التونسي للشغل) إضرابًا يوم 18 حزيران/يونيو 2020، تنديدًا “بوضع المستشفيات العمومية الكارِثِي”، وتضمّنت مطالبهم “إصدار نظام أساسي “، ثم تَجَمّع الأطباء في الرابع عشر من تموز/يوليو 2020، أمام وزارة الصحّة، تنديدًا بإهمال القطاع، ما أدّى إلى هجرة العديد من الأطباء، ومن مظاهر إهمال المستشفيات وقطاع الصحة العمومية، وفاة الدكتور “بدر الدين العلوي”، ضحية عَطَل في مصعد مستشفى مدينة “جندوبة” (الشمال الغربي)، يوم الثالث من كانون الأول/ديسمبر 2020، فأضربَ زُملاؤه يوم الثامن من نفس الشهر، وشارك آلاف الأطباء  في مسيرة احتجاج على الإهمال وعلى ظروف العمل، كما أضرب الأطباء والصيادلة في شباط/فبراير 2021، وكانت حادثة المصعد المُعطّل بمثابة الشرارة التي أطلقت عددًا من احتجاجات الأطباء، وإضراب الأطباء الشّبّان، خلال شهرَيْ شباط/فبراير وآذار/مارس 2021…

قررت الحكومة، عند انتشار وباء الفيروس التاجي إغلاق المقاهي والمطاعم، بهدف ضمن الحدّ من انتشار العدوى، ما تسبّب في إفلاس العديد منها وفقدان نحو سبعين ألف عامل عملهم، بدون أي تعويض أو منحة بطالة، ونفّذ أصحاب المقاهي سلسلة احتجاجا ومظاهرات، في الربع الأخير من سنة 2020… كما أضربت بعض الفئات متوسطة الدّخل، مثل القُضاة، من أجل مصالحهم، في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، لمدة فاقت الشّهر، وشملت الإحتجاجات أيضًا فئات تضرّرت من تلوث البيئة، جراء نشاط صناعي، أو غيره، بتواطؤ من السلطات السياسية، واعتصم أهالي منطقة “الهوايدية”، بداية من شهر كانون الثاني/يناير 2020 ضد تلويث مقاطع الحجارة لمصدر مياه الشرب الوحيد، فيما يخوض سكّان مدن الحوض المنجمي (الجنوب الغربي) نضالات عديدة، منذ سنة 2008، ضد تلويث مناجم استخراج الفوسفات لمياه الشرب والبيئة، دون أن يستفيدوا من العمل بالمناجم، وخاض سُكّان مناطق أخرى نضالات ضد تلوث المحيط (الهواء والمياه والتّربة) في مدن “قابس” أو “عقارب” (قرب صفاقس)، بحسب نشرات “المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية”، ولا يزال صغار الفلاحين ومُرَبِّي المواشي يخوضون نضالات – جابهها نظام الحُكم بقمع سافر ورهيب – من أجل المحافظة على مورد رزقهم، ومن أجلنا جميعًا، ومن أجل تحقيق السيادة الغذائية…

 

خاتمة:

وردت في هذه الوَرقَة بعض التفاصيل التي قد تكون مُمِلّة أحيانًا، لكنها وقائع تُؤَشِّرُ لما صار عليه الوضع خلال فترة حكم الإخوان المُجرمين، إخوان الإمبريالية، وهي أرقام مستمَدّة من المؤسسات الرّسمية للدولة، في معظمها، وليُجنّد جناح راشد الغنّوشي الفُقراء والمُغَفّلِين والجائعين الذين يلهثون وراء لمجة أو مشروبات مُلَوّثة بالغاز القَطَرِي، والمُعَطَّره بروائحه الكريهة.

من واجبنا إعادة التّساؤل: لماذا انتفض الفُقراء والمُعَطّلُون التونسيون سنة 2010؟ وهل تحققت أهداف الإنتفاضة؟

إن الكتابة لا تُغَيِّرُ الوضع، لكنها أداة لنشْر المعرفة والحقائق، لكنها تبقى عقيمة إذا لم يستخدمها المناضلون الثوريون، الذين لا وقت لهم

الطاهر المعز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *