تركيا، نموذج حكم الإسلام السياسي “المعتدل”؟. محاولة لتبسيط مفاهيم الإقتصاد السياسي. الطاهر المعز

 

 

تركيا، نموذج حكم الإسلام السياسي “المعتدل”؟. محاولة لتبسيط مفاهيم الإقتصاد السياسي. الطاهر المعز

 

 

 

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، يوم الخميس 16 كانون الأول/ديسمبر 2021، تحقيقًا عن بعض جوانب الوضع الإقتصادي بتركيا (عضو حلف شمال الأطلسي)، وعن ارتفاع أسعار السّلع الغذائية في هذا البلد الفلاحي، مع ارتفاع أسعار الأسمدة المستورَدَة والوقود، ونشرت صور طابور من الأتراك الذين وقفوا رغم المطر، في إحدى ضواحي مدينة “اسطنبول”، على طول شارع أمام محل لبيع الخبز الرّخيص، المدعم حكوميا، والذي يُشكّل عنصرًا أساسيا في الغذاء اليومي لسكّان تركيا البالغ عددهم نحو 83 مليون نسمة.
انخفض سعر الليرة التركية إلى 17,14 ليرة مُقابل الدّولار، يوم الجمعة 17 كانون الأول/ديسمبر 2021، وفقدت العُمْلَة التّركية، بين شَهْرَيْ شباط/فبراير ومنتصف كانون الأول/ديسمبر 2021، نحو 55% من قيمتها مُقابل الدّولار الأمريكي، ما اضطر المصرف المركزي للتدخل ببيع المزيد من العملات الأجنبية، لدعم الليرة، وما رفع نسبة التّضخّم المتصاعد إلى 21,31% خلال الأسبوع الثالث من شهر كانون الأول/ديسمبر 2021، وأصبحت أسعار السّلع والخدمات الأساسية ترتفع يَوْمِيًّا، لتنخفض قيمة الرواتب والمعاشات التي أصبحت لا تغطي الحاجيات الأساسية لمعظم الأُسَر، وأعلن الرئيس التركي رَفْع الأجْر الأدنى بنسبة 50% اعتبارًا من شهر شباط/فبراير 2022، اعتمادًا على سعر 15,4 ليرة تركية، مقابل الدّولار الأمريكي، أي أن الرواتب اهْتَرَأتْ، وتجاوزتها نسبة التّضخّم، قبل دخول الزيادة قَيْدَ التّنفيذ، وللتّذكير فإن الأجر الأدنى لسنة 2020، كان يُعادل 2826 ليرة أي 384 دولارا، ورغم ارتفاع حجمه إلى 4250 ليرة، سنة 2022، فإن قيمته الحقيقية لا تتجاوز 274 دولارا، أي أن قيمة الإنخفاض تُعادل 110 دولارات شهريا، إذا لم تنخفض قيمة الليرة، وإذا لم ترتفع نسبة التضخم، فاقتصاد تركيا ليس مُستقلاً كما يدّعي الرئيس إردوغان وحزبه، بل يرتهن إلى الإستثمارات الخارجية والودائع التي تجتذبها نسبة الفائدة، مثل العديد من “الأسواق الناشئة”، والبلدان متوسّطة الدّخل، وتُغادر الإستثمارات الأجنبية التي تختص بمجال المُضاربة (ما تُسَمّى “الأموال السّاخنة”، أو الإستثمارات “الإنتهازية” ) بُلدانًا مثل تركيا أو البرازيل وماليزيا وأمثالها، وفقًا لقرارات السياسة النقدية للإحتياطي الإتحادي الأميركي الذي يجتذب هذه الأموال من الأسواق الناشئة.
يحكم حزب الإخوان المسلمين (العدالة والتنمية) البلاد، منذ 19 سنة، ورغم الوعود، لم يتمكّن من تحسين وضع الإقتصاد، ومن تحسين معيشة الكادحين والمُزارعين وأغلبية فئات مواطني تركيا، لأن الإخوان المسلمين يُؤمنون بمشروعية الإستغلال والإضطهاد، وبقدسية الإقتصاد الليبرالي، ويتمثّلُ جوهر الخطّة الإقتصادية لأردوغان وحزبه، الذي يُرَوّج لدى مُسانِدِيه، أنه يعمل على بناء “اقتصاد إسلامي”، في خفض سعر صرف الليرة التركية أمام العملات الأجنبية، مُراهنًا على “الإنعكاسات الإيجابية لخفض أسعار العملة على قطاعات التصدير والسياحة، وعلى تكاليف الإقتراض والتّمويل، لتعزيز النّمو”، في حين تُشير الوقائع إلى تحويل الأثرياء لثرواتهم إلى الذّهب (توجد عُمْلَة ذهبية تُرْكية) وإلى العُملات الأجنبية، وتُشير إلى تراجُعِ شعبية أردوغان إلى أدنى مستوياتها، لكن الرئيس وحزبه يراهنان على ارتفاع نسبة النمو، الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها سنة 2023، لأن انهيار الليرة أدّى إلى ارتفاع أسعار واردات الوقود والسلع الأساسية، وأصبحت أغلبية سكان البلاد تُكافح من أجل شراء الطعام وتلبية الاحتياجات الأساسية الأخرى، مثل الأدوية، إذ نشرت وكالة الصحافة الفرنسية، تحقيقًا عن عدم توفُّر العديد من الأدوية الضّرورية المُسْتَوْرَدَة، منذ أسابيع عديدة، لأن القطاع الصّحّي التُّركي يعتمد على الواردات، وتَضَرّرَ من انهيار العُملة المَحلّية، ما أدّى إلى عدم توريد أكثر من سبعمائة دواء، منها أدوية بعض أمراض المناعة الذاتية، ومجموعة من الأدوية المخصصة لعلاج أمراض مثل السكري والسرطان وارتفاع ضغط الدم والربو والالتهاب الرئوي، أو حتى نزلات البرد، وأدوية السعال للأطفال، ونقص أدوية الحمى والغثيان أو المسكنات، بحسب تصريح الأمين العام لاتحاد أطباء تركيا، الذي أعلن أن وزارة الصحة تحتسب لمُوَرِّدِي الأدوية، سعر الدولار بأربعة ليرات تركية، وكما أعلن “إن نفس الأزمة تَطالُ المعدات الطبية اللازمة للعمليات الجراحية، ما أدّى إلى تعليق العديد من العمليات الجراحية، وتعريض صحة المرضى لخطر الوفاة”  أنْكَر وزير الصّحة “الأنباء التي تثير نقص الأدوية (والتي) لا تعكس الواقع”…
يُفترض أن تجري الإنتخابات العامة بتركيا، سنة 2023، وتتوقع بعض مراكز البحث الأجنبية، وبعض أطراف المُعارضة، إجراء انتخابات مُبَكِّرَة سنة 2022، ويُحاول الحزب الحاكم (الإخوان المسلمون) استباق الحدث، والخروج من الأزمة الإقتصادية الخانقة، المتواصلة، من خلال بناء استراتيجية تقوم على خفض أسعار العملة المحلّيّة، مقابل العملات الأجنبية، حَدّ الإنهيار، لتحفيز الصادرات (عبر خفض أسعارها بالخارج)، والسياحة، ويتوقع الحزب الحاكم أن يُؤَدِّيَ ذلك إلى تحقيق نمو سريع، بعدَ خفض معدلات الفائدة، وتوفير تمويل سهل، لكسب أصوات الناخبين، وكَسْبِ تأييد بعض جماعات الضغط من كبار المقترضين، الذين تقتضي مصلحتهم استمرار التضخم وخفض معدلات الفائدة، وبذلك يُضحِّي زُعماء الإسلام السياسي (الحزب الحاكم) بقوت الفُقراء، لتحقيق أهداف انتخابية…

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *