من التُّراث النّضالي للمُهاجرين العرب بفرنسا. حركة العُمّال العرب. تقديم الطاهر المعز

Hundreds of people, many of them immigrant workers and their children, demonstrate at Strasbourg’s Neudorf district 20 November1983 during a Marseilles-to-Paris march against racism, led by 32 youths who described themselves as “beurs”, or second-generation Arabs born in France. AFP PHOTO MARCEL MOCHET / AFP PHOTO / MARCEL MOCHET

من التُّراث النّضالي للمُهاجرين العرب بفرنسا. حركة العُمّال العرب. تقديم الطاهر المعز

 

كانت باريس، عاصمة الدّولة الإستعمارية، محطّةً لعبور أو إقامة العديد من الثّورِيِّين والمناهضين للإستعمار، لأن باريس رمز للثورة البرجوازية ( 1789) وإعلان الحريات الديمقراطية، ورمزًا لكمونة باريس (ثورة العُمّال 1871)، ونشأت بها مجموعة “نجمة شمال إفريقيا” (1926 – 1937)، والتقى بها “هو شي منه” ( 1890 – 1969) مع مناضلين من أجل استقلال المغرب العربي، مثل المناضل الجزائري عبد القادر الحاج علي ( 1883 – 1957 )، أحد مؤسسي “نجمة شمال إفريقيا”، ودعمتهم “الأُمَمِيّة الثالثة” للإتصال بالعُمّال الأجانب، وتوزيع منشورات باللغة العربية ولغات أخرى، لتحريض العُمّال الذين جلبتهم فرنسا لإعادة بنائها بعد الحرب العالمية الأولى، على الإنخراط في النضال من أجل استقلال بلدانهم، ثم واصل مناضلون آخرون هذه المُهِمّة، ومنهم القائد الشيوعي الفلسطيني، من أُصُول جزائرية “محمود الأطرش”، المُكَنَّى “المَغْرِبِي” (1903 – 1978)، رغم اعتراضات الحزب الشيوعي الفرنسي…
دَمّرت الحرب العالمية الثانية معظم بلدان أوروبا، فجلبت فرنسا مئات الآلاف من العمّال، من مُستعمراتها، لإعادة بناء البلاد، وساهم العُمال المُهاجرون من المغرب العربي في إعادة إعمار البلاد، لكنهم عاشوا الفَقْرَ والتّهميش، والإهمال، حتى من قِبَل النقابات وأحزاب اليسار، وكذلك بين زُمَلائهم العمال، وبعد الإستقلال الشَّكْلِي، كانت سُلُطات بلدانهم الأصلية تُراقبُهُم، من خلال القُنْصُلِيّات و”الوداديات”، وتدعوهم للخضُوع وعدم المشاركة في الإضرابات والإحتجاجات العُمّالية…
تأسّست حركة العُمّال العرب (  Mouvement des Travailleurs Arabes – M.T.A. ) بباريس، سنة 1972 من قبل عمال وطلاب من المغرب ومن المشرق العربِيّيْن، الذين أسسوا أيضًا “لجان فلسطين”، بعد هزيمة الأنظمة العربية في حزيران/يونيو 1967، وجسدت ودَعمَتْ نضال العمال المهاجرين من أجل الحق في الإقامة وحُرِّيّة التّنَقُّل ومن أجل المساواة في الحقوق، وضد العنصرية والاستعمار.
تَمَّ طَمْسُ هذه الحقبة من نضالات جزء هام من مكونات الطبقة العاملة، ولذلك يجهل النقابيون ومناضلو اليسار الفرنسي، ناهيك عن المواطنين، وحتى أبناء المهاجرين، تاريخ نضالات العمال المهاجرين، خلال عقد السبعينيات من القرن العشرين، من أجل المساواة في الحقوق بين جميع سُكّان فرنسا …
وُلِدَتْ حركة العُمّال العرب، خلال فترة عصيبة، بين حدثَيْنِ: استقلال الجزائر سنة 1962، ومسيرة المساواة ومناهضة العنصرية سنة 1983، وكانت حركة العمال العرب (MTA) أول منظمة مستقلة للمهاجرين، ونجحت في جعْل قضية المساواة بين المهاجرين والفرنسيين مَطْرُوحةً في المُجتمع وفي عدد من وسائل الإعلام، كما في النقابات وأحزاب اليسار التي كانت تتجاهل قضايا التّمْيِيز بين العُمال، على أُسُس الإنتماء القومي…
تُعرّف الحركة نفسها بأنها حركة مستقلة (يسارية بالنسبة للبعض)، تُؤَيد نضال العُمّال ضد الإستغلال، ونضال الشعوب ضد الاستعمار، ونضال جميع المَقْمُوعين من أجل الديمقراطية… ناضل أعضاؤها، في فرنسا، من أجل حصول جميع العُمّال المُهاجرين المتواجدين بفرنسا، على حق الإقامة، ومن أجل تحسين ظروف عملهم وعيشهم، وكانت هذه المطالب سببًا في إطلاق إضراب العمال المقيمين في ملاجئ ومآوى ( Foyers ) شركة “سوناكوترا” الحُكُومية، ولم تدعم أحزاب اليسار، ولا نقابات الأُجَراء، مطالب العُمّال المهاجرين المِهَنِيّة والإجتماعية، لأن هؤلاء العُمّال غير فرنسيين وهم مُجَرَّدون من حُقُوق المواطَنَة، ومنها حق الإنتخاب، لذلك لا يهتم بهم الحزب “الشيوعي” الفرنسي، أما النقابات (بما فيها سي جي تي) فإن موقفها غير مبدئي وانتقائي تُجاه عُمّال نفس الورشة أو نفس المصنع، فهي تعتبر وُجُودَ العُمّال الأجانب مُؤقّت، وإنهم سوف يعودون إلى بُلدانهم الأصْلِيّة، ولذلك فلا موجب لدعم مطالبهم بالمُساواة مع العُمّال الفرنسيين…
حَظَرت السّلُطات الفرنسية نشاط “حركة العُمّال العرب”، سنة 1976، بالتوازي مع اعتقال وترحيل المناضلين، عند احتداد إضراب مُقيمي مآوى شركة “سوناكوترا”، وكان حَلُّها نتيجة لتحالف ضمني بين الجمعيات الحكومية (المُسَمّاة “وِداديات”) الجزائرية والمغربية والتونسية، ومُهمّتها مراقبة المهاجرين، وبعض النقابات والمنظمات الإسلامية ووزارة الداخلية الفرنسية، واعتقلت السطات الفرنسية ورَحّلَتْ عدد من مُناضلي الحركة، تمكّن معظمهم من العَودة، إثر نضالات رفاقهم، وصُدُور أحكام قضائية لصالحهم…
بثت إذاعة “فرنسا الثقافة” ( قطاع عام ) سلسلة من المقابلات، في الفترة ما بين 18 و 21 تشرين الأول/أكتوبر 2021، ونورد نَصَّ بعض المقتطفات من مقابلة مع الباحثة “هاجر بن بوبكر”، وهي مؤرخة وابنة مهاجرين تونسيين، كان والدُها من مناضلي “حركة العُمّال العرب”، وتميَّزَ بَحْثُها بإعادة الإعتبار لموضوع نضالات المهاجرين من جيل والِدَيْها، والتّعريف بهذه النّضالات، وبتاريخ” حركة العمال العرب” التي نشأت في سياق ارتفاع عدد الجرائم العنصرية التي سادت في عقد السبعينيات من القرن العشرين.
يحتوي النص الأصلي للحوار (باللغة الفرنسية) على بعض الأخطاء في الأسماء والتواريخ والسياق أو أحيانًا أخطاء سياسية (على سبيل المثال، لم يكن مطلب دولة فلسطينية مطروحًا في ذلك الوقت، بل كان الشعار الرئيسي: تحرير فلسطين )، كما أن إقرار البرلمان “بطاقة الإقامة المُوحّدة لفترة عشر سنوات”، لم يَكُن مِنّةً من الحزب “الإشتراكي”، بل كان نتيجة نضال مَرير، طيلة سِنِين، خاضته جمعيات العُمّال المهاجرين التي كان القانون الفرنسي يعتبرها “غير شرعية” (أي غير مُرخّص لها قانونًا)، ورغم هذه الأخطاء، تستحق بُحُوث “هاجر بن بوبكر” التنويه والإشادة، لأنها تُذكرنا أن العمال المهاجرين رفضوا أن يَحْنُوا ظُهُورَهم أو أن يركعوا، رغم التحالف بين الحكومة الفرنسية وحكومات البلدان الأصلية المُصَدِّرَة للمُهاجرين، ورغم القمع، والإقصاء والمَيْز، ورغم عدم تضامن ودعم المنظمات الفرنسية المفترض أن تدافع عن البروليتاريين مهما كان أصلهم أو لون بشرتهم!
أما التّرجمة فإنها أولت الإهتمام للمحتوى، مع بعض الإضافات لتوضيح الأحداث في إطارها المكاني والزماني.
ط. م.
مقتطفات مُتَرْجَمَة من المقابلة، مع بعض الإضافات وثلاث مُلاحظات، لتوضيح سياق الأحداث:
سؤال: هل كان تاريخ عائلتك هو الرابط الذي قاد مسارَكِ الشّخْصِي إلى الاهتمام بحركة العمال العرب؟ ماذا اكتشفْتِ؟
جواب هاجر بن بوبكر: والدي التونسي وصل إلى فرنسا في بداية السبعينيات، وعاش ولا يزال يعيش في الأحياء الشّعبية بباريس، حيث نشأت هذه الحركة وتطوَّرَتْ لِتَخُوضَ عددًا من نضالات المهاجرين، لا سيما الإحتجاج على الجرائم العنصرية والمُطالبة بتصاريح الإقامة للجميع… شكّل تأسيس حركة العمال العرب، سنة 1972، نقطة التقاء بين معركتين ، الأولى ضد النظام الاستعماري، وشارك بعض مؤسسي الحركة في أحداث بارزة مثل مظاهرات 17 أكتوبر 1961 في باريس، التي نظمها فرع فرنسا لجبهة التحرير الوطني للمطالبة باستقلال الجزائر، والثانية ضد العنصرية وشارك مناضلو الحركة، سنة 1983، في مسيرة “المساواة ومناهضة العنصرية”، ليحْصُلَ التّواصل بين مناضلي حركة العُمّال العرب، وجيل الشباب من أبناء المهاجرين الذين انتفضوا وانخرطوا في سلسلة من الاحتجاجات ضد المَيْز والبطالة وما إلى ذلك…
س: بالإضافة إلى الدفاع عن حقوق المهاجرين في فرنسا ، شاركت الحركة أيضًا في النضالات الديمقراطية في البلدان الأصلية للعمال. لماذا ا ؟
جواب-  في الواقع، لم تكتف حركة العمال العرب بتحطيم أسطورة العمال المهاجرين الخائفين الخانعين، وكان مُناضلوها يُطالبون بالحريات الديمقراطية وبتحسين ظروف حياة العمال المهاجرين، وكانوا يدعمون كذلك النضالات في بلدانهم الأصلية، وهذا يعود لطبيعة الحركة التي كانت، عند تأسيسها تتكون من فئات اجتماعية مختلفة، منها جيل ما بعد الاستعمار الأول، من الشباب الذين جاءوا لمتابعة دراستهم في فرنسا، ومن عمال، ومن مناضلين من اليسار، تدعمهم بعض المنظمات اليسارية الفرنسية الصغيرة والقليلة.
في ذلك الوقت ، لم يكن أي من أعضاء MTA يحمل الجنسية الفرنسية وكانوا، كما معظم المهاجرين، مُقتنعين أن وُجُودَهم بفرنسا مُؤقّت، وسوف يعودون إلى بُلدانهم، بعد بضعة سنوات، وهذا ما يفسر جُزْئِيًّا، انخراطَهم في النضالات الديمقراطية في بلدانهم الأصلية، بنفس قدر انخراطهم في النضالات ببلد إقامتهم…
أمّا المُؤسِّسُون فكان بعضهم مُعارضًا لانقلاب 1965 بالجزائر، وبعضهم الآخر مُندّدًا بقمع حركات المُعارضة اليسارية في تونس والمغرب، ويلتقي الجميع حول دعم نضالات الشعب الفلسطيني، ودعم نضالات العُمّال المُهاجرين بفرنسا، في وقت تزايدت به الجرائم العنصرية، خاصة بعد تأميم المحروقات من قبل الجزائر في عام 1973، حيث تعرضت قتصليات الجزائر للإعتداء وتعرض العُمال المهاجرون من المغرب العربي للإغتيالات والإعتداءات، لذا ركّزت الحركة على الدفاع عن حقوق المهاجرين (عُمّال وطلبة ولاجئين) من المغرب العربي والشرق الأوسط، في الإقامة والتوظيف والسكن …
كانت سُلطة “فيشي” (السلطات العميلة للإحتلال الألماني النّازي) قد أصدرت مرسوم يمنع المُهاجرين من تأسيس وإدارة أي جمعية أو نقابة أو حركة سياسية، ولذلك كانت جمعيات المُهاجرين حتى عام 1984، غير قانونية، وترفُضُ النقابات الفرنسية وأحزاب اليسار “التّقليدي” (الحزب “الشيوعي” و “الإشتراكي”) وحتى بعض منظمات اليسار الراديكالي، دعمها، ولكنها فَرَضَتْ وُجُودَها بفعل جماهيريتها…
جابهت حركة العُمّال العرب (وجمعيات الهجرة المغاربية ) هذا الحَظْر القانوني بتشكيل شبكة مستقلة (مستقلة عن الحركات الماوية الفرنسية واليسارية المتطرفة التي نشأت بعد العام 1968)، تنشط في الأوساط الحَضَرِيّة والمُدُن الكُبرى، حيث يعمل آلاف العُمّال المهاجرين بالمصانع وورشات البناء، في مُدُن باريس ومرسيليا وليون وغْرُنُوبل وتولوز.
س: في البدء، نشأت لجان فلسطين في باريس للدفاع عن حقوق الفلسطينيين بعد حرب 1967، ثم تَوَسّع مجال المُساندة ليشمل جميع الشعوب الواقعة تحت الإستعمار. ما هي دوافع هذا التوسع في مجال التضامن؟
جواب-  كان المَسار الشخصي لبعض المؤسسين (منهم من ناضلوا من أجل استقلال الجزائر) دافِعًا لتوسيع مجالات النضال من الدفاع عن حقوق وكرامة العُمال المهاجرين إلى الدّفاع عن حق الشعوب الواقعة تحت الإستعمار في الإستقلال والحُرّيّة، وكان الشعب الفلسطيني وقضيته من أبرز القضايا التي دافع عنها بعض رُموز حركة العمال العرب، مثل الشهيد “محمد بودية” ( 1932 – 1973 ) وكذلك “محمد الفدائي” (أو مُحمّد سان دوني) الذي شارك في حرب التّحرير من أجل استقلال الجزائر، واعتَبَرَ استمرار النضال من أجل تحرير كافة البلدان والشّعوب المُسْتَعْمَرَة واجبًا، ولذلك انضم إلى لجان فلسطين فور وصوله إلى باريس سنة 1968.
س. – كان محمد الفدائي أيضا ممثل اللجنة التنسيقية لمآوي العُمال، تم انتمى إلى حركة العمال العرب، وكان مُحَرّضًا استثنائيًّا، ساهم في حشد عزائم العُمّال، وفي اجتذاب شخصيات أخرى، ساهمت في إبراز ظروف العمل والمعيشة للبروليتاريا المهاجرة. لكن من الذي أشعل فتيل الثورة بالضبط؟
جواب- في العام 1971، أضرب العمال المغاربيون في مصنع شركة ” بينارويا” في ليون بعد وفاة أحد زملائهم، وهو تونسي سحقه غطاء فرن 1500 كغم، ودَعمَهُمْ زملاؤهم العاملون بنفس الشركة بالمغرب العربي، حيث كانت هذه الشركة تستغل المعادن…
وَزّع المُضربون بدعم من بعض المناضلين العرب والفرنسيين (بدون دعْم أي نقابة فرنسية) منشورات تندد بالاستغلال الذي يتعرضون له، وشكّل هذا الإضراب حَدَثًا بارزًا، اعتُبِرَ بداية لنضال العمال المُهاجرين من أجل تحسين شروط عملهم وإقامتهم وعَيْشِهِم، ثم ارتفع عدد الجرائم العنصرية بفرنسا، وأشعلت الحكومة فتيل التّوتّر، سنة 1972، عندما أصدرت منشورًا عُرف باسم “مرسوم مارسلان  Marcellin (وزير الداخلية) وفانتانيه -Fontanet (وزير العمل) للحد من دخول العمال المهاجرين إلى فرنسا، وكان ذلك المرسوم سببًا في تعزيز التّعبئة، بشكل لم تكن تتوقّعُه الحكومة والأحزاب والنّقابات الفرنسية. كان الجزائريون غير معنيّين بتطبيق هذا المرسوم الجديد، لكنهم دعموا حركة احتجاجية وإضرابًا أطلقه زُملاؤهم التونسيون والمغاربة، الذين لم تكن لديهم وثائق إقامة، للحصول على حق البقاء والعمل بفرنسا، بالتّوازي مع مشاركة المزيد من المهاجرين في إضرابات مآوي شركة “سوناكوترا”، للتنديد بظروف السكن وبالإدارة العسكرية.
س: بالإضافة إلى الإضرابات، استنبَطَت الحركة واستخدمت وسائل الإعلام لتعبئة العمال والتّعريف بنضالاتهم. كانت “إذاعة العاصفة” منذ سنة 1975، مجلة صوتية نشرت على شرائط مسموعة (كاسيت)، ثم أسس المناضلون القُدامى للحركة (بعد حَلِّها سنة 1976) “إذاعة الشّمس”، سنة 1981… ما مدى فائدة هذه القنوات؟
جواب – كانت إذاعة العاصفة (الأسم مستوحى من إسم الجناح العسكري لحركة التحرير الفلسطينية “فتح” ) نموذجًا للإذاعات الحُرّة، حيث نشأت إثر لقاء جَمَعَ، مناضلي حركة العمال العرب، مع العاملات والعُمّال المضربين بمصنع ساعات “ليب” في مدينة “بيزانسون” سنة 1973، الذين نصحوهم بالتفكير في طريقة لنشر أفكارهم، حتى لا تتمكّن السّلطات الفرنسية من عزلهم والإستفراد بهم.
كانت التّسجيلات الصّوتية باللغتين العربية والفرنسية، على أشرطة تُوَزَّعُ في المصانع والمقاهي ومآوي “سوناكوترا”، وقدّم بعض المناضلين ومنهم أحد المُؤسِّسِين، المناضل المغربي “مختار بشيري”، مسرحيات تصور واقع العمال، إلى أن تم حلّ حركة العمال العرب، ثم تأسست “إذاعة الشّمس”، سنة 1981، وكانت تحظى بشعبية كبيرة، لأنها أداة نضال من أجل الحق في الإقامة والسكن لكل العمال المهاجرين، فلم يعد الأمر يتعلق بالدفاع عن مواطني شمال إفريقيا فقط، ولكن كل العمال المهاجرين الذين يعانون نفس الوضع ونفس المشاكل، ولم تدعم النقابات العُمّالية هذه المطالب، مُعْلِنَةً أن المطالب الخاصّة بالمهاجرين الأفارقة والمغاربة (حق الإقامة والسّكن ، ومكافحة التمييز) يمكن أن تؤدي إلى انقسام الطبقة العاملة، فقد كان المهاجرون في معظمهم في أدنى سُلّم الوظائف، ولم تكن لديهم أي فرصة للتّأهيل وللارتقاء في الرتب، كما كان عدم تضامن العمال الفرنسيين مع زملائهم المهاجرين واضحًا بشكل خاص خلال إضرابات في مصنع السيارات “بيجو تالبوت” في بْوَاسِّي (ضواحي باريس) سنتَيْ 1982 و 1983، في ظل حُكومة ائتلافية بين الحزب الإشتراكي والحزب الشيوعي وبعض الأحزاب الصغيرة لليسار المائع. قررت الشركة المصنعة للسيارات، خلال عملية إعادة الهيكلة، التضحية بالعمال المهاجرين، ومعظمهم من المغرب وغرب إفريقيا، وتسريحهم من العمل، ولمّا احتج هؤلاء العمال المهاجرون من خلال تنظيم اعتصامات، ندّدت بهم النقابات المحسوبة على اليسار والفكر التّقدّمي، واتهمتهم ب”الإسلاميين” (قبل أربعة عُقُود !!! ) ورفع زملاؤهم الفرنسيون، بمن فيهم النقابيون، شعارات مثل “المغاربة في الفرن، والسود في نهر السين”، أي الإلقاء برفاقهم، عُمّال المغرب العربي، في الفرن لحرقهم، مثلما فَعَل النّازيون خلال عِقْد الأربعينيات من القرن العشرين، والإلقاء بزملائهم الأفارقة في نهر “السِّين”، ليموتوا غرقًا، مثل الجزائريين الذين تظاهروا يوم السابع عشر من تشرين الأول/اكتوبر 1961.
انتهى مُلخص مُحْتَوى الحوار المُتَرْجَم من اللغة الفرنسية

ملاحظات على هامش مُحتوى الحوار

ملاحظة أولى:

تُشكّل المَآوي ( Foyers ) أماكن سكن رهيبة، تشبه الثكنات، بغُرف ضيّقة جدًّا، بنيت في جميع أنحاء فرنسا منذ العام 1956 – بأموال المُهاجرين- وبإشراف وزارتيْ العَمل والدّاخلية الفرنسية، لإيواء العمال الجزائريين ولكن أيضا لرصد حركتهم أثناء حرب الاستقلال، ثم أصبحت، بعد استقلال الجزائر، تؤوي العُمال المهاجرين، من جنسيات أخرى، الذين بقيت أُسَرُهم ببلدانهم الأصْلِيّة، ويُديرُها ضُبّاط سابقون ب”الفَيْلَق الأجنبي” بالجيش الإستعماري الفرنسي، وكانت لجنة تنسيق نضالات المَآوي إطارًا نضاليًّا شارك في التعريف بظروف السّكن السيئة للعمال المهاجرين، ونسقت إضرابا وطنيا، للإمتناع عن تسديد الإيجار المرتفع، ما لم يتم تحسين ظروف العيش، ودام الإضراب من 1976 إلى 1979…

ملاحظة ثانية:

ورد في الحديث ذكر نضالات وإضرابات عُمّال شركة “لِيبْ” للصناعات الدّقيقة، وخصوصًا قسم صناعة السّاعات، الذين تحاورَ معهم مُؤسِّسو ومناضلو حركة العُمّال العرب، ونصحوهم بالإهتمام بالإعلام…
تُعتَبَر شركة “ليب” ( lip ) عريقة في مجال تصنيع بعض الآلات الدّقيقة والسّاعات الثمينة، لكن تدهور وضعها المالي خلال عقد الستينيات من القرن العشرين، بسبب المنافسة مع الساعات الأمريكية واليابانية منخفضة التكلفة، إلى أن تقدّمت، في نيسان/ابريل 1973، بطلب الإفلاس لدى المحاكم، وما أن علم العُمّال بخبر إعلان الإفلاس، أي تعَرُّضُهم للتّسْرِيح الجماعي، حتى اجتمعوا وقَرّرُوا الإضراب الذي تجاوز صداه حدود فرنسا، لأن العاملات والعُمّال احتلوا مصانع الشركة، وأسّسُوا تعاونية، وأعلنوا التّسْيِير الذّاتي للمؤسسة، وأنشأوا شبكة واسعة من الدّعم والمُساندة في أنحاء فرنسا، بدعم من منظمات اليسار، وجمعت جمعت المظاهرة المؤيدة لعمال “ليب” مائة ألف متظاهر في 29 أيلول/سبتمبر 1973، وكان مناضلو حركة العمال العرب ضمن المتظاهرين المُساندين لعمال “ليب”، والتقوا معهم بهذه المناسبة… كان العُمّال يصنعون الأدوات والساعات ويبيعونها، خارج الدّوائر التجارية التّقليدية، ويتقاضون رواتبهم، ودام الوضع، بدعم من آلاف المواطنين، أكثر من أربع سنوات، إلى أن أقرّ القضاء حل الشركة نهائيا، سنة 1977…
مَثَّلَ نضالُ عمال شركة “ليب” نموذجا للتنظيم الذّاتي للعمال وقدرتهم على تسيير مؤسسة رفعت دعوى إفلاس ، لكنها ما زالت مربحة تمامًا، بفضل الآلات، وبفضل خبرة عُمّالها أيضًا.

ملاحظة ثالثة:

بادرت حركة العُمّال العرب، في أيلول/سبتمبر 1973 إلى إعلان إضراب عام للعمال العرب، في مواقع العمل، كالمصانع وورشات البناء. كان لهذا الإضراب تأثير إيجابي كبير في معنويات العُمّال، وكان له بعض التّأثير في الرّأي العام، ما شجّع على تصعيد النّضال بمآوي “سوناكوترا”، وتنظيم وتنويع الإعلام للتنديد بالجرائم العنصرية، وبظروف العمل والسّكن وظروف العيش، كما كانت نضالات حركة العُمّال العرب حافزًا لتأسيس جمعيات للمهاجرين، رغم الحَظْر القانوني.
أثمرت نضالات 1973 من أجل الحق في الإقامة، تسوية وضعية نحو خمسة وأربعين ألف عامل أجنبي، تلتْها تسوية وضع نحو 125 ألف عامل أجنبي، سنة 1982، ثم أقرّ مجلس النّوّاب، سنة 1984، وثيقة إقامة مُوَحّدة، لمدة عشر سنوات، قابلة للتجديد، وكتبت بعض الصّحف، ومنها “لوموند” و”ليبيراسيون” سلسلة من المقالات حول قضايا الإغتيالات وعُنْصُرية المؤسسات، وفي مقدّمتها الشرطة والقضاء، مما سمح بالتعريف بظروف عمل وعَيْش العُمّال المهاجرين وأُسَرِهِم، وبمطالبهم، وكذلك بوجود الجرائم العنصرية، وتحْسيس الرأي العام بهذا الظّلم…

ملاحظة رابعة:

صَوّرَ المُخْرج التونسي “الناصر القطاري”، هذا المناخ (مناخ مَوْلِد حركة ونشاط حركة العُمّال العرب)، ومُعاناة المُهاجرين الكُهول والشباب من العُنصرية التي تصل حَدَّ الإغتيال، ومن الإستغلال، والعمل برواتب منخفضة، والسكن غير اللائق، في شريط “السُّفراء” (1975)، الذي حصل، سنة 1976، على الجائزة الأولى (التانيت الذّهبي) لأيام قرطاج السينمائية وعلى إحدى جوائز مهرجان “لوكارنو” (سويسرا)، وأشار الشريط إلى تواطؤ الحكومات المغاربية ضد المُهاجرين، كما صَوَّرَ تشكّل الوعْي، الذي أَسَّسَ لميلاد حركات وجمعيات للدفاع عن كرامة وحُقُوق العُمال المُهاجرين المَغاربيّين، والتي خاضت معارك ذات صبغة قانونية واجتماعية عديدة…

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *