تركيا ودورها التّخريبي في الوطن العربي. الطاهر المعز

 

تركيا ودورها التّخريبي في الوطن العربي. الطاهر المعز

في الذّكرى الثامنة والتّسعين لتأسيس الجمهورية، 29 تشرين الأول/اكتوبر 1923 – 2021، أقام وفد عسكري أمريكي بتركيا لمدّة أسبوع كامل، “لبحث تعزيز العلاقات العسكرية طويلة الأمد”، وفْقَ وكالة “الأناضول” الرسمية التّركية، بنفس التاريخ، وتحادث وزيرا حرب الحكومتَيْن بالهاتف، لمناقشة نفس الموضوع، حيث تنتمي الدّولتان لحلف شمال الأطلسي “ناتو” الذي تأسّس بواشنطن، في الرابع من نيسان/ابريل سنة 1949، إذْ وقّعت تركيا وثائق برُوتُكُول الإنضمام لحلف شمال الأطلسي يوم 17 تشرين الأول/اكتوبر 1951، وأصبحت عضوًا بصفة رسمية يوم الثامن عشر من شهر شباط/فبراير 1952، وبذلك اختارت تركيا تَجَاهُلَ موقعها الجغرافي “الشّرقي”، وتوجيه سياستها الخارجية والتجارية وعلاقاتها الدبلوماسية نحو “الغرب”، أي العالم الرأسمالي المتطور، إلى أن لفظَتْها أوروبا، فأصبحت تركيا تُحاول إعادة احتلال البلدان التي كانت تحت هيمنة الدولة العثمانية ( 1299 – 1922)، دون التّخَلِّي عن موقعها في حلف شمال الأطلسي، ودون التراجع عن علاقاتها مع الكيان الصهيوني، بل عزّزت تركيا الإخوانية العلاقات العسكرية والتجارية والسياحية مع دولة الإحتلال الصهيوني، ولعبت القواعد العسكرية الأمريكية والأطلسية الضخمة (مثل قاعدة إنجرليك) دورًا كبيرًا في التجسس والقصف الأمريكي بالعراق وأفغانستان، وغيرها، وكافأتها الولايات المتحدة وأوروبا الغربية بضخ الإستثمارات التي مَكّنت الإقتصاد التُّركي من الإزدهار، طيلة عُقُود، قبل أزمة 2008/2009…
عبرت وكالة “الأناضول” الرسمية التي تُعبّر عن رأي الحكومة الإخوانية (وكانت قناة الجزيرة القَطَرِية بمثابة نسخة منها)، في الذّكرى التاسعة والستّين عن اعتزاز نظام الإخوان المسلمين بالإنتماء لحلف شمال الأطلسي، والفَخْر “بأهمّيّة تركيا ودورها الكبير في هذا الحلف الدّولي”، وأشارات الوكالة إلى الإندماج التام لتركيا في المُخطّطات العدوانية للحلف، واعتداءاته المتكررة على البلدان والشعوب، وفي مقدّمتها الشعوب العربية، وشعوب الشّرق، كما أشارت الوكالة الرسمية إلى “موقع تركيا الجيواستراتيجي بالغ الأهمية”، واعتبرتها “عضوًا محوَرِيًّا بحلف شمال الأطلسي، يقدّم (هذا العضو الهام) دعمًا سنويا للحلف (معلوم اشتراك سنوي) بقيمة تسعين مليون دولارا، ما جعل تركيا من أكثر الأعضاء قًوّةً وإسهامًا في بعثات وعمليات الحلف، بعدد كبير من الدول مثل أفغانستان وكوسوفو والعراق، وفي المحافظة على الإستقرار بالشرق الأوسط، ومكافحة العُنف والمنظمات الإرهابية، ويتمثّل دور تركيا في تأمين الجناح الجنوبي الشرقي للحلف إبّان الحرب الباردة،  من فترة منتصف الأربعينيات حتى أوائل التسعينيات من القرن العشرين، ثم تَمثَّل دور تركيا في تقديم إسهامات كبيرة لبعثات الحلف المعنية بإدارة الأزمات ببقاع مختلفة من العالم، والمُساهمة النشطة والدّائمة بالعمليات والمهام البحرية، منها عملية (الحرس البحري)، بقيادة (ناتو) في البحر الأبيض المتوسط، كما تتولى دورا مهما في مكافحة الهجرة غير النظامية في بحر إيجة، كما تتولى تركيا مهام قيادية في صفوف الحلف، وتستضيف العديد من المقرات التابعة للناتو، أبرزها قيادة القوات البرية ( LANDCOM )  بمحافظة إزمير، ومنظومة رادار تابعة للحلف بمحافظة ملاطيا، ومنذ 2011، اضطلعت تركيا (داخل حلف شمال الأطلسي) بدور رئيسي في مكافحة الإرهاب، عبر العمليات العسكرية بسوريا والعراق وليبيا، فضلا عن استخدام الحلف البُنى التحتية والقواعد العسكرية بتركيا…” (وردت هذه المعلومات بموقع وكالة الأناضول، وفي تصريح للأمين العام لحلف شمال الأطلسي ( 19/02/2021) وأعلن الرئيس التّركي: “ستواصل تركيا الحفاظ على مكانتها كعضو محوري داخل الناتو وذلك بما تتمتع به من قدرات عسكرية، وموقع جيو استيراتيجي…” (الأناضول 29/10/2021). توضّح هذه الإقتباست الطّويلة الدّور التّخريبي لتركيا، كعضو في حلف “ناتو” العدواني.
صرّح وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن”، في رسالة تهنئة بمناسبة عيد الجمهورية التركية: “إن تركيا حليف مهم في حلف شمال الأطلسي (ناتو) وشريك هام، للولايات المتحدة، حيث وقفت تركيا، على مدى عُقُود، جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة لمواجهة التحديات العالمية، ما مَكّن من تطوير علاقاتنا الإستراتيجية، المبنية على التعاون التجاري والدبلوماسي والأمني القوي…” (وكالة الأناضول 29/10/2021).

تركيا، نموذج “الإسلام الأطلسي”:

تلِحُّ تركيا الرسمية وحلفاؤها على إظْهارَ هذا الوجه الأطلسي، بمناسبتَيْن هامّتَيْن: ذكرى عيد الجمهورية، وذكرى الناتو (التأسيس وانتماء تركيا)، وهذه حقيقة تركيا الإخوانية التي يركع لها الإخوان المسلمون العرب، ووسائل الإعلام القَطَرِية الداعمة للإخوان ولتركيا، وهذه هي تركيا التي أعلن قادة إخوان المغرب وتونس، لمّا كانوا يحكمون البَلَدَيْن، ضرورة إنقاذ عُمْلَتِها (اللِّيرة التّركية) المُنهارة واقتصادها المُترنّح، ولم نسمع أو نقرأ تصريحات حماسية مًماثِلَة لإنقاذ الدّرهم المغربي أو الدّينار التّونسي، أو اقتصاد البلَدَيْن أو أي اقتصاد عربي، وفتَحَ الإخوان المسلمون باب تونس والمغرب وليبيا، لدخول السلع التّركية، المنافسة للإنتاج الفلاحي المحلي، وللمُقاولات والشركات المَحَلِّيّة، بل أصبح بعض زُعماء الإخوان مُمثِّلِين تجاريين، ووكلاء للشركات التّركية الرافضة تشغيل التونسيين، بمطار “النفيضة” (على سبيل المثال) التي تُشرف على إدارته شركة تركية…
يَحْكُم الرئيس أردوغان، الذي كان رئيس حكومة، قبل تغيير الدّستور، وحزبه (العدالة والتنمية) تركيا الأطلسية، منذ عِقدَيْن، لكنها ليست أول تجربة لحكم تيار الدّين السياسي، بل سبقتها تجارب أخرى أهمها:
تجربة “عدنان مندريس” (1899 – 1961) الذي أصبح رئيسًا للحكومة، من 1950 إلى 1960، بدعم من التّيّارات الإسلامية التي كانت تُطالب، بعد وفاة كمال أتاتورك (1881 – 1938)، بإعادة فتح المدارس الإسلامية الخاصة، والترخيص للجمعيات الناطقة باسم الإسلام والدّاعية إلى نشر مظاهر التّديّن في المجتمع، واتّسع حَيّز العمل الدّعائي لهذه الجمعيات، وأهمها جمعية “الإسلام والتّطهير” التي كانت تُشكّل فرعًا للإخوان المسلمين، وكانت تُشرف على تكوين الأئمة والوُعّاظ، ونصّب بعض زعمائها أنفسهم “عُلَماء”، يقومون بالدّعاية السياسية، إلى أن نفّذ الجيش (الذي يدّعي أنه حامي العلمانية، بصيغتها الأتاتوركية الدّكتاتورية) انقلابًا، سنة 1960، وتم إعدام بعض القيادة، منهم رئيس الحكومة “عدنان مندريس”، وبعض زعماء الإسلام السياسي…
التجربة الهامّة الثانية، تمثّلت في تأسيس حزب إسلامي، سنة 1972، تحت إسم “حزب السّلامة”، بقيادة “نجم الدّين أربكان” (1926 – 2011)، مُعلّم الجيل الحاكم حاليا بتركيا، وكلّما حلّت السّلطة الحزب، غَيَّر إسمه، إلى غاية تأسيس حزب “الرّفاه”، الذي كان “إسلاميًّا”، بدون تَقِيّة، وبدون مواربة، وتمكّن من الفوز في انتخابات محلية، بمدينة أنقرة، العاصمة، وبإسطنبول، أكبر مدينة تركية، قبل أن يفوز الحزب سنة 1996، بالأغلبية البرلمانية، ليصبح زعيمه “نجم الدّين أربكان” أول رئيس وزراء يُعرّف نفسه كإسلامي (تيار الإخوان المسلمين)، منذ إعلان الجمهورية، لكن لم يبق على رأس الحكومة سوى سنة واحدة، من حزيران 1996 إلى حزيران/يونيو 1997، وتجدر الإشارة إلى اتفاق كافة الأحزاب البرلمانية التركية على العديد من الثوابت، منها الشوفينية المُفرطة، فهناك قواسم مشتركة، منها مباركة عملية احتلال الجزء الشمالي من جزيرة “قبرص”، سنة 1974، ولا تزال عملية الإحتلال ونقل السكّان الأتراك إلى الجزيرة، متواصلة، في عملية استعمار استيطاني، شبيه بالإستعمار الصهيوني، ليصبح السكان المحلّيّون أقلية، كما لم يُعارض أي حزب، لا علماني ولا إسلامي، انتماء تركيا لحلف شمال الأطلسي ومشاركتها في كل عدوان ينفذه الحلف، ولم يطالب أي حزب برلماني بإعادة النظر في العلاقات المتطورة مع الكيان الصهيوني، وتُشارك أحزاب المعارضة البرلمانية، مع حزب السّلطة (بل تُنافسه في الشوفينية)، في شن حملة على اللاجئين السوريين الذين ساهموا بشكل كبير في تنمية الإقتصاد التّركي، بفعل الإستغلال الفاحش الذي يُمارسه الرأسماليون في مجالات الزراعة والبنية التحتية والخدمات، عند تشغيل السوريين، الهاربين من المناطق التي تحتلها تركيا والمجموعات الإرهابية الموالية لها، ووجب التنويه بمواقف بعض الأحزاب التي تتبنى الإشتراكية أو الشيوعية، وهي مواقف مناهضة لاحتلال سوريا وما نتج عنها من تهجير المواطنين السوريين واستغلالهم وابتزازهم في تركيا، وفي أوروبا…
نظّم الجيش انقلابًا ضد حكومة نجم الدّين أربكان (حزيران 1997)، وأمَر بحلّ الحزب، ومحاكمة الزعماء، منهم رجب طيب أردوغان الذي مُنع من مزاولة النشاط السياسي لفترة خمس سنوات، وأدّى فشل التجربة الثانية للتيار الإسلامي إلى انشقاق جيل الشباب، منهم أردوغان وعبد الله غول وداوود أوغلو، وغيرهم ممن يدعون إلى البرغماتية، أي التّأقلم مع الوضع، وهو ما كان يدعو له حسن التّرابي وراشد الغنوشي وزعماء تيار الإخوان بمصر، وشقّ عصام العطار، المرشد العام الأسبق لإخوان سوريا، وأسس هذا الجيل الجديد من الإخوان الأتراك حزب الفضيلة (سنة 2000) ثم حزب “العدالة والتنمية”، سنة 2001، والذي فاز بانتخابات 2002، ليصبح رجب طيب أردوغان رئيسًا للحكومة، قبل الإنقلاب على إخوانه السابقين، باسم البرغماتية أو الواقعية والتّأقلم مع الوضع…
بقيت الدّولة التركية دولة “غربية”، نشطة بحلف شمال الأطلسي، ولها علاقات عسكرية وتجارية متطورة مع الكيان الصهيوني (الذي اعترفت به منذ شهر آذار/مارس 1949)، ومُعادية لمحيطها العربي والإسلامي والآسيوي، حتى أعاد زعماء حزب العدالة والتنمية النّظر في بعض الجوانب التكتيكية والعَمَلِيّة، تحت شعار “إحياء دور تركيا الإسلامي”، بغرض خلق وضع يُساعد هيمنة تركيا (الرأسمالية الأطلسية المتصهينة ) على دول الجوار، وعلى ما وُصِفَ ب”العالم الإسلامي السّنِّي”، وتمكّنت تركيا الإخوانية من تصريف سلعها، ومن توسيع علاقاتها الإقتصادية والسياسية بالبلدان العربية، رغم احتلال جزء من سوريا وقصف أراضي العراق، وتخريب ليبيا والعديد من البلدان العربية الأخرى، كخطوة لإحياء فكرة “التحالف الإسلامي”، بزعامة تركيا، التي نادي بها مُعلم الإخوان المسلمين “نجم الدّين أربكان”، بهدف إعادة الهيمنة التركية على الحيز الذي كانت تحتله الدّولة العثمانية، باسم الإسلام، بالإضافة إلى الدول الإسلامية الآسيوية الكبيرة (أندونيسيا وماليزيا وباكستان)، لأن الغرب، والإتحاد الأوروبي، لم يحترم تركيا، ولم يعتبِرْها دولة “غَرْبِيّة”، مكتملة الشُّرُوط، وكانت انتفاضات 2011 فرصة لدعم الإخوان المسلمين، من المغرب إلى سوريا، وإنجاز مشروع الهيمنة التّركية “سلْمِيًّا” بواسطة عُمَلاء محلّيّين، لكن أظهرت الأحداث أن تركيا تستخدم كافة الوسائل لتفتيت الوطن العربي والهيمنة عليه، بواسطة الإخوان المسلمين، وكذلك بواسطة القوة العسكرية، وفيالق المُرْتزقة، في ليبيا والعراق وسوريا، ثم في بلدان آسيا الوُسطى لاحقًا (أذربيجان وأرمينيا )، مع ابتزاز دول أوروبا باستخدام مأساة اللاجئين، إثر مماطلة، ثم رَفْض الإتحاد الأوروبي (خصوصًا ألمانيا وفرنسا) عضوية تركيا التي تحاول تعويض هذا الرفض بزيادة الهيمنة في مناطق أخرى، وإقامة قواعد عسكرية في قطر والصومال، وشمال سورية، وليبيا والعراق، وتتطلّع إلى مزيد من الهيمنة على الخليج والبحر الأحمر، وشكّل هذا المَسْعى التّرْكِي أحد أسباب الخلاف مع الكيان الصهيوني.
نجحت تركيا في مساعيها لتعزيز نفوذها عبر دعم قوى الدّين السياسي ( الإخوان المسلمون)، باستخدام التاريخ، وساهمت كعضو في حلف شمال الأطلسي، في تفتيت ليبيا وسوريا والعراق، بالتوازي مع تقهقر الحريات الديمقراطية داخل تركيا، وقمع أحزاب المعارضة، والإعلاميين والقُضاة والمُدرِّسِين وضُبّاط الجيش والشرطة، وموظفي الدّولة، واستغلت حكومة الإخوان المسلمين مُحاولة الإنقلاب الفاشلة (منتصف 2016) والمشبوهة لقمع الحريات وخنق المُعارضة، وتغيير شكل النظام، من برلماني إلى رئاسي، مع تركيز الحكم بين أيدي الرئيس.
في الخارج، تَعَزَّزت عمليات التّوسّع، ويُسدّد الشعب السّوري يوميًّا ثمنًا مرتفعًا لتبعات احتلال الجيش التركي، والمليشيات الإرهابية المُوالية، شمال سوريا، ونشرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” (تمويل حُكُومي أمريكي)، تقريرًا، يوم الثالث من شباط/فبراير 2021، يُدِين تعرّض المدنيين السوريين يوميا لتَعَسُّف وعُنف جيش الإحتلال التّركي والفصائل الإرهابية التي تعمل تحت إشرافه، وتعرُّض المدنيين السّوريِّين للإعتقال وللتعذيب والتّرحيل قَسْرًا، من بلادهم، نحو تركيا، للتحقيق والمحاكمة والسّجن، وربما الإعدام بتركيا، وتمارس تركيا سياسة “التّتْرِيك” في المناطق التي تحتلّها (وتمارس مليشيات الأكراد نفس الشيء، أي “التّكْرِيد”، في المناطق التي تحتلها بدعم عسكري وسياسي واقتصادي أمريكي)، وتضمنت عملية التّتريك كافة مجالات الحياة اليومية، من العُملة والوثائق الإدارية ولافتات الطرقات والمحلات، وإغراق الأسواق بالسّلع التّركية، إلى اللغة وتغيير أسماء الشوارع ومناهج التعليم، وجعلها باللغة التركية، والصّحّة والبريد، ورفع العلم التركي فوق المباني الرسمية السورية، وتعْيِين مُشرفين موالين لتركيا، وبدأت تغيير التركيبة السّكّانية عبر إعادة توطين النازحين واللاجئين في مناطق تختارها السلطات التركية، واستبدال السكان الأصليين بسكان تركمان أو فُقراء من مناطق حدودية تركية، أو بعائلات عناصر المجموعات الإرهابية (في “إدلب”، على سبيل المثال)، من عرب وأجانب، بالإضافة إلى خلق تجمعات عميلة من السوريين…  أثارت هذه الممارسات التركية احتجاجات عديدة، آخرها (عند تحرير هذه الفقرات) يوم الإثنين 25 تشرين الأول/اكتوبر 2021، بريف شمال محافظة “حَلَب”، ضد “وجود الجيش التركي، وتنديدًا باعتدائه على المواطنين السوريين في بلادهم…”، بحسب وسائل إعلام سورية وروسية ولبنانية.
تتعرض الفقرات الموالية، بمناسبة عيد الجمهورية التّركية، للوضع بتركيا، مع إشارات إلى علاقاتها مع مُحيطها، والتركيز على الوضع الإقتصادي الدّاخلي.

الوضع الإقتصادي:

تتميز تركيا بموقعها الإستراتيجي، بين القارّات والبحار (البحر الأسود وبحر إيجه والبحر الأبيض المتوسط) والمَمَرّات المائية وأصبحت تُشكّل ملتقى لخطوط أنابيب الغاز القادم من “أوراسيا”، نحو أوروبا، وهي بلاد واسعة ( 783562 كلم2 ) ومأهولة بالسّكّان (قرابة 85 مليون نسمة)، ما يعني لرأس المال أنها سوق استهلاكية هامة، ويُساعد استقرارها وانتماؤها إلى حلف شمال الأطلسي وإلى مجموعة العشرين وإلى منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية، على الإستثمار الآمن والمُرْبح لرأس المال الأوروبي والأمريكي في قطاعات النسيج وصناعة الجِلْد وتركيب السيارات والكيماويات والبلاستيك والسلع الغذائية، وتحتوي أرض البلاد على العديد من المعادن، أهمها الكرُوم والفحم والحديد والرّصاص والنحاس والفضة والذهب، فضلا عن مقاطع المرمر…
تُغذّي مياه الأمطار المُنحدرة من الجبال، نهْرَيْ دجلة والفرات، وبدأت تركيا، منذ نحو سبعة عُقُود بناء السّدُود الضّخمة، لاستخدام المياه في الرّي وتوليد الطاقة، ما خَفّض من منسوب مياه النّهْرَيْن في سوريا والعراق، فيما استفاد قطاع الفلاحة التّركي، الذي ازدهر، ليُصدّر الشعير والتّبغ والفاكهة والخضار والقُطن والعنب والعسل والبندق…
تُشكّل السياحة أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، واستضافت تركيا، سنة 2019 (قبل جائحة كوفيد-19) حوالي 52 مليون سائحًا، بإيرادات قاربت 35 مليار دولارا، بحسب وكالة “رويترز” (30 نيسان/ابريل 2021)، كما تشكّل التحويلات المالية للمغتربين الأتراك في أوروبا (حوالي ستة ملايين، سنة 2018) مصدرًا هامًّا للنقد الأجنبي، إلى جانب صادرات السّلع، ما يُساهم في خفض عجز الميزانية التركية.
يُركّز إعلام السّلطة (التي هيمنت، منذ 2016، على معظم وسائل الإعلام) على “نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى حوالي 720 مليار دولارا، سنة 2020، وارتفاع قيمة الصادرات إلى حوالي 200 مليار دولارًا” وما إلى ذلك، لكن لا تستطيع الحكومة إخفاء انخفاض قيمة اللّيرة وارتفاع نسبة التضخُّم، ما يؤدّي إلى ارتفاع أسعار السلع الإستهلاكية والخدمات، فالإقتصاد التّركي هشّ إلى درجة ارتجاجه بسبب “تغريدة” للرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” مُهدّدًا بفرض عقوبات على تركيا، إذا لم تطلق سراح القس الأمريكي “أندرو روبنسون”، فضلاً عن تَبَعِيّة الليرة التركية للدّولار الأمريكي وارتباط الصادرات التركية بالسوق الأمريكية، وبالدول التي لن تتردّد في تطبيق العقوبات الأمريكية، في حال فَرْضِها، كما أن الشركات الخاصة التّركية، التي يعتمد عليها اقتصاد البلاد الرأسمالي الليبرالي، تعتمد على التمويل الخارجي، وتحتاج بشكل دائم للعملات الأجنبية لتوريد الطاقة والمواد التي تحتاجها، وتستحوذ ديون هذه الشركات على 290 مليار دولارا، معظمها دُيُون قصيرة الأجل، من إجمالي ديون تركيا الخارجية البالغة 440 مليار دولارا، أو ما يُعادل 65% من القيمة الإجمالية للدّيْن الخارجي، بحسب بيانات البنك العالمي، لسنة 2019…
أدّى انخفاض قيمة الليرة التركية، مقارنة بالعملات الأجنبية، إلى مستويات قياسية، حيث فقدت حوالي 60% من قيمتها، منذ آب/أغسطس 2018 (كان الدّولار يُساوي 3,75 ليرة، بنهاية سنة 2017، وبداية سنة 2018)، وانخفاض احتياطي النقد الأجنبي، واحتياطي الذّهب الذي استنزفته الحكومة لتوفير النقد الأجنبي، إلى خَلْق ضغوطات نقديّة، وإلى شحّ النقد الأجنبي (مع انخفاض إيرادات السياحة والمُهاجرين الأتراك)، وانخفاض مخزون الإستثمار الأجنبي المباشر إلى 31 مليار دولارا، بنهاية شهر آب/أغسطس 2021، بحسب المصرف المركزي التركي، وسجلت الليرة التّركية أدنى مستوى لها على الإطلاق يوم الثلاثاء 02 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، بواقع عشر ليرات مقابل الدّولار الأمريكي الواحد، لتفقد أكثر من 23% من قيمتها خلال عشرة أشهر، منذ بداية سنة 2021، ما يُعَسِّرُ إعادة بناء احتياطي النّقد الأجنبي، وما يعني ارتفاع نسبة التضخم إلى حوالي 20%، وارتفاع قيمة الدّيون المُقَوّمة بالعملات الأجنبية، وارتفاع أسعار السلع الإستهلاكية، وأدت السياسات الرّسمية التركية ودعم الإرهاب، والتدخل في شؤون دول المنطقة إلى تفاقم أزمة الاقتصاد التركي، وحاول الرئيس التّركي إلقاء المسؤولية على عاتق المسؤولين التنفيذيين للمصرف المركزي، فأقال ثلاثة منهم، خلال تسعة أشهر من سنة 2021، لكن الليرة واصلت هبوطها…
بعد تحويل نظام الحُكْم من برلماني إلى رئاسي، وبعد تركيز السّلُطات بين يدَيْ الرئيس أردوغان، ارتفعت دُيُون تركيا نسبة 109%، خلال ثلاث سنوات، أي منذ سنة 2018، وبلغ حجم الدّيون 1,2 تريليون دولارا، لتسجل تركيا (مع تشيلي) أعلى زيادة في الاعتماد على العملات الأجنبية، بحسب ما وَرَدَ في وثيقة أصْدَرها “معهد التّمويل الدّولي” (فرع من مجموعة “البنك العالمي”)، يوم 13 أيلول/سبتمبر 2021، بعنوان “تقرير متابعة القروض الدولية”، لتصل نسبة إجمالي الديون خلال الربع الأول من العام 2021 إلى نحو 163,4% من الناتج المحلي الإجمالي، وبلغ إجمالي الدين الخارجي للقطاع الخاص (منها المؤسسات المالية) 170,2 مليار دولارا، منها حوالي 80% بالعملات الأجنبية، بفوائد قَدءرُها تسعة مليارات دولارا، بنهاية آذار/مارس 2021، وسجّلت ميزانية الدّولة عجزاً مالياً للشهر الرابع على التوالي، لتبلغ 5,4 مليار دولارا، في تموز/يوليو 2021، لتبلغ أعلى مستوى منذ سنة 2006.
أظهرت بيانات وزارة الخزانة والمالية التركية التي نشرتها على موقعها (وقع الإطلاع عليها يوم 27 آب/أغسطس 2021) الإرتفاع الكبير لحجم ديون الحكومة منذ شهر آب/أغسطس 2018 (وهو يقابل تاريخ إنهاء العمل بالنظام البرلماني واستبداله بالنظام الرئاسي)، إذ ارتفعت الدّيون الحكومية بنسبة 109% خلال آخر ثلاث سنوات، وتشمل نفقات الرئاسة والبرلمان والوزارات ومؤسسات القضاء وغيرها من مؤسسات الدّولة، وترافق ارتفاع الدّيون مع انخفاض سعر الليرة التركية، كنتيجة منطقية للأزمة الاقتصادية، وتتهم المعارضة حزب الإخوان المسلمين بإنفاق مبالغ ضخمة من خزينة الدّولة، على الدّعاية السياسية، وعلى الحملة الإنتخابية، لسنة 2019، وتحاول الحكومة حل مشكلة ارتفاع الديون الدّاخلية بواسطة رفع قيمة الضرائب،  وارتفعت الدّيون الخارجية (بالعملات الأجنبية) من 42% من الحجم الإجمالي للديون الحكومية بحزيران/يونيو 2018 إلى 58,3% بحزيران/يونيو 2021، وشككت أحزاب المعارضة بصحة هذه الأرقام، التي تُصدرها وزارة صهر أردوغان، الذي اضطر أردوغان لإقالته بسبب كثرة ملفات فساده وفضائحه، ورغم بيانات الوزارة، ادّعى الرئيس أردوغان وجود “فائض كبير” في خزينة الدّولة، ما يُبرّر الطّعن في مصداقيته وفي مصداقية حكومته.
من جهة أخرى، أدرجت مجموعة العمل المالي (فاتف)، وهي هيئة رقابية دولية ترصد “عمليات غسيل الأموال وتمويل الإرهاب” (مع الإحتراز الشديد بخصوص مثل هذه التّعريفات الخاضعة لتوجيهات الإمبرياليات الأمريكية والأوروبية، بذريعة حماية المنظومة المالية الدّولية)، تركيا ضمن “القائمة الرمادية”، منذ 2011، وأكّدت تصنيفها في التقرير الذي أصدرته يوم 21 تشرين الأول/اكتوبر 2021، إلى جانب باكستان وسوريا واليمن و19 عشر بلدًا وكيانًا آخر، منها البلدان التي لا ترضى عنها الإمبريالية الأمريكية، مثل إيران وكوريا الشمالية المُدرجَتَيْن في القائمة السّوداء، لكن وضع تركيا يختلف، لأنها عضو حلف شمال الأطلسي، وعضو مجموعة العشرين وعضو منظمة  التعاون والتنمية الإقتصادية، وتتهمها “فاتف” بتسهيل عمليات تمويل الإرهاب والتهرب من العقوبات وغسيل الأموال، وتندرج أهمية هذا التصنيف في ابتعاد المُستثمرين والمُقرِضِين عن مثل هذه الدّول المُدْرَجَة في القائمة الرّمادية أو القائمة السّوداء، كما يُشكّل هذا التصنيف خَطَرًا على الصّادرات، وعلى المعاملات المالية الدّولية، ونشرت وكالة “أسوشيتد برس”، وموقع “وول ستريت جورنال” (22 تشرين الأول/اكتوبر 2021) تحليلات تُشير أن هذا التّصنيف قد يُعجّل بخروج الأموال (أموال الإستثمارات والإيداعات المصرفية) من البلاد، خصوصًا مع بدء تعافي اقتصادات الدول الرأسمالية المتقدّمة، ما قد يؤثّر سلْبًا على اقتصاد تركيا المتعثِّر، بفعل انخفاض قيمة الليرة وارتفاع نسبة التضخم، وانخفاض حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وكانت بعض وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية قد أشارت إلى العلاقات المشبوهة للنظام التركي “بمنظمات صنفتها الأمم المتحدة على أنها إراهبية، مثل داعش والقاعدة وفروعهما…”، وتتجه أموالالإرهاب بتركيا (التي تنهب موارد سوريا ) إلى القطاعات المصرفية والعقارية وتجارة العملة والذهب، وغيرها، بحسب “نيويورك تايمز”، عن وزارة الخزانة الأمريكية (27 تشرين الأول/اكتوبر 2020)، وكانت منظمة الشفافية الدّولية ( تتركب ميزانيتها من مؤسسات وصناديق حكومية ووزارات خارجية دول أوروبا وأستراليا ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية وكندا والولايات المتحدة، وغيرها، بنسبة 85%، والبقية من مؤسسات وأوقاف، وتبرعات، بحسب موقع المنظمة ) قد اتهمت الرئيس التركي (حزيران/يونيو 2020) ب” إعلان العفو تلو الآخر عن الفاسدين، ومكافأة المختصين بغسيل الأموال وتمويل الإرهاب، والمتهربين من العقوبات، بتعيينهم في وظائف كبيرة ومريحة” (أيلول/سبتمبرر 2020، وأعلنت المُفوضية الأوروبية (20 تشرين الأول/اكتوبر 2021) “إن تركيا تقاعست عن التصدي لغسيل الأموال وعن مكافحة الإرهاب، ولم تحرز أي تقدم، رغم التزاماتها الدولية”. تُعرّف منظمة الشفافية الدولية مكافحة غسيل الأموال: “التأكد من أن التدفقات المالية الواردة لا تتوافق مع الأنشطة الإجرامية، والاتجار بالمخدرات والأسلحة والبشر، والابتزاز، والفساد، والتهرب الضريبي، والتي يمكن إعادة استثمارها في الأنشطة القانونية حتى يتمكن المجرمون من الاستفادة منها …”، أما في الواقع فإن الملاذات الضريبية تقع بأوروبا (سويسرا ولكسمبورغ وبلجيكا…) وبالمُستعمرات البريطانية والأمريكية، وبالجُزُر الصغيرة بالمحيط الهادي، وبحر الكاريبي، وغيرها.
الفقر والبطالة:
كان اقتصاد تركيا مُتأزّمًا، قبل انتشار وباء “كوفيد-19″، مثل العديد من البلدان الأخرى، فتعمقت الفجوة بين الأثرياء والفُقراء، وبلغ عدد من يعيشون تحت خط الفقر، بنهاية سنة 2019، أي قبل انتشار الوباء، ما لا يقل عن 17 مليون فقير مُدقع، تحت خط الفقر، بحسب البيانات الحكومية، وأدّى الإغلاق إلى تسريح ملايين العاملين، لتصل نسبة البطالة إلى 26% من قوة العمل الرسمية (المُعترف بها، أي دون احتساب السوريين والعراقيين والأفغان العاملين) البالغ عددها نحو 63 مليون شخص قادر على العمل، من 15 إلى 64 سنة، بنهاية سنة 2020، واستغل أرباب العمل والشركات الأزمة الصّحّية لطرد العمال النّقابيين، ويسمح “القانون 29” لأرباب العمل طرد العُمّال الذين يُدافعون عن حقوقهم، بتوجيه تهمة لهم، دون تقديم إثباتات، ما يحرم هؤلاء العمال من العثور على عمل آخر، لأنهم أُضِيفُوا إلى “القائمة السّوداء”، وما يحرمهم من المطالبة بأي تعويضات، وسبق أن خاض العمال نضالات وإضرابات عديدة، من اجل إلغاء هذا القانون، والقوانين الأخرى التي تُجرّم التجمعات والتظاهر أيام الثامن من آذار/مارس (يوم النّساء) أو الأول من أيار (اليوم العالمي للعمال)، ويتعرّض كل من يُقاوم ويحتج ويعتصم ويتظاهر إلى القمع والإعتقال والمحاكمات، والطرد من العمل، وهو ما يتعرض له كذلك طلاب الجامعات الذين يحتجون ضد اعتقال الأساتذة وفَصْلِهم وضد تعيين عُمداء الكُلِّيات، بدل انتخابهم، كما تتعرض الحركات السياسية والنقابية والجمعيات غير الإخوانجية إلى القمع، وطال الإعتقال نوابًا بالبرلمان ورؤساء بلديات، خاصة من حزب الشعوب الديمقراطي، الذي سُجِنَ قادته ونوابه.
في هذا المناخ، ارتفع عدد العاطلين عن العمل، وتجاوز عدد الفقراء 18 مليونًا، بنهاية النّصف الأول من سنة 2021، بحسب البيانات الرسمية، لكن قدّرت جمعية حقوق المستهلك، أن العدد الحقيقي للفُقراء يُقارب الخمسين مليونًا، فيما يكافح 16 مليون فقير جائع من أجل البقاء، بحسب تصريح لأحد مسؤوليها لوكالة الصحافة الفرنسية – أ.ف.ب، بتاريخ 15 تشرين الأول/اكتوبر 2021، وموقع “أحوال تركية”، صحيفة “حزب الشعب الجمهوري” الليبرالي، المُعارض لحزب العدالة والتنمية (الحزب الحاكم)، فيما قدر اتحاد النقابات التقدّمية “ديسك” عدد العاطلين الجُدُد عن العمل بأكثر من عشرة ملايين، بنهاية النصف الأول لسنة 2021، ويُذَكِّرُ اتحاد النقابات التقدّمية “ديسك” أن قانون العمل بتركيا لا يعترف برمْزِيّة يوم الأول من أيار/مايو، وبالتالي تحظر الحكومات المتعاقبة (منذ تأسيس تركيا الأتاتوركية) الإحتفال به والتّظاهر في الشوارع والسّاحات، وكان نصيب المتظاهرين هذا العام (2021) كما الأعوام السابقة، القمع والعنف والإعتقالات، وتزامن الأول من أيار/مايو 2021 مع ارتفاع حالات الإصابة بالفيروس التاجي (كوفيد) واستغلت حكومة الإخوان المسلمين هذا الظّرف لتَفْرِضَ قُيُودًا، بنهاية شهر نيسان/ابريل حتى السابع عشر من أيار/مايو 2021، “لتقليل عدد الحالات إلى أقل من خمسة آلاف حالة في اليوم”، بحسب بلاغ الحكومة، وفي منتصف شهر رمضان، أغلقت الآلاف من أماكن العمل والمتاجر والمطاعم والحانات والمقاهي، دون أي بطالة جزئية أو أي مساعدة للعمال، فتزامنت الأزمة الصحية مع الأزمة الاقتصادية والبطالة الجماعية وانخفاض قيمة العملة، وانخفاض قيمة الرواتب، وخفض مكافأة نهاية الخدمة، وجرايات التّقاعد، مع تضخم أسعار السّلع الغذائية الأساسية ، ومع زيادة أسعار المياه والغاز والكهرباء، ما أثار احتجاجات وإضرابات تطالب بالزيادة في الأجور، في قطاع الصّلب والنّقل والبريد، وعمال قطاع الخدمات وغيرها من القطاعات، وانتشرت شعارات مثل “ضرورة زيادة الرواتب”، أو “الجوع في البيت والعَدْوى في مكان العمل” أو “الحق في العيش مثلكم” (مثل الحاكمين) أو “الأولوية لإنقاذ الأرواح، بدل إنقاذ أرباح رأس المال”، اعتبر ممثلو نقابات الأُجَراء أن حكومة الإخوان المسلمين (العدالة والتنمية) تُحمِّلُ العمالَ فاتورة الأزمة والركود الاقتصادي، وارتفاع حجم الدّيون، من خلال نَهْب صناديق نظام التقاعد.
يعتبر اتحاد النقابات “تركيش” (يعَرّف نفسه: “نقابة ثورية”) إن حكومة حزب “العدالة والتنمية” لا تقترح معالجة تصاعد البطالة والفقر، وأجرَت النقابة مسحًا في أيلول/سبتمبر 2021، ونشرت نتائجه تحت عنوان: “مسح حُدُود الجوع والفَقْر”، من أجل “الكشف عن الظروف المعيشية للعاملين وتحديد انعكاسات تغيرات أسعارالسلع والخدمات الضرورية الأساسية على ميزانية الأسرة، وعلى الإنفاق من أجل توفير تغذية صحية ومتوازنة وكافية لأسرة مكونة من 4 أفراد”، فقد تمّ تحديد “حدّ الجوع”، الذي يُعبّر عن مقدار الإنفاق الغذائي الذي يجب أن يحصل، بثلاثة آلاف وتسع وأربعين ليرة تركية. أما “خط الفقر”، وهو المبلغ الإجمالي للمصروفات الإجبارية الأخرى على المأكل والملبس والمسكن والمواصلات والتعليم والصحة والاحتياجات المماثلة، فيُقدّر بتسعة آلاف و 931 ليرة و 59 سنتا، وتم احتساب “تكلفة المعيشة” للعامل أو الموظف الواحد (بدون أسرة وأطفال) بثلاثة آلاف و 709 ليرة و 23 قرش في الشهر.
يستخلص مُعِدّو التقرير أن مُعظم أُسَر العُمال وصغار الموظفين (فضلا عن العاطلين عن العمل) تَمُرُّ بإحدى أصعب الأزمات الاقتصادية، حيث لا تستطيع هذه الأسر الحصول على ما يكفي من الغذاء في ظل الفقر الشديد، ولا تستطيع شراء حليب الأطفال وأبسط مستلزماتهم، لأن سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية تسببت في إفقارهم، من خلال ارتفاع حدة البطالة واتنخفاض قيمة الرواتب والدّخل، مع ارتفاع أسعار الغذاء وكافة المواد والخدمات الضّرورية.
من جهته يتهم اتحاد نقابات العمال التقدمي التركي (ديسك ) معهد الإحصاء الحكومي بتجاهل العديد من التفاصيل والبيانات التي كان يتطرّق إليها في دراساته السابقة لمستوى البطالة في البلاد والتي ارتفعت نسبتها أكثر مع تفشي فيروس كورونا الذي أوقف آلاف المنشآت الصناعية والخدمية عن العمل، وبالتالي فقدان الكثيرين لوظائفهم، حتى بات أكثر من ربع السكان القادرين على العمل، مُعطلين، لكن معهد “الإحصاء التركي” يقول إن معدل البطالة بلغ 12% بنهاية الربع الثاني (حزيران/يونيو) لسنة 2021، أي أقل من أربعة ملايين عاطلٍ عن العمل. تجدر الإشارة أن نقابيِّي “ديسك” يتعرضون للقمع والإعتقال، واضطر نظام تركيا إلى إطلاق سراح القادة الذين تم اعتقالهم مؤخّرًا، بعد حملة احتجاجات…

استغلال محاولة الإنقلاب لتكثيف القمع والتّرهيب:

على ذكر الإعتقالات، نشرت صحيفة “لا كروا” الفرنسية (13 آب/أغسطس 2021)، مقالاً عن وجود ما لا يقل عن 131 سجناً جديدًا في تركيا، وتوسيع عشرة سجون، منذ محاولة الانقلاب في 15 تموز/يوليو 2016، بهدف استيعاب عشرات الآلاف من المعارضين الذين اعتقلتهم السلطة، والمليشيات المُسلّحة للحزب الحاكم، ويجري التخطيط لبناء مائة سجن إضافي وتوسيع ما لا يقل عن عشرة من السجون القديمة، فيما نشر موقع صحيفة “أحوال تركية” تحقيقًا أكّد إنّ النظام استغل الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي حدثت عام 2013 في ميدان غيزي بإسطنبول، ثم  الانقلاب الفاشل سنة 2016، لإقرار قوانين وسلطات استثنائية، مكنت الحكومة من تخصيص مبالغ مالية بقيمة 1,3 مليار دولار، دون رقابة، لبناء السجون ولتمديد فترة التّرهيب و وشملت الإعتقالات الصحافيين والجنود وضُباط الشرطة والجيش والقُضاة والموظفين الحكوميين والمُدرّسين والطّلبة، والنّقابيين والسياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والفنانين، ما جعل السجون مُكتظّة، وما يُبرّر ارتفاع وتيرة بناء السجون التي تضاعفت منذ العام 2016 مقارنة بالسنوات الأربع التي سبقت الانقلاب الفاشل، كما تم توسيع بعض السجون التي ارتفع حجم نُزلائها بنسبة 50%، وأصبح أحد السّجون يضم خمسة عشر ألف سجين، وارتفع عدد المساجين من 180 ألفاً إلى أكثر من ثلاثمائة ألف، خلال أربع سنوات، وفقاً للإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة القضاء، رغم تخفيف الإكتظاظ بصدور عفو عام وإطلاق سراح 190 ألف سجين غير سياسي منذ العام 2016، وإطلاق سراح الآلاف، سنة 2020، عند انتشار وباء “كوفيد 19″، وتحتل تركيا مركزًا متقدّما، بخصوص نسبة عدد المساجين، الذي بلغ، سنة 2020، 357 سجيناً لكل 100 ألف نسمة، لأن السلطة تتهم أي مُعارض “بالإرهاب”، وورد في تحقيق نشره صحافي مستقل، كان يعمل بصحيفة “جمهورييت” أن السلطات التركية شيدت 14 سجنًا جديدًا سنة 2014 و18 سنة 2015 و38 سنة 2016 و12 سنة 2017و 15 سنة 2018 و26 سجنا جديدا سنة 2019 و18 سجنا جديدا سنة 2020 ويجري إتمام بناء 39 سجنا سنة 2021، ليرتفع عدد السجون الجديدة خلال السنوات الثمانية الأخيرة إلى 180 سجنا، وسيصل عدد االسجون الى 400 سجن بنهاية سنة 2021…
أدّت حِدّة القمع وانتشار الفساد والزّبُونِيّة وتراجع مستوى عَيْش الفُقراء، رغم ارتفاع نسبة النّمو (قبل أزمة “كورونا”)، وانخفاض قيمة العُملة التركية، وارتفاع الأسعار ونسبة البطالة، إلى انخفاض شعبية حزب الإخوان المسلمين وزعمائه، وشكّلت انتخابات 2019 مقياسًا لهذا التّراجع الأهم منذ 2002، حيث فازت المعارضة، بمختلف تلويناتها بالمدن الكبرى، لكن كان “حزب الشّعب الجمهوري” المستفيد الأول من تراجع شعبية الإخوان المسلمين، وما هو سوى حزب يميني ليبرالي شوفيني، مُعادي للعرب ويستخدم اللاجئين- الذين يُحمّلُهم ضِمْنِيًّا مسؤولية انتشار الفقر- كَمَطِيّة للوصول إلى الحكم (أو استرجاع الحُكْم)، بالمحطة الإنتخابية القادمة (حزيران/يونيو 2023)، وربما بالانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة، التي تحاول المُعارضة الدّفْع إليها.
ترتكز المعارضة على بعض الدّراسات والمُؤشرات، فقد نشر معهد اسطنبول للبحوث السياسية، بنهاية شهر تموز/يوليو 2020، دراسة عن شباب تركيا، وعن انتشار الفساد والمحسوبية وانعدام فُرص العمل، لغير المنتسبين لحزب الإخوان المسلمين الحاكم، إذ فاقت نسبة بطالة الشباب 26% وهاجر (سنة 2019) أكثر من 330 ألف شاب تركي، بحثًا عن فُرص عَمل بالخارج، كما يعتقد أكثر من 70% من الشباب، أن العلاقات السياسية وليست المواهب والكفاءة هي المُحدّدة لوجود عمل لائق وللحصول على دخل محترم، وتعتبر نفس النّسبة أنها لا تستطيع التعبير عن رأيها بحرية، دون مجابهة تُهم مُلفّقة كالإرهاب، وأوردت الدّراسة أن السلطات حَظَرَت 408494 موقعا على الشبكة الإلكترونية، وأغلقت سبعة آلاف حسابا على تويتر، وحذفت أربعين ألف تغريدة على تويتر، وعشرة آلاف مقطع فيديو على يوتيوب،  وحجبت 6200 حسابا على فيسبوك، وتخص هذه الأرقام، سنة 2019، وفقا لتقرير “غيت ستون”. أما في بداية انتشار الفيروس التّاجي، سنة 2020، فقد اعتقلت السلطات، خلال الشّهرَيْن الأولَيْن (لانتشار الفيروس)، ما لا يقل عن 510 مواطن بتهمة “نشر أخبار زائفة في وسائل التواصل الاجتماعي”، ولم يتوقف حزب العدالة والتنمية عند هذا الحدّ، بل أعَدَّ مشروع قانون لتشديد سيطرة الحكومة على وسائل التواصل الاجتماعي، وإجبار الشركات التي لديها أكثر من مليون مستخدم يوميا في تركيا، مثل تويتر وفيسبوك ويوتيوب، على تعيين ممثل رسمي في تركيا، يكون مسؤولا أمام السلطات التركية بشكل قانوني، وإذا لم تمتثل هذه الشركات، فقد يتم تغريمها بما يصل إلى ملايين الدولارات.

خاتمة:

نشرت بعض وسائل الإعلام التّركية، ووكالات أجنبية، مثل “تومسون – رويترز” و “بلومبرغ”، يوم 29 تشرين الأول/اكتوبر 2021، تعليقات ودراسات عن الأزمة السياسية والإقتصادية بتركيا، بمناسبة المناوشات الكلامية بشأن رفض الولايات المتحدة بيع طائرات أف-35 إلى تركيا، رغم تسديد ثمنها، وذلك على هامش اللقاءات التي تمت مؤخرًا، ببريطانيا وبإيطاليا، وعلى هامش تهديدات أردوغان بطرد عشر سُفراء “غربيين” (قبل أن يتراجع)، وتذكّرت هذه الوكالات والمؤسسات البحثية أن الإخوان المسلمين معادون لحرية الرأي وللدّيمقراطية، خاصة منذ محاولة الإنقلاب الفاشل والمشبوه (15 تموز/يوليو 2016) وإعلان حالة الطوارئ في 21 تموز/يوليو 2016، بعد ستة أيام من محاولة الانقلاب، وما نتج عنها من اعتقالات وطرد عشرات الآلاف من الأشخاص من مناصبهم في الوظيفة العمومية، من مؤسسات التعليم ومراكز البحوث ومن الجيش والشرطة والقضاء، وإقالة ومحاكمة زملائهم الذين طالبوا بإطلاق سراحهم وإعادتهم إلى وظائفهم، وبلغ عدد أساتذة الجامعات والباحثين والأكاديميين المطرودين من عملهم حوالي 127 ألف… لكن يشفع لتركيا انتماؤها لحلف شمال الأطلسي، وعلاقاتها المتطورة مع الكيان الصهيوني…
تعمل تركيا، بمباركة أمريكية، على تعزيز نفوذها في المناطق التي كانت تنتمي إلى الإتحاد السوفييتي السابق، أو تقع على حُدُوده، فلم تقطع تركيا الإخوانية مع تركيا الأتاتوركية، بل عززت النزعة القومية (الطورانية)، بالتّركيز على إعادة تشكيل “تركيا الكبرى” التي يمتد نفوذها من بحر إيجة إلى منطقة الأقلية المسلمة بالصين “الويغور”، أو ما تُسميه تركيا “تركستان الصينية”، بالتوازي مع قضم أراضي العراق وسوريا، وأرمينيا، والإنخراط المباشر في الحروب الإقليمية، وأهمها (فضلا عن الإحتلال الأمريكي لسوريا والعراق) الحرب بين أذربيجان وأرمينيا (سنة 2020)، وتحالف تركيا المُباشر مع أذربيجان، وتمكنت تركيا من فتح مَمَرّ “تركماني”، ينطلق من تركيا، ويعبر أذربيجان وأرمينيا نحو المناطق التي تضم أقليات ناطقة بالتركية، كما اتفقت الإمبريالية الأمريكية مع الحليف التّركي (الأطلسي) لكي ينوبها في السهر على أمن القاعدة الأمريكية بمطار العاصمة الأفغانية “كابول”، بعد الإنسحاب الأمريكي، لتلعب تركيا دور جدار الصّدّ الذي يُشكل حاجزًا على طريق التجارة “الحزام والطريق”، بين الصين (التي لها حدود مع أفغانستان) وروسيا التي لها روابط تاريخية مع أفغانستان، تعود إلى بداية القرن العشرين، ولتكون تركيا عُقدة الحل والربط بين آسيا وأوروبا، ومركزًا لتخزين وتوزيع الغاز القادم من روسيا ومن المناطق المجاورة.
تلعب تركيا دور الوكيل لحلف شمال الأطلسي، ولكنها لا تكتفي بذلك، فلها طموحاتها الخاصة، ولذلك أشرف نظامها الإسلامي على تدريب وتسليح وتمويل المجموعات الإرهابية بسوريا، وتحتل أجزاء من شمال سوريا، فضلاً عن لواء إسكندرونة، وتقصف شمال وشرق العراق باستمرار، واستخدمت تركيا فصائل الإرهابيين لتحقيق أهدافها القومية الخاصة، في ليبيا وفي أذربيجان، وفي دول إفريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، وتستخدم ملايين اللاجئين على أراضي تركيا، لاستغلالهم اقتصاديا، وكذلك لمُساومة وابتزاز أوروبا، التي تمنح تركيا حوالي 6,5 مليارات يورو سنويا، لإقامة مخيمات وسجون للاجئين على أراضيها، ومنعهم من دخول الإتحاد الأوروبي، وبذلك تُعَوّض تركيا الإستثمارات الأوروبية التي غادرت البلاد، بهذه المِنَح…
تستغل تركيا، والقوى الرجعية الدّاخلية، والإستعمارية الخارجية، غياب مشروع قومي عربي، على غرار مشروع الوحدة النّاصري أو البَعْثي، وغياب دولة عربية قوية قادرة على إقامة حدّ أدنى من التكامل الإقتصادي، بهدف تنمية اقتصاد المنطقة، وقادرة على الصّمود السياسي، لتعترض على العدوان وعلى الإحتلال الذي تُباركُهُ، بل وتُشارك بتنفيذه الأنظمة العربية العميلة. هذه بعض أسباب تغَوّل تركيا واستغلالها الوضع (تركيا، كما غيرها من القوى) لتقوية نفوذها السياسي والإقتصادي والعسكري، بالبلدان العربية، والبلدان المُصنفة إسلامية، وتقوية صفوف الإخوان المسلمين، وَكْر كل الجماعات التكفيرية الإرهابية، التي خرجت من حُضْن الإخوان المسلمين، رأس حربة الإستعمار الأمريكي/الأطلسي للوطن العربي، منذ 1991 (العراق) بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، وأداة الثورات المُضادّة المُعادية للعروبة وللإشتراكية وللفكر التقدّمي، وللكادحين والفُقراء…
لا خيار سوى بناء تحالف تقدّمي عربي-تركي، في إطار تحالفات أوْسَع وأشْمَل، لمكافحة التّمَدُّد الرّجعي، العسكري والسياسي والإقتصادي، بهدف بناء تحالف للشعوب، بدل تحالف الأنظمة، وقد يعترض البعض بذريعة صعوبة إنجاز مثل هذا البرنامج، بالنّظر لحالة الضّعف الراهن، لكن المسيرات الطّويلة تبدأ دائما بخطوات صغيرة.
الطاهر المعز

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *