بإيجاز : بعض مؤشرات الإقتصاد العالمي بين سنتي 2021 و 2022. محاولة تبسيط بعض مفاهيم الإقتصاد السياسي الطاهر المعز

بإيجاز : بعض مؤشرات الإقتصاد العالمي بين سنتي 2021 و 2022. محاولة تبسيط بعض مفاهيم الإقتصاد السياسي الطاهر المعز

تُعْتَبَرُ صفقات الإستحواذ والإندماج مؤشّرًا على زيادة مَرْكَزَة رأس المال وتجميعه لدى عددٍ قليل من المصارف والشّركات، وبينما كان العاملون يُعانون من البطالة، سنة 2021، وعدد الفُقراء يرتفع، خُصُوصًا مع استمرار انتشار وباء “كوفيد -19″، ارتفعت ثروات أثرى أثرياء العالم، وارتفعت قيمة صفقات اندماج واستحواذ الشركات العالمية، وبلغت قيمة حصة الشركات الأمريكية من صفقات الإستحواذ والإندماج سنة 2021، نحو 2,5 تريليون دولارا، بحسب وكالة “بلومبرغ” المُتَخَصِّصَة في جَمْعِ ونَشْرِ وتحليل مثل هذه الأخبار، وشملت صفقات بأرقام قياسية في عدة قطاعات، منها الرعاية الصحية والعقاقير والصناعة والمُؤسّسات المالية والإعلام والإتصالات والتقنية والنّقل وشبكات التجارة، وتتوقع وكالة “بلومبرغ” وكذلك منافِسَتُها “رويترز- طومسون” نَسَقًا مُماثلاً، سنة 2022، بسبب الإنخفاض التاريخي لاقتراض الشركات، الذي أقَرَّهُ الإحتياطي الإتحادي الأمريكي (المصرف المركزي)، ما أتاح للشركات والمصارف مراكمة الأموال، بسعر فائدة رخيص، استخدمت الشركات جُزْءًا من هذه الأموال لشراء أسْهُمِها، ما يُوهِم المُضاربين بارتفاع الطّلَب عليها، فترتفع قيمة الأسهم في أسواق المال، ويُتوقّع أن يَرْفَع الإحتياطي الإتحادي الأمريكي سِعْر الفائدة ثلاث مرات، سنة 2022، لكن ذلك لن يُؤثِّرَ في حجم “المَلاءَة المالية” التي تراكَمَتْ لدى الشركات، سنتَيْ 2020 و 2021، ويُؤثِّر قرار الإحتياطي الإتحادي الأمريكي في اقتصاد جميع بُلدان العالم، لأسباب سوف نذكُرُ بعضها، منها هيمنة الدّولار على حركة التجارة وشبكات التحويلات المالية…

تأثيرات القرارات المالية الأمريكية على العالم:

هَدّدت أزمة 2008/2009 مكانة الدّولار، لكن اتخذت الدّولة الأمريكية والمصرف المركزي (الإحتياطي الإتحادي) قرار إنقاذ ثم إنعاش الإقتصاد الأمريكي، عبر ما سُمِي “التّيْسِير النّقْدِي”، أي إقراض المصارف والشركات الكُبرى مبالغ ضخمة، بسعر فائدة منخفض، يتّجِهُ نحو الصِّفْر، من 2009 إلى 2019، قبل أن يبدأ سعر الفائدة بالإرتفاع الطّفيف والحَذِر، أي أن سُوق الإقتصاد الرأسمالي الليبرالي لا تُعَدِّلُ ذاتها، عبْرَ “اليَد الخَفِيّة للسّوق”، كما تُصِرُّ كُلِّيّات العُلُوم الإقتصادية على ترديده للطّلاب، بل تتدخّل الدّولة بشكل مُباشر، وتستخدم المال العام الذي تجْمَعُهُ من ضرائب المواطنين ومن رُسُوم الإستهلاك والجمارك، لتُوَجِّهَ السُّوق لصالح الأثرياء…
في الأثناء، ارتفعت دُيُون الدول الفقيرة ومتوسّطة الدّخل، خلال أزمة 2008، من 21 تريليون دولارا سنة 2007 (مباشرة قبل سنة الأزمة المالية) إلى 63 تريليون دولارا، سنة 2017، بحسب تقرير البنك العالمي عن الدّيون، سنة 2017، حيث ارتفع حجم الدّيون القصيرة وطويلة الأجل، وفقدت العُملات قيمتها، وارتفعت نسبة التضخم، في بلدان مثل البرازيل وتركيا ومصر، وكذلك البلدان التي تَفْرِضُ عليها الولايات المتحدة (ومعها أوروبا وأستراليا واليابان وهلم جَرًّا) مثل إيران وفنزويلا، وخصوصًا روسيا والصين، ويُصنّف صندوق النقد الدّولي 23 دولة ك”أسواق ناشئة”، منها الهند والصين، حيث يعيش 40% من سُكّان العالم ومن قُوّة العمل، بالإضافة إلى الأرجنتين والمجر وبولندا وجنوب أفريقيا، وغيرها…
تكمن قوة الولايات المتحدة في ضخامة أُسْطُولها العسكري، وقوة قطاع الصناعات العسكرية، وكذلك في هيمنة الدّولار على المُبادلات التجارية والتحويلات المالية العالمية، رغم مُحاولات خفْض حصّة الدّولار، لأن عدد سُكّان الولايات المتحدة لا يتجاوز 5% من العدد الإجمالي لسكان العالم، ولا تتجاوز حصتها نسبة 10% من التجارة العالمية، لكن تُهيمن عُملَتها (الدّولار) على ما لا يقل عن 40% من حجم وقيمة التّجارة العالمية، ما جعل من الدّولار ملاذًا عالميا آمنًا (لحد الآن)، بحسب وكالة “بلومبرغ” (10/01/2022)، ومصرف “لومبارد أُدْيِيه” ( Lombard Odier )، في تقرير عن وَضْع العُملات سنة 2022…
تنفيذًا للقرارات التي اتخذها يومي 14 و 15 كانون الأول/ديسمبر 2021، أورد موقع الإحتياطي الإتحادي الأمريكي، يوم الإربعاء الخامس من كانون الثاني/يناير 2022 خبر احتمال رفع أسعار الفائدة قريبًا (لأول مرة منذ 2006)، كدفعة أولى من ثلاث دفعات، لاحتواء التّضخّم الذي ارتفع إلى أعلى حَدّ له خلال أربعة عُقُود، إذْ بلغت نسبته 6,8%، بنهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2021، ما يعني وضع حدّ لبرنامج “التّيْسِير الكَمِّي”، المتمثل بشراء السندات والأوراق المالية المدعومة برهون عقارية، الذي ينفّذُهُ الإحتياطي الإتحادي للمرة الثانية خلال عشر سنوات، وكانت الأولى خلال أزمة 2008/2009، والثانية إثر انتشار وباء “كوفيد – 19″، في آذار/مارس 2020، وضَخَّ خلاله حوالي تسعة تريليونات دولارا، في خزينة الشركات الكُبرى بدون فائدة تقريبًا…
من جهته، توقّعَ مصرف “غولدمان ساكس”، يوم العاشر من كانون الثاني/يناير 2022، تشديد السياسة النّقدية للإحتياطي الإتحادي (المصرف المركزي الأمريكي) بوتيرة أَسْرَعَ مما سَبَقَ الإعلان عنه، لتصل نسبة الفائدة النهائية على القروض المالية 2,75%، ربما خلال السنة القادمة (2023)، ما يُؤثِّرُ في اقتصاد العديد من البلدان، وفي مقدّمتها مَشْيَخات الخليج، التي ترتبط عملاتها بالدّولار الأمريكي، والتي تُقَوِّم سعر النّفط بالدّولار، منذ 1974، كمظهر من مظاهر التّبَعِيّة المُفْرِطَة، وبالتزامن مع إعلان الإحتياطي الإتحادي، حذَّرَ صندوق النّقد الدّولي (يوم العاشر من كانون الثاني/يناير 2022) من الإضطراب الإقتصادي الذي قد تعيشه “الإقتصادات النّاشئة”، أي البلدان ضعيفة أو متوسطة الدّخل، جراء رفع معدّلات الفائدة الأساسية بالولايات المتحدة، لأن نمو الإقتصاد العالمي لا يزال بطيئًا، خلال سنتَيْ 2022 و 2023، فضلاً عن ارتفاع الدّيْن العام للعديد من البلدان التي عجزت عن تسديد ديونها السابقة (مثل تونس) وتبحث عن قُرُوض لتسديد الدّيُون القديمة ولسدّ ثغرة عجز ميزانية الدّولة، ويُؤَدِّي عجزها إلى خَفْض تصنيفها، من قِبَل مؤسسات التصنيف الأمريكية في معظمها ( وهي شركات استشارات خاصّة)، وإلى ارتفاع نسبة الفائدة على دُيُونها، إن وَجَدَتْ من يُقْرِضُها، ويعتبر مُعِدُّو تقرير صندوق النقد الدّولي أن رَفْع الإحتياطي الإتحادي الأمريكي أسعار الفائدة الأساسية يُؤدِّي إلى ارتفاع قيمة الدّيُون التي سوف يحل أجل استحقاقها قريبًا، وإلى خفض قيمة العملات المحلية وارتفاع نسبة التضخم التي تُرهق ميزانية أُسَر الأُجَراء والفُقراء، وإلى عدم استقرار الوضع الإقتصادي والإجتماعي بهذه البلدان التي تُحاول حُكُوماتها زيادة إيراداتها من خلال زيادة الضرائب على الدّخل التي يتضرّر منها الأُجَراء، والضرائب غير المباشرة (على الإستهلاك، أو “رُسُوم القيمة المضافة”) التي تُساوي بين الغني والفَقير، فيتضرر منها الفُقراء والمُتقاعدون، وأوردت وكالة “رويترز” ( 10 كانون الثاني/يناير 2022 ) مُلخّصًا لتعليق لخبراء مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) يُشير “إن قرار رفع سعر الفائدة الأمريكية سابق لأوانه، ويهدد الاقتصاد العالمي خاصة الأسواق الناشئة بسبب الديون الهائلة للأسر والشركات والحكومات”.
يُمثّل هذا القرار الإقتصادي والمالي، قرارًا سياسيا بامتياز، استباقًا للإنتخابات النّصفية، سنة 2023، لأن المردود المالي والإقتصادي لهذا القرار ضعيف، لكن تدعمه الشركات والمصارف. أما في الخارج فإن هذا القرار ( الذي يُجسّد الهيمنة العالمية للدّولار) قد يخلق أزمات عديدة في البلدان الواقعة تحت الهيمنة، وحتى في الصّين التي استبقت الخطوات الأمريكية بإدراج اليوان الصيني في سلة عملات احتياطيات صندوق النقد الدولي، لتتمكّن الدّول الفقيرة من الإقتراض بعملات أخرى غير الدّولار، لكن ذلك لن يُلْغِي الدّيون، ولن يُحسّن أداء اقتصاد الدّول المَدِينَة…

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *