تونس، بين سُلطة الأمس واليوم أيُّ موقعٍ للكادحين وللُفُقراء؟ الطاهر المعز

 

Tunisie: le président Kais Saied limoge le gouvernement et suspend le parlement - L'événement Niger

تونس، بين سُلطة الأمس واليوم

أيُّ موقعٍ للكادحين وللُفُقراء؟ الطاهر المعز

اعلن رئيس الجمهورية، يوم 25 تموز/يوليو 2021، في يوم عيد الجمهورية، وفي ذكرى اغتيال الشهيد محمد البراهمي (25 تموز/يوليو 2013) تعطيل الدّستور وتجميد عمل البرلمان والحكومة، وكانا تحت هيمنة الإخوان المسلمين، وبَعْدَ شَهْرَيْن عيّن رئيسة الحكومة “نجلاء بودن”، يوم الإربعاء 29 أيلول/سبتمبر 2021، في ظل تراجع أداء معظم القطاعات الإقتصادية، ما يُؤشّر إلى تراجع نمو اقتصاد البلاد، وفي ظل وَضْعٍ اقتصادي ومَالِي سيّء جدًّا، وفي غياب أي برنامج أو مخطط للخروج من هذا الوضع الذي ينعكس سلْبًا على حياة المواطنين، الأُجَراء والفُقراء والمُعَطّلِين عن العمل.
على المستوى المالي، تُقدّر نفقات الدّولة بنحو 15 مليار دينارًا، خلال الربع الأخير من سنة 2021، بينما يُتوقّع أن تبلغ موارد الدّولة، خلال نفس الفترة، نحو ثمانية مليارات دينارًا، ما يجعل الدّولة مُضطرة لاقتراض ما لا يقل عن سبعة مليارات دينارًا لمجابهة نفقات ما تبقّى من سنة 2021، مع تعثُّر المفاوضات مع صندوق النقد الدّولي للحصول على قَرْضٍ بِشُرُوط مُجْحِفَة…
على مستوى الدّيُون، قُدّرت قيمة الدّيْن العام بمائة مليار دينار، بنهاية 2020، وبلغت قيمتها 112 مليار دينارًا بنهاية شهر تموز/يوليو 2021، بزيادة 11,2%، خلال عام واحد، نصفها بالعملات الأجنبية في ظل الإنحدار المُستمر لقيمة الدّينار التونسي، وفق وثيقة صادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار، بعنوان تنفيذ ميزانية الدولة، (يوم السبت 25 أيلول/سبتمبر 2021)، ليرتفع نصيب كل مواطن تونسي من الدّيُون، من الرضيع إلى الشيخ، إلى 9,3 آلاف دينار (موقع صحيفة “الصباح” 21 أيلول/سبتمبر 2021)، وتُقدّر قيمة فوائد هذه الدّيُون للنصف الأول من سنة 2021، بنحو 2,4 مليار دينار، أو ما يعادل 11,5% من الإنفاق العمومي، في حين لا يُمثّل دعم المواد والخدمات الأساسية سوى 1,6 مليار دينار، خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2021…
ارتفعت قيمة الدّيون الدّاخلية بنسبة 30% بين تموز يوليو 2020 وتموز/يوليو 2021، وتُمثل نسبة 39 % من إجمالي الدين العمومي فيما تمثل الدّيون الخارجية بالعملات الأجنبية (ثُلثاها باليوروالبقية بالدولار والين الياباني وغيرهما) نحو 61% من مجموع الدّيون العمومية التي ارتفعت قيمة فائدتها من 7,3 مليارات دينار إلى 8,4 مليارات دينار، خلال نفس الفترة، بحسب نفس الوثيقة الحكومية.
من جهته، يتوقع ممثل مؤسسة التمويل الدولية بتونس (وهي إحدى الشركات المالية التابعة لمجموعة “البنك العالمي”)، يوم الأول من تشرين الأول/اكتوبر 2021، ارتفاع عجز الميزانية إلى حوالي تسعة مليارات دينار، بنهاية سنة 2021، بينما استغل صندوق النقد الدّولي الفُرصة لفرض “إصلاحات”، أي خصخصة وإلغاء تام للدّعم، وتوجيه المال العام للقطاع الخاص، عبر الإعفاء من الضرائب والرسوم وخفض الرواتب والمعاشات، وغير ذلك، كما يشترط صندوق النقد الدولي، اليوم، موافقة نقابات الأُجَراء وأرباب العمل على هذه الإجراءات، لتوريط نقابات العُمال في تدهور وضع الأُجَراء…
نظرًا للوضع الإقتصادي السيء جدا، وللوضع السياسي غير المُستقر، ارتفعت قيمة تأمين السندات التي تُصدرها الدولة (رَهْن الملك العام، أي ممتلكات الشعب)، يوم الثلاثاء 28 أيلول/سبتمبر 2021، وبلغت تكلفة التأمين على مخاطر التخلف عن سداد سندات 2024، التي يُصدرها المصرف المركزي، مستوى قياسيا، وتجاوزت الزيادة 100%، خلال سبعة أشهر، وفي نفس السّياق، نشر موقع صحيفة “نيويورك تايمز”، يوم الإثنين 27 أيلول/سبتمبر 2021، تقرايرًا يتوقّع انهيار اقتصاد البلاد، ما قد يؤدّي إلى أزمة خطيرة، رغم الشعبية التي يتمتع بها بها رئيس الجمهورية “قَيْس سعَيِّد”، ورغم الإنهيار الذي أصاب مُعارضيه.
تمثل هذه الأرقام والبيانات بعض المُؤشّرات التي تجعلنا نتوقّع ما يُمكن أن يحدث، في غياب قُوى تقدّمية تُقدّم بديلاً للوضع القائم، وهو وضع لا يخدم مصالح العاملين والكادحين، الأُجراء وصغار المُزارعين والحِرَفِيِّين، والفُقراء والمُعطّلين عن العمل.
أظْهرت انتفاضة تونس (وكذلك مصر) ضُعْفَ القوى التّقدّمية، وعدم قُدْرَتها على تقديم بدائل للأنظمة القائمة، ما يترك الكادحين محرومين من التمثيل السياسي، وأظهرت “الأحداث” التي حصلت بمصر منتصف 2013، وبتونس يوم 25 تموز/يوليو 2021، أن القُوى الرجعية تلاعبت بتضحيات الفُقراء والكادحين، وأصبح العُمال والأُجراء والكادحون، والقوى التقدّمية خارج الصراع، أو على الهامش، وتعني عبارة “القوى الرجعية” الفئات والطّبقات التي لا تُمثّل مصالح من أشعلوا الإنتفاضة، وجابهوا قوات الجيش والشرطة، واستشهد وجُرح المئات منهم، بل تمثل مصالح الرأسماليين وكبار التجار والمِهن “الحُرة”، أي مُقاولات الصحة والهندسة والمحاسبات والإستشارات، وبعض الشرائح العليا من البرجوازية الصغيرة، الطامحة إلى الإثراء السّريع بمختلف الوسائل، وغيرها من الشرائح التي تتعارض مصالحها مع كادحي وفقراء البلاد، ولا تتعارض مع مصالح الشركات والدّول الأجنبية الإمبريالية، والمؤسسات المالية وغيرها…
إن قيس سعَيِّد ليس فردًا فقط، وإنما يُعْتَبَرُ ممثلا لمصالح شرائح وطبقات، والحكم له أو عليه لا ينطلق من تعيينه امرأة على رأس الحكومة، فالمرأة عندما تكون في السّلطة، كما الرجل، قد تكون تقدّمية أو رجعية، وهي لا تُمثّل نفسَها كفرد، ولم تعد في نفس درجة المرأة المُضْطَهَدة والمقموعة، والخاضعة لسيطرة الرجل (أو لسيطرة امرأة لها سُلطة)، بل ينطلق الحكم للرئيس أو عليه، من مواقفه وأفعاله وبرامجه وخططه، فهو ليس مسؤولاً (ولا حُكومته) عن ما آل إليه الوضع، بخلاف الإخوان المُسلمين وحلفائهم، فهم مسؤولون عن انتشار الفساد وارتفاع الدّيون الخارجية، وعن قمع واضطهاد فئات عديدة (تُشكّل الأغلبية) من المواطنين، لذلك اشتدّت النّقمة الشعبية ضد منظومة حُكْمِهِم التي احتضنت اللصوص والفاسدين، ولذلك حَظِي قيس سعيد بتأييد جماهيري واسع، لكن التّركيز على “قيس سعَيّد” يُعتَبَرُ انعكاسًا لدرجة الضُّعف التي بلغتها القوى التّقدّمية، وغياب البديل التقدمي (لا نتحدّث عن بديل ثوري) كما يُعتَبَرُ انعكاسًا لإفلاس منظومة المؤسسات التي وُلِدَتْ على أنقاض نظام حزب الدّستور، ويُعتَبَرُ هُرُوبًا من طرح مَشاكل البلاد ومشاكل أغلبية العباد، أو تأجيلاً لطرحها، لكن إلى متى؟
يمتلك قيس سعيد كافة السُّلُطات، منذ شَهْرَيْن، ما يعني أنه مدعوم داخليا من قِبَل الأجهزة النّافذة في الدّولة (الجيش والأمن )، ومن منظمات أرباب العمل وقيادة نقابة الأُجَراء، ومن الإعلام السّائد، ومن مجموعة هامّة من الموظفين والفئات الوسطى، ومِمّن يُرَدّدُون “الله ينصر من أصبح” (أي نحن مع القَوِي ومع الماسك بزمام الحكم ) كما هو مدعوم من الجيران (الجزائر) ومن الخارج، من أوروبا والولايات المتحدة، وتكتفي المنظمات الحقوقية المحلية والأجنبية بالتّركيز على احترام حرية الرأي والتعبير، وهو أمر ضروري، لكن المشاكل الإقتصادية، ومشاغل المواطنين تتركز بشكل عام على ظروف الحياة وعلى الدّخل المنخفض مُقابل الإنفاق المُرتفع للأُسَر، وعلى البطالة والفَقْر وارتفاع الأسعار وانهيار منظومة الرعاية الصّحّيّة، وما إلى ذلك من شُرُوط الحياة الكريمة التي انتفضوا من أجل الحُصُول عليها، قبل عشر سنوات، بينما رَكّزَ قيس سعيد وأنصاره على مكافحة الفساد، وهو شعار تُؤيّدُهُ الأغلبية السّاحقة من المواطنين، لكنه لا يكفي لتشغيل المُعطّلين عن العمل، وإطعام الجائعين وتسديد نفقات الأُسر.
نحن نحصُد اليوم، جميعنا، سواء بتونس أو بالمغرب أو مصر، وغيرها، نتائج الضُّعف التنظيمي، وضُعف وهشاشة القوى التقدمية، وغياب التحالفات الإستراتيجية، وليست الظرفية/الإنتخابية (غياب التحالف بين الشق التقدّمي للتيارات القومية، والتيارات الإشتراكية، أو حتى بين تيارات من نفس الخلفية العقائدية)، ونحصد نتائج غياب برنامج تقدّمي، يُعالج مشاغل المواطنين، ويبحث عن حلول لها، وعن طُرُق تمويل البرنامج، وفك التّبعية التي تبرُزُ للعيان عبر الدّيُون الخارجية التي تضاعفت خلال عشر سنوات…
قبل عشر سنوات، تمكّنت الإمبريالية الأمريكية والأُوروبية بسرعة من الإلتفاف على انتفاضة التّونسيين (في غياب الإخوان المسلمين)، وبقي حزب الدّستور (وسَليلُهُ “التّجمّع”) يحكم البلاد، عبر محمد الغنوشي (الحكومة الأولى بعد الإنتفاضة التي شكّلها “جيفري فلتمان”، ممثل الولايات المتحدة ) ومن خلال الباجي قائد السّبسي وفؤاد المبزع، ثم عبر تقاسم النّفوذ مع الإخوان المسلمين ومع رجال الأعمال الفاسدين وربما الأكثر فسادًا بالبلاد، وكانت المُؤسسات التي انبثقت عن هذه التحالفات مرآة لهذا الوضع غير المُتوازن، بما أنها منظومة انبثقت عن انتفاضة جماهيرية كان شعارها الرئيسي “شُغْل وحرية وكرامة وطنية”، ولكن، لئن غادر بن علي البلاد كفرد، فإن المنظومة التي دعمته بقيت قائمة، وركّزت القوى التقدّمية على الإنتخابات وعلى بعض المشاغل الحقيقية، لكنها تمثل الفُرُوع وليس الأصل (أصل الدّاء) ولم تُركّز على ضرورة اجتثاث الداء، أي هيمنة برجوازية طُفيْلِيّة رَثَّة، لا تستثمر في القطاعات المُنتجة، بل تُمثل مصالح الشركات الأجنبية، وتستثمر في قطاعات التجارة (التوريد والتصدير) والمُضاربة بالغذاء وبمختلف السّلع، وبالعقارات وما إلى ذلك، أو تُنتج سِلَعًا مُعَدّة لاستهلاك السوق الأوروبية، تحت الطّلب، بالشراكة مع شركات أوروبية…
بقيت هذه المنظومة قائمة، بعد عشر سنوات من الأنتفاضة، وبقي الإقتصاد قائمًا على تصدير المواد الخام (الفوسفات والطاقة) والإنتاج الفلاحي الخام والمُعَد للسّوق الأوروبية (الزيت والتّمُور وبعض الفواكه والخُضار…)، وبقيت ميزانية الدّولة تعتمد على الإقتراض، ليس من أجل الإستثمار في قطاعات منتجة، فالقُرُوض مُحدّدة بشروط، بل تُستخدم الدّيون الجديدة، لتسديد دُون قديمة (مع فوائدها المرتفعة) ولسدّ عجز الميزانية، فتضاعفت الدّيُون الخارجية لتبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي، ما جعل البلاد في حالة إفلاس، تستورد حتى الغذاء والدّواء، وفقدت البلاد مُقومات السّيادة، وحرية اتخاذ القرار، لأن من يتحكم بالقرار الإقتصادي يُقَرِّرُ البرامج السياسية…
لا تكفي المطالبة ب”خطة الطّريق”، بل وجب التركيز على محتوى البرنامج والمخططات التي يتوجب مُقاومتها وإطاحتها، إن لم تحتوِ على برنامج عَمَلِي لمسألة الدّيُون الخارجية، بتعيين لجنة دولية، من الأصدقاء، ومن دول مَرّت بتجربة ارتفاع الدّيون الخارجية، كالإكوادور والأرجنتين، للنظر في مصير الأموال التي اقترضتها الدّولة التونسية، باسم الشّعب الذي لم يستفد منها، وإلغاء الدّيون “الكَريهة”، أي معظم هذه الدّيون، واستثمار المبالغ التي كانت مُخصّصة لتسديد الدّيون وفوائدها، بقطاعات الفلاحة، وتحويل الإنتاج الزراعي والحيواني وإنتاج الغابات، إلى مواد مُصنعة، وهي استثمارات تخلق آلاف الوظائف سنويا، والإستثمار في البحث العلمي الفلاحي والصناعي والتّقني، وفي التعليم والصحة، وغيرها، مع الإستعداد لمجابهة الحَمَلات المُعادِية من قِبَل الدّائنين، والتي قد تصل إلى الحصار والحَظْر…
يتطلّبُ الوضع تجاوز ثُنائية “مَعَ أو ضِدّ”، إلى العمل على فَرْض بدائل تقدُّمِيّة للمنظومة القائمة، ولن يتمكّن أي تيار سياسي القيام بذلك مُنْفَرِدًا، بل يتطلّب بناء جبهة، تستخلص الدّرُوس من تجرية الجبهة الهَشّة والواهية التي سُمِّيَت “الجبهة الشعبية”، والتي تأسست تحت الضّغط، ولم يتم تأسيسها بشكل مسبق من أجل إحداث تغيير تقدّمي، بل تأسّست لمجابهة تَغَوّل الإخوان المُجرمين، وتحالفاتهم الإنتهازية، بدعم امبريالي أوروبي وأمريكي، وتستخلص (هذه الجبهة) الدّروس من التجارب المحلية والأجنبية، ومن نتائج الإنتفاضات والنّضالات السابقة التي شارك بها مناضلو اليسار بكثافة، منذ عقد سبعينيات القرن العشرين، لكن القوى الرجعية، وهي في معظمها مُنحدرة من الحزب الحاكم، تمكّنت، دون مُشاركة، ولو رمزية، من جَنْي الثّمار، وبالمناسبة لا بُدّ من إعادة النّظر في بعض التّكتيكات السابقة، كرفع شعار “انتخاب مجلس تأسيسي”، دون إعداد مشروع دستور تقدّمي مُشترك، كما وجب تحديد الهدف من العمل في المنظمات “الجماهيرية” ونقابات الأُجَراء، حيث أظهرت التجارب انعطافات يمينية لمن مَثّلوا التيارات الإشتراكية في المنظمات الحُقُوقية، ومنظمات “المجتمع المدني”، وأظْهَر انخراط اليسار في العمل النقابي تغييرًا نوعيا في وعي النقابيين عمومًا، لكن، وبالمُقابل، أظْهر بعضُ مناضلي اليسار، عندما ارتقوا في سُلّم المسؤوليات النّقابية، قُدُرات بيروقراطية هائلة، وزيادةً كبيرة في الوَزْن وفي حجم البُطون والمؤخّرات، لأن تحمل مسؤوليات نقابية أصبح مُريحًا ومُدِرًّا للربح، إذ أصبح يُشكّل ارتقاءً في السّلّم الطّبقي، وانحرف انخراط اليسار في عملية الترشح للمسؤوليات النقابية الوطنية عن مساره الذي كان يهدف “تَجْذِير” العمل النقابي المَطْلَبِي، بطبيعته، كخطوة لنشر الأفكار الإشتراكية الثورية في صُفُوف العُمّال وصغار الموظّفين والأُجَراء والكادحين عُمومًا، ما يَدْعَم العمل النّقابي بعناصر ثورية واعية، تمارس (إلى جانب العمل النقابي القاعدي) العمل السياسي، في أُطُر أخرى، غير النقابات…
الطاهر المعز
دولار أمريكي واحد = 2,83 دينارًا تونسيا، يوم الجمعة 01 تشرين الأول/اكتوبر 2021

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *