المسألة الزراعية – مجموعة حلقات من دراسة حول المسألة الزراعية- نموذج تونس. الطاهر المعز

المسألة الزراعية – مجموعة حلقات من دراسة حول المسألة الزراعية- نموذج تونس. الطاهر المعز

 

 

 

لا تتعرض هذه الحلقة إلى وضع الزراعة بتونس، وإنما يتمثل محتواها في مجموعة من الملاحظات بمناسبة حَدَثَيْن عالمِيّيْن، وتتسم الملاحظات والمقترحات بالعمومية، مع التركيز على البلدان الفقيرة، أو الواقعة تحت الهيمنة الإمبريالية

 

هوامش من قمة الغذاء، وقمة المناخ

 

أظهرت أزمة انتشار وباء “كوفيد-10″، وإغلاق الحدود وتوقف حركة النقل والتصدير والتوريد، ضرورة توفير الحاجيات الضرورية للسّكّان على عين المكان، لأن الإغلاق تسبب في تعطيل سلاسل الإمدادات الغذائية مَحَلِّيًّا ودوليًّا، كما أدّى الإغلاق إلى تعطيل بيع منتجات المزارعين في الأسواق، وشراء البذور وعلف الحيوانات، وأدّى التعطيل أيضًا إلى إغلاق الفنادق والمطاعم والأسواق، فبقيت المواد الغذائية سريعة التلف في المزارع، ما أدّى إلى تكْبِيد صغار المزارعين والمُرَبِّين خسائر كبيرة.
من الضّروري استخلاص العِبَر من هذه الأزمة، وإطلاق نقاش على مستوى محلي وعالمي، حول مستقبل الإقتصاد والزراعة والغذاء، فقد اعتمدت المنظومة الزراعية السائدة على فرضية “إن الإنتاج الزراعي المُحترم للبيئة لا يستطيع إطعام سكان العالم الذين يتزايد عددهم، وبالتالي لا بُدّ من دعم شركات الزراعات الكبرى، لزيادة حجم الإنتاج…”، ويُؤَدِّي تطبيق هذه “القاعدة” إلى إزالة المزيد من الغابات، وتحويل المراعي إلى مزارع، واستخدام  تقنيات الزراعة “الأحادية” المكثفة، وتُقدّر منظمة الأغذية والزراعة (وهي غير مهتمة بالبيئة وبسلامة الغذاء، بل فقط بحجمه وسعره)، أن هذا النوع من الزراعات الصناعية قد ألحق الضرر بثلث الأراضي الزراعية بالعالم، ما قد يزيد من خطر انتقال الأمراض من الحياة البرية إلى الماشية ومن ثم من الحيوانات إلى البشر، ويُرَجّحُ أن الفيروس التاجي (كورونا) نشأ لدى الخفافيش التي فقدت موطنها الطبيعي، بفعل تدمير الغابات، فاقتربت من مناطق سكن الإنسان، ونقلت له الفيروس، عبر أنواع وسيطة…
تتطلب مواجهة مخاطر انعدام أو نقص الغذاء، وأزمة التنوع الحيوي، والتغير المناخي، على الصعيد المَحَلِّي، في البلدان الفقيرة، إعادة النّظر في مفاهيم “الأمن الغذائي”، وتطوير وسائل تحقيق السيادة الغذائية، عبر إطلاق نقاش واسع حول قطاع الفلاحة والنّظم الغذائية، وإطلاق برامج إصلاح زراعي، تهدف إنتاج أغذية صحّيّة وسليمة وكافية لتغذية المواطنين، وتحقيق السيادة الغذائية، والإكتفاء باستيراد السّلع الضرورية التي لا يُمكن إنتاجها محلِّيًّا، مع تبجيل الإستيراد من البلدان الفقيرة والصّديقة والمجاورة، وتطوير المُقايضة (سلعة مقابل سلعة) والمبادلات التجارية معها، لأن قضية السيادة الغذائية مَطْرُوحة على صعيد عالمي، والجميع مُطالَبٌ بالإجابة على بعض التّساؤلات، منها: كيف يمكن التوفيق بين ارتفاع عدد السكان، وضرورة زيادة مساحات الأراضي الزراعية لزيادة حجم المحاصيل الغذائية وتوفير الغذاء، مع التزام قواعد المحافظة على البيئة السّليمة، وعدم استخدام المزيد من الأسمدة الكيماوية والمبيدات؟
يُساهم الشكل الحالي لاستغلال “الصناعي” للأراضي الزراعية، والإستخدام المفرط للمواد الكيماوية والمبيدات، في إزالة مساحات شاسعة من الغابات، ما يؤثّر سلْبًا على التوازن البيئي والمناخ، ويؤدّي انعدام التوازن البيئي إلى اضطراب المناخ، وزيادة عدد وحِدّة الكوارث “الطبيعية” كالفيضانات والجفاف، وكلاهما يُساهم في إلحاق الضّرر بالفقراء وبصغار المزارعين ومُرَبِّي الحيوانات، ولذا من الضّرُوري دعم النشاط الفلاحي المُحترم للبيئة والمناخ، والهادف لمحاربة الجوع والفَقْر.
يرتبط مستقبل غذاء البَشَرِيّة بدعم وتعميم المنتجات الزراعية التي تحترم البيئة وصحة الإنسان، والتي تختصر المسافات، بين المنتج والمُستهلك، وترتبط سلامة الغذاء بضرورة توفير الدعم المالي والتدريب والإرشاد لصغار الفلاّحين، واعتماد أساليب الزراعة المُستدامة، بدلاً من دعم الشركات العابرة للقارات التي لا تهتم بحاجة السّكّان المحليين، بل تستحوذ على الأراضي الصالحة للزراعة في البلدان الفقيرة، لتنتج السلع الأكثر رواجًا والأعلى ثمنًا، في أسواق الدول الغنية، وتُساهم بذلك في تقويض الأمن الغذائي والسيادة الغذائية للشعوب، وفي زيادة التلوث والقضاء على التنوع البيولوجي والمياه النظيفة…
عقدت الأمم المتحدة، في الثالث والعشرين من شهر أيلول/سبتمبر 2021، بمدينة نيويورك، قمة الغذاء التي قاطعَتْها العديد من المنظمات ومن مؤسسات البحث والنقابات، لأسباب عديدة، منها المكانة التي تحتلّها شركات “الصّناعات الزّراعية” في هذه القمّة، التي تترأسها سيِّدَةٌ، خبيرة في الزراعات الصناعية، تدافع عن مصالح الشركات العابرة للقارات، وهي عضو في المنتدى الاقتصادي العالمي، ورئيسة “التحالف من أجل ثورة خضراء في أفريقيا”، وهي مؤسسة مُعَوْلَمَة، تعمل على الإستحواذ على زراعة ومحاصيل صغار الفلاحين في أفريقيا، وتحويلها إلى صفقات صناعية زراعية رقمية مزدهرة، ويدعو هذا “التّحالف من أجل ثورة خضراء بإفريقيا”، إلى التّركيز على زراعة المحصول الواحد، واستخدام المبيدات الحشرية، والأسمدة الكيماوية والبذور التي تنتجها وتُصدّرها الشركات العابرة للقارات، مثل “باير” (مونسانتو سابقًا)، وإبقاء صغار الفلاحين في حالة تبعية مستدامة، ولذلك يرفع المُقاطعون (ومنهم العديد من الباحثين والأكاديميين) شعار “المزارعون لا الشركات، هم من يطعمون العالم”، لتوضيح تناقض المصالح بين شركات الصناعات الزراعية، وصغار الفلاحين، واختار المُطاعون صفهم إلى جانب الفلاحة العائلية وصغار الفلاحين، الذين لا يمتلكون سوى نحو 30% من إجمالي المساحة الزراعية العالمية، وينتجون قرابة 60% من الإنتاج الغذائي العالمي، ويتعرضون إلى منافسة غير متكافئة من قِبَل الشركات وكبار الفلاحين الذين يستحوذون على نحو 70% من الأراضي الصالحة للزراعة بالعالم وعلى المياه والموارد الطبيعية وعلى المعدّات والتقنيات الحديثة، للتركيز على الزراعة “أحادِيّة المَحْصُول”، ولا يُساهمون سوى بنحو 40% من المواد الغذائية التي يستهلكها العالم، لكن هؤلاء الأثرياء وهذه الشركات، مدعومون من قبل حكومات الدّول التي تُسهّل ترويج إنتاجهم في الأسواق المحلّيّة والعالمية، لأن الطّرَفَيْن من نفس الطبقة، ولهما نفس المصالح، ويهيمنون على “قِمّة الغذاء” التي تنظمها الأمم المتحدة، متجاهلين أن مسؤوليتهم المباشرة في إهدار وإتلاف نحو ثُلُث الإنتاج الغذائي العالمي، وفي تقويض أُسُس الزراعة المستدامة، وكشفت بعض المنظمات غير الحكومية عن علاقات الشراكة بين الأمم المتحدة والمنتدى الاقتصادي العالمي، للإشراف على مؤتمر الغذاء، بهدف وضع الأُسس لبرنامج عالمي يتجاهل مصالح صغار الفلاحين ومصالح الأُسَر التي تمتهن الزراعة، ويُبَجِّلُ مصالح شركات الصناعات الزراعية، بذريعة “إن تعميم الإنتاج الغذائي الصناعي يثمكّن من زيادة الإنتاج لتغذية سُكان العالم الذين يتزايد عددهم، ويمكّن من استدامة إنتاج الغذاء…”
يُقَدّرُ عدد من يعانون من الجوع، وكذلك من نقص الغذاء، بحوالي مليارَيْ شخص، ويستهلك حولي ثلاثة مليارات شخص غذاءً غير سليم، فيما يُعاني صغار الفلاحين والعاملين بمصانع تحويل المواد الغذائية والعاملين بالمطاعم، من انخفاض الدّخل، ومن الدّيون، نتيجة هيمنة نظام الغذاء الصناعي الزراعي الذي يقوم على إنتاج المواد الغذائية بواسطة استخدام الطاقة الأحفورية، والمبيدات الحشرية، والبذور التجارية والسماد الصناعي، ومجموعة من المواد التي تلحق أضرارًا كبيرة بالإقتصاد المحلّي والعالمي، وبتنوع المحاصيل، وبخصوبة التّربة وبالمياه، فضلاً عن تحكّم هذه الشركات الإحتكارية بإنتاج وتخزين وتسويق الإنتاج الغذائي، بالأسعار التي تُحدّدها هذه الشركات التي لا همّ لها سوى الرّبح الوَفير، بترويج غذاء رديء ومُضر بالصحة والبيئة…

 

مقترحات:

يُساهم صغار المزارعين في المُحافظة على الدّورات الطبيعية، عبر الزراعات الفَصْلِية، ويُساهمون في دعم التنوع الحيوي، ولا يزال الملايين من صغار المزارعين بالعالم، يستخدمون السماد الطبيعي، من فضلات الحيوانات والنباتات، ولكنهم يحتاجون الدعم والإرشاد والمساعدة في تطوير وتحسين طرق الإنتاج، وفي  تسويق إنتاجهم الذي يتعرض للفساد والإتلاف، في ذروة الموسم، وربط المنتجين بالمستهلكين، من خلال تعاونيات إنتاج واستهلاك، فضلا عن نشْر وبلوَرَة وتعميم الوعي لدى الرأي العام، بالإرتباط الوثيق بين الصّحة، والغذاء السّليم والبية الصحية…
تكمن البدائل في نظام زراعي آمن، وفي تغيير العادات الغذائية والتقليل من استهلاك البروتين الحيواني، المُتَسَبِّب بنحو 15% من غازات الإحتباس الحراري، لتوفير ثلث البروتين المستهلك على مستوى العالم، ويتطلب تطبيق مثل هذه المقترحات تغييرات هيكلية، واعتماد سلاسل إمدادات غذائية تعتمد على الاكتفاء الذاتي، وعلى إنتاج الطعام في الرّيف كما في المدينة، ما يعني تغيير أساليب التخطيط العمراني، وتخصيص مساحات، داخل المناطق الحضرية، للبستنة والبيوت الزراعية المُغطّاة، وتربية النّحل، وتربية الدّواجن، وإطعامها بالفضلات ومخلّفات الطّعام التي تُلقى حاليا بحاويات النفايات، لإنتاج نسبة (قد لا تتجاوز 10% ) من إنتاج الحاجيات الغذائية لسكان المدن، ليبقى الرّيف مصدرًا أساسيا للغذاء، مع تحسيس سُكّان المُدُن بضرورة الإهتمام بالإنتاج الزراعي “الصّديق للبيئة”، حفاضًا على صحة البشر، وعلى سلامة مُحيطه.
إطلاق حملة توعية، خلال فترة انتقالية لتكييف قطاعي الأغذية والزراعة وتعزيز البحث المتعلق بالتنوع البيولوجي، وإبراز مخاطر المبيدات الحشرية واستخدام المضادات الحيوية في الزراعة، وتربية المواشي.
حظر توريد واستخدام المواد الكيماوية الضارّة، والمُستخدَمَة في إنتاج الغذاء، من مبيدات الأعشاب الاصطناعية والمبيدات الحشرية ومبيدات الفطريات وغيرها.
وقف التشجيع المباشر وغير المباشر، من خلال الإعانات الحكومية، على استخدام المبيدات الحشرية والمضادات الحيوية والأعلاف المستوردة للزيادة في حجم إنتاجهم، ما يزيد من حجم النيتروجين والفوسفور الصادر عن الأسمدة، وهي مواد تُساهم في تلويث التربة والمياه الجوفية، وتُدمّر النظام البيئي، وتزيد من مخاطر الإصابة بأمراض خطيرة.
 وقف جميع الإعانات الحكومية للمزارعين غير الملتزمين باستخدام أساليب الإنتاج المستدامة والصديقة للبيئة، بالتوازي مع إصلاح السياسة الزراعية، للتخلص من المواد الكيميائية السامة واعتماد معايير إنتاج مستدامة، مقابل الوقف التدريجي لأساليب الزراعة المكثفة، المدعومة بالمال العام، والتي تشكل خطرًا على الصحة العامة وعلى التنوع البيولوجي
الطاهر المعز

 

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *