صحّة – اليوم العالمي لمرض السُّكَّرِي بين صحة المواطن وخصخصة قطاع الصّحّة. الطاهر المعز

صحّة – اليوم العالمي لمرض السُّكَّرِي بين صحة المواطن وخصخصة قطاع الصّحّة. الطاهر المعز

صبح يوم الرابع عشر من شهر تشرين الأول/نوفمبر من كل عام، يومًا عالميا لمرض السّكَّرِي، في ذكرى نجاح الباحثَيْن “فريدريك بانتينغ” (كندا- 1891 – 1941) و “تشارلز بيست” (الولايات المتحدة – 1899 – 1978)، سنة 1921، لأول مرة، في تنقية الأنسولين، وهو ابتكار مكّن “فريدريك بانتينغ” من الحصول على جائزة نوبل، سنة 2023، عندما اتّضح أن لهذا الإكتشاف دور حاسم في فهم ومعالجة مرض السكري، الذي يُعرّف بأنه: اضطراب في استيعاب الكربوهيدرات واستخدامها وتخزينها، ما يُؤَدِّي إلى ارتفاع مستوى الغلوكوز في الدّم، وتم تقسيم المرض إلى نَوْعَيْن، اصطلح على اختزالهما بالنوع الأول، والنوع الثاني
النوع الأول، حيث يؤدي خلل في الجهاز المناعي إلى منع البنكرياس من إفراز الأنسولين بشكل طبيعي، أما النوع الثاني فيتميّز بإنتاج الأنسولين، لكن بأقل كفاءة في تنظيم مستويات السكر في الدم، إضافة إلى نوزع ثالث، وهو يُصيب النساء، بشكل مُؤقّت، خلال فترة الحمل، ويزول بعد الولادة، إذا ما لم تتوفّر عوامل بقائه.
أما الأنسولين فهو هرمون يفرزه الجسم (البنكرياس، المُلاصق للكبد)، لتعديل مستويات السكر في الدم، وعندما لا يفرز الجسم القدر الكافي أو يُفرز نوعًا غير جيد، أو لا يُفْرِزُ أصْلاً، يتم حقن جسم المريض بالأنسولين، وتبيع شركات المُختبرات والأدوية حُقنًا (النوع الأول) وحُبُوبًا (النّوع الثاني) لتحسين حالة المريض وإطالة عُمره، كي يرتفع عدد سنوات العلاج، دون القضاء على المرض، وكذا شأن جميع الأمراض المُزْمِنَة، فالشركات تُعرقل البحث عن حلول لعلاجها بشكل نهائي، وتشتري أي براءة اختراع، ليس بغرض استخدامها والإستفادة من تطبيقاتها، بل من أجل حجبها نهائيا.
يُقدّر عدد المُصابين الذين تم التعرف عليهم بنحو خمسمائة مليون شخص، فضلا عن الحالات غير المعروفة، أو غير المُكتَشَفَة، والتي تُقدّر بنحو 30% من العدد المعلوم، بسبب غياب برامج الصحة الوقائية، التي شن صندوق النقد الدولي والبنك العالمي حَرْبًا ضدّها، وبسبب عجز مئات الملايين من سُكّان العالم عن الحصول على الرعاية التي يحتاجون إليها، وخصوصًا في المناطق الريفية، والأحياء الفقيرة بضواحي المُدُن الكُبْرى، وفي مناطق الحرب، ويحتاج مرضى السكري إلى رعاية مستمرة، لتجنب المضاعفات، لكن مضاعفات انتشار وباء الفيروس التاجي عكّرت حالة ملايين الأشخاص المُصابين بأمراض مُزمنة، في العالم، ومنهم المُصابين بمرض السّكّري (خاصة من النّوع الثّاني) الذين يُعتَبَرُون أكثرَ عرضةً من غيرهم لمضاعفات فيروس كورونا الذي يُمكن أن يُطور، لدى مرضى السّكّري، مُقاومة الجسم للأنسولين، فالحجر الصّحّي والحبس المنزلي، عرقل علاج السّكّري الذي يقتضي ااتباع نظام غذائي صحي وممارسة النشاط البدني بانتظام والحفاظ على وزن طبيعي، إضافة إلى الفحص المنتظم، واستهلاك الأدوية.
قدّرت منظمة الصحة العالمية (سنة 2014) نسبة المُصابين بمرض السّكّري بنحو 8,5% من مجموع سُكّان العالم الذين تفوق أعمارهم 18 سنة، ويُوصَف مرض السُّكَّرِي بالقاتل الصامت، لأنه يُؤثّر سَلْبًا على العديد من وظائف الجسم، فهو واحد من الأسباب الرئيسية للعمى والفشل الكلوي والنوبات القلبية والسكتات الدماغية وبتر الأطراف السفلى، وتَسَبّب هذا الدّاء (سنة 2019) بشكل مُباشر في أكثر من 1,6 مليون حالة وفاة معروفة، في العالم، بالإضافة إلى حوالي 2,5 مليون حالة وفاة أخرى بسبب ارتفاع نسبة الغلوكوز في الدم، ورغم تطور العلوم الطّبّيّة، يرتفع عدد حالات الوفاة الناجمة عن الإصابة بهذا الدّاء بنحو 5% سنويًّا، خاصة في البلدان الفقيرة، أو متوسطة الدّخل، حيث ترتفع حالات الإصابة المُكْتَشَفة سنويا، بوتيرة أسرع من وتيرة انتشاره في البلدان الرأسمالية المتطورة، ويُحطّم الوطن العربي (خاصة الخليج ومصر) رقما قياسيا في في الإصابة بمرض السّكّري (كما بأمراض مزمنة وقاتلة أخرى، كارتفاع ضغط الدّم وأمراض الشرايين والقلب والدّماغ)، بسبب الغذاء غير الصحي وبسبب القهر والضّغط السياسي والإجتماعي والإقتصادي الذي يمكن أن يكون سببًا في الإصابة بهذه الأمراض، وتحتل البلدان العربية الفقيرة (مثل موريتانيا واليمن) مؤخرة ترتيب الإصابة في البلدان العربية، إما بسبب قِلّة الفحوصات، أو بسبب عدم توفّر الغذاء الدّسم، وقلة وسائل النقل الحضري، حيث يضطر المواطنون للسّيْر على الأقدام، مسافات طويلة…
يُشكل مرض السّكّري عبئًا ثقيلا على حياة المُصابين، بسبب ضرورة المراقبة المستمرة والمنتظمة لنسبة السكر في الدم بانتظام ، والإقلاع نهائيا عن التّدخين وتناول المشروبات الكحولية أو الغازية، واختيار الوجبات اليومية وفيرة الأَلْياف، وتناولها (مع الأدوية) بانتظام، وفي مواعيد محددة، والقيام بالأنشطة البدنية، صيفًا وشتاءً، وما إلى ذلك، ما يُؤَدِّي أحيانًا إلى تداعيات سلبية على الحياة العائلية والعلاقات الشخصية والمهنية، وغيرها من مظاهر الحياة اليومية، فضلا عن تأثيرات السّكّري في القدمَيْن والعيْنَيْن والقلب (ضبط مستوى الدُّهُون وضغط الدّم) والكلى، ما يخلق توتُّرًا وقلقًا وإرهاقًا وضيقا، وجميعها مرتبطة بالإصابة بمرض السّكّري، وهذه مظاهر تعسُر معالجتها طِبِّيًّا، إذْ يعْسُرُ تشخيصُها ومراقبتها، إلى جانب مراقبة التأثيرات البدنية الأخرى المحتملة، مقل إلحاق الضرر بالقلب والأوعية الدموية (ما يؤدي إلى السكتة القلبية أو الدماغية) والعينين والكلى والأعصاب.
يُعتبر ارتفاع ضغط الدّم من الأمراض المزمنة الأخرى التي تُشكل خطرًا قاتلا.
تضاعف عدد الأشخاص المُصابين في العالم بارتفاع ضغط الدّم من نحو 650 مليون، سنة 1990، إلى نحو 1,3 مليار شخص سنة 2019، أو حوالي ثُلُث عدد السّكّان البالغين بالعالم، وترتبط أكثر من 8,5 ملايين حالة وفاة في العالم، سنويا، ارتباطًا مُباشِرًا بارتفاع ضغط الدّم، ورغم سهولة تشخيصه وعلاجه في بداية اكتشافه بأدوية رخيصة الثّمن، لكن لا يتم تشخيص أكثر من 730 ألف حالة، أو ما يُعادل نصف المُصابين بارتفاع ضغط الدّم في العالم، أو إنهم لا يحصلون على علاج، ما يُعَرّضُهُمْ لمخاطر أخرى كمشاكل القلب والأوعية الدّموية والدّماغ والكلى، التي تُشكّل بعض الأسباب الرئيسية للوفاة في العالم، بحسب دراسة أشرفت عليها وموّلتها منظمة الصحّة العالمية، ونشرتها المجلّة الطّبّيّة البريطانية “ذا لانسيت”، يوم الإربعاء 25 آب/أغسطس 2021، وأفادت الدّراسة أن التشخيص المُبَكِّر والعلاج يُمكّنان من خفض عدد النوبات القلبية بنسبة 25%، وخفض عدد حوادث الأوعية الدّموية الدّماغية (الجلطات) بنسبة قد تصل إلى 40%، بحسب نفس الدّراسة.
ترتبط زيادة عدد حالات الإصابة بزيادة عدد سكان العالم وبزيادة معدل الأعمار (الشيخوخة)، وعدم ممارسة الرياضة (كالمشي )، مع زيادة استهلاك التبغ، رغم ارتفاع ثمنه وثبوت ضَرَرهِ، والكحول وغيرها، لكن انخفض عدد المُصابين في البلدان الغنية وارتفع في البلدان الفقيرة، حيث ترتفع نسبة الحالات غير المعروفة (غير المُشَخّصة)، وكذلك عدد الحالات التي لم يقع علاجها، خصوصًا بعد تخريب قطاع الصحة العمومية، وتغليب الرّبح بدل انتهاج سياسة الوقاية، والتوعية ونشر الثقافة الصحية، فضلاً عن عجز الفُقراء على تناول غذاء متوازن، بسبب إلغاء دعم المواد الغذائية الرئيسية كالحبوب والحليب، وبسبب إلغاء دعم المُزارعين، تطبيقًا لشروط الدّائنين، حيث ارتفع ثمن الخضار والفواكه (الغلال) التي يُساعد استهلاكها يوميًّا على تحقيق التوازن الغذائي…
تنشر منظمة الصّحّة العالمية وبعض المُؤسسات الأخرى، دراسات قيّمة، لكنها لا تضع الإصبع على الدّاء، لأن الصّحّة مرتبطة بظروف الحياة، إذ ارتفع عدد المُصابين بألأمراض المرتبطة بارتفاع ضغط الدّم والسُّكّري والأمراض المُزمنة الأخرى، في الوطن العربي، على سبيل الذّكر، بالتّوازي مع تطبيق برامج “الإصلاح الهيكلي”، منذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين، وبخصخصة قطاع الصحة العمومية وتخريبه، وهو الذي كان يقوم بدور الوقاية، وحلت محلّه حوانيت الصّحة التي تستثمر في المَصَحّات الخاصّة التي تُكثر من التّصوير بالأشعة، ومن التصوير بالرنين المغناطيسي ( MRI )، أو بالماسح الضّوئي ( Scanner ) مع التّخصّص ببعض أنواع العمليات الجراحية الباهضة، وبعلاج بعض الأمراض المُدِرّة لأكبر قَدْرٍ من الأرباح…
يُمثّل البحث والملاحظة والإستنتاج مرحلة هامة من دراسة أسباب وأَعْراض ونتائج أي مَرض، لكن صحة الإنسان ترتبط كذلك، أو بالخصوص، بظروف العيش، من الولادة وحتى الوفاة، وتنتشر في الوطن العربي، وفي البلدان المُماثلة، البطالة والأُمِّيّة والفَقْر والإستغلال والإضطهاد والقَمْع والفساد والرّشوة والغذاء غير الصّحّي، وما إلى ذلك من “أَمْراض مُجتَمَعِيّة هيكَلِيّة” اجتمعت في الوطن العربي، لتُقَصِّرَ من حياة المواطن، وإن طال به العُمْر فسوف يُعاني من ارتفاع ضغط الدّم ومن السّكّري ومن الصّداع النّصْفِي ( migraine ) المُستمر، وغيرها من الأمراض المُرتبطة بالوضع الإقتصادي والإجتماعي وبالمناخ السياسي لأي بلد.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *