الرّسُوم والضّرائب أدوات تعميق الفَجْوة الدّاخلية والعالمية. الطاهر المعز

الرّسُوم والضّرائب أدوات تعميق الفَجْوة الدّاخلية والعالمية. الطاهر المعز

 

أكّدت وثائق “لوكس ليكس” ( LuxLeakx )، التي نُشِرَتْ سنة 2014 و”أوراق بنما” (2016) و “أوراق الجنة” ( Paradise papers ) سنة 2017، ثم “أوراق باندور”، سنة 2021، وغيرها من التّسريبات التي شملت ملايين الوثائق، فساد الرّأسماليين والأثرياء والحاكمين المُتحكّمين بمصير الشعوب، وأظهرت مجمل هذه الوثائق، بعض أساليب تهرُّب الأثرياء من تسديد الضّرائب، فيما يُسدّدُ الأُجراء والكادحون، نحو 80% من حجم الضّرائب التي تَجْبِيها دُول العالم، لبناء الطّرقات والمطارات والمرافئ والبُنى التّحتية التي يستخدمها الأثرياء أكثر من غيْرهم، وأرست الدّول الرأسمالية المتقدّمة، وكذلك العديد من البلدان الفقيرة نظامًا جبائيًّا غير مُتكافئ وغير عادل، وأظْهَرت “وثائق باندورا” أن هذا النظام الجبائي، جزْءٌ من خيار سياسي يتماشى مع منطق نيوليبرالي نقيض للعدالة الإجتماعية، ويسمح بحرية حركة رأس المال، دون قُيُود تُذْكَر، ما يُمَكِّنُ الأثرياء من تحويل الثروة إلى أوراق مالية وشركات “أوف شور” (مُقيمة بالخارج، ببعض الملاذات الضّريبية)، ليتجنبوا تسديد الضرائب، على قلَّتِها، مقارنة بحجم ثرواتهم، بحسب صحيفة “لوموند” الفرنسية، بتاريخ 12 تشرين الأول/اكتوبر 2021…
منذ حوالي ثلاثة عُقُود نشر بعض الباحثين والإقتصاديين دراسات عن “الحَيْف الجِبائي”، وطالبت بعض المنظمات بإقرار ضريبة إضافية ضعيفة، لا تتجاوز نسبتها الواحد بالمائة من حجم ثروات الأثرياء، لحلّ مشاكل الجوع والفقر بالعالم، لكن أعضاء الحكومات، ونواب البرلمانات والأثرياء، ينتمون، في معظمهم، لنفس الطّبقة، أو يدافعون عن مصالح الرأسماليين والأثرياء، لذلك بقي مطلب العدالة الإجتماعية مُعلّقًا، إلى أن أعلنت منظمة التعاون الاقتصادي والتّنمية في الثامن من تشرين الأول/اكتوبر 2021، مشروع “إصلاح ضريبي دولي، يُقِرُّ فَرْضَ ضرائب موحدة على جزء من أرباح الشركات العابرة للقارات”، وهو مستوحى من مُسودة قدمتها الولايات المتحدة، لكن هذه الضريبة لا تتجاوز نسبتها 15% وهي أقل من المعدّل العالمي ( 24% حاليا)، ولا تخص سوى جزء صغير من أرباح الشركات العابرة للقارات، على نشاطها خارج بلد المنشأ أو المقر الرسمي، اعتبارًا من سنة 2023، ويهدف هذا الإجراء إلى تقويض الملاذات الضريبية التي تطبق معدلات ضريبية منخفضة للغاية أو معدلات صِفْرِيَّة، ويُتوقّع أن تلتف الشركات بسهولة على هذا الإجراء، بفضل تطوير الاقتصاد الرقمي، فضلا عن أن هذا الإجراء يتعلّق بفرض الضرائب على جزء صغير من أرباح مائة شركة متعددة الجنسيات، هي الأضخم، والأكثر ربحية في العالم، وهي تلك التي يتجاوز حجم مبيعاتها عشرين مليار يورو، بعائد يزيد مُعدّله عن 10%، أي في البلدان التي تمارس فيها الشركات أنشطة تجارية وتحقق أرباحًا ، سواء كان لها وجود فعلي هناك أم لا، مع إعفاء شركات “الخدمات المالية” وشركات الصناعات الإستخراجية، ما يجعل هذا “الإصلاح” يخدم البلدان المستهلِكَة، أي الدول الرأسمالية المتقدمة (مجموعة الدّول السّبعة الأكثر ثراءً)، بحسب ما أوردته بعض الصّحف بنيجيريا وباكستان والأرجنتين، وبحسب “مرصد الضّرائب الأوروبي” (منظمة غير حكومية)، وبيانات وزعتها المنظمات التي جمعت خمسين ألف متظاهر في شوارع بروكسل (عاصمة بلجيكا والإتحاد الأوروبي)، يوم العاشر من تشرين الأول/اكتوبر 2021، وأشار “التحالف من أجل الشفافية المالية” أن مقترح الولايات المتحدة، ثم مقترح منظمة التعاون الاقتصادي والتّنمية يُهملان صَوْت مواطني العالم الذين يطالبون “بتطبيق نظام جبائي عادل، من أجل جمع موارد كافية لتحقيق العدالة الإجتماعية، وتنفيذ التحولات الهيكلية من أجل عالم عادل ومستدام…”، وقدّر هذا التحالف أن الدّول الغنية هي المستفيد الأول من هذا “الإصلاح الجبائي” الذي قد يحرم مجمل الدّول الفقيرة التي تستغل هذه الشركات مواردها وعُمّالها، قبل تصديرها إلى الدّول الغنية، (يحرمها) من أكثر من 150 مليار دولار سنويًّا، لأن الشركات تُسدّد الضريبة في بلدان الإستهلاك، وليس الإنتاج…
من جهته أقرّ البرلمان الأوروبي، يوم الخميس 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، إجراء “الشفافية المحاسبية للشركات العابرة للقارات”، ويتمثل في محاولة إجبار الشركات التي يتجاوز حجم مبيعاتها 750 مليون يورو، الإعلان عن الشبكة الكاملة لفروعها ونشر حجم الأرباح وحجم الضرائب التي سدّدتها بالفعل، لكن الشركات لا تنشر مثل هذه البيانات، وتتذرّع بحساسيتها، وإمكانية استغلالها من قِبَل الشركات المُنافِسة…
إن قانون الضرائب يعكِسُ الهيمنة الطّبَقِيّة، وطبيعة النّظام، حيث يُسدّد كافة المواطنين الضرائب غير المباشرة، دون مراعاة مستوى الدّخل، ما يُلْحق أضرارًا كبيرة بميزانية الأُسَر الفقيرة، وبالأُجراء، كما أن الأُجَراء يُسدّدون ما لا يقل عن ثلاثة أرباع عائدات الدّول من الضرائب، لتفوق النسبة 82% في بعض البُلْدان، فيما لا تُسدّد الشركات وأصحاب المِهَن “الحُرّة” (أطباء ومهندسون ومُحاسبون ومُستشارون لدى الشركات…) سوى جزء يسير من عائدات الدّولة، ما يتناسب عَكْسِيًّا (Inversely proportional ) مع دخلهم وأرباحهم واستفادتهم من البنية التحتية والخدمات الحكومية، وما يُقوّض مبدأ العدالة الجبائية الذي يقتضي أن يدفع كل فرد نصيبه العادل من الضرائب، لكن معظم حكومات العالم تُمثّل مصالح الأثرياء، ما ينسف جِدّيّتها بشأن فَرْض الشفافية المحاسبية للشركات متعددة الجنسيات، لضمان دفع الضرائب عند استحقاقها، ولجَمْع الموارد من أجل إعادة توزيعها والإنفاق على الصّحة والتّعليم والبُنى التّحتية والنّقل العمومي والمسكن اللائق…
تُمارس الشركات العابرة للقارات التّضْليل على كافة المستويات، فصارت نسبة 40% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم، “استثمارات وهمية” تهدف إلى تحويل الأرباح إلى الملاذات الضريبية، إذ تقوم هذه الشركات بتحويل حوالي 35% من أرباحها إلى الشركات التابعة لها، والموجودة في الملاذات الضريبية، من أجل تجنب تسديد الضرائب في البلدان التي تمارس فيها أنشطتها بالفعل، خصوصًا وأن بعض أنواع الشركات، مثل الشركات الرقمية، لا تحتاج إلى مؤسسة مادية للقيام بأنشطتها، ما يمكّنها من تخفيض مقدار الضريبة الفِعْلِية إلى الصّفر، ورفْعِ خسارة ميزانيات الدّول، جراء هذا التّهرّب الضّريبي، إلى أكثر من ثلاثمائة مليار دولار…
 يفرض صندوق النّقد الدّولي والبنك العالمي، على الدّول التي تطلب قُروضًا، خفض الضريبة على الشركات والمِهن “الحُرّة”، وتوجيه النشاط الإقتصادي نحو التّصْدير لأسواق البلدان الغنية، مع زيادة حجم ونسبة الضرائب غير المباشرة (مثل الضريبة على الخدمات وعلى الإستهلاك)، وبيع أُصُول وسندات (ممتلكات الشعب) واقتراض أموال من الخارج، لتمويل ميزانية الدّولة، ولتسديد القُروض وفوائدها، ولاستيراد الغذاء والدّواء والمواد الشرورية والكماليات…
بالتّوازي مع سياسات صندوق النقد والبنك العالمي (اللّذَيْن تُديرُهما الدّول الرأسمالية المتقدمة، منذ تأسيسهما سنة 1944)، تستحوذ الدّول الرأسمالية الإمبريالية على ثروات البلدان الفقيرة، وعلى ضرائب الشركات التي تنهب هذه الثّروات وتستغل عرق عُمّال وفلاّحي وكادحي البلدان الفقيرة…
لا يُمكن حل هذه القضايا سوى بالقَطْع مع هذه المنظومة غير العادلة، وتأسيس شبكة علاقات اقتصادية ومالية وتجارية بين البُلْدان والشُّعوب والطّبقات المُتَضَرِّرَة من هذه المنظومة الرأسمالية المُعَوْلَمَة…

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *