الطاهر المعز.حرب أوكرانيا، من منظار اقتصادي

Guerre en Ukraine : quelles sont les conséquences économiques évoquées par Emmanuel Macron ?

الطاهر المعز.حرب أوكرانيا، من منظار اقتصادي

قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، كان الاقتصاد الأوكراني يمثّل المنطقة الصناعية الأكثر ازدهارًا في الاتحاد، ومنذ تفكك الاتحاد السوفياتي وخاصة منذ سنة 2014، أصبح الوضع الاقتصادي في أوكرانيا كارثيًا، لتُصبح البلاد، في أقل من ثلاثين عامًا، واحدة من أفقر البلدان في أوروبا، وأصبح متوسط الدخل الفردي السّنوي، سنة 2020، أقل من الدخل الفردي للعام 1990، وفقًا للبنك العالمي، فقد بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، أقل قليلا من 16,5 ألف دولارا، سنة 1990 وكان أكثر من المتوسط العالمي بنسبة 70%، لينخفض سنة 2020 بنسبة 25% إلى أقل من 12,4 ألف دولارا سنويا للفرد، وهو مبلغ يَقِلُّ بنسبة 31% عن المتوسط العالمي، بينما ارتفع مستوى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الروسي بنسبة 23%، وأوروبا وآسيا الوسطى بنسبة 42% والعالم بنسبة 67%، لذلك أصبحت أوكرانيا في عداد الدول الفقيرة، رغم ثرواتها الفلاحية والمعدنية والصناعية، وأصبحت واحدة من 18 دولة في العالم انخفض فيها نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، إذ تقلص الناتج المحلي الإجمالي الأوكراني بنسبة 40% خلال ثلاثين عامًا، وهو خامس أسوأ أداء عالمي، وفقًا لأرقام صندوق النقد الدولي المنشورة سنة 2020، وعانى سُكّانها من انخفاض كبير في مستوى العيش، منذ سنة 1994 لما بدأت الحكومات المتعاقبة تطبيق شروط صندوق النقد الدولي، ونفذت عمليات خصخصة واسعة النطاق وألغت ضَبْطَ الأسعار، بينما استولت الأوليغارشية المحلية والأجنبية على ثروة البلاد، عبر تدمير الأداة الإنتاجية للبلاد، وتحولت ثمرة النهب والسرقات إلى قبرص أو الملاذات الضريبية الأخرى، في مقابل تراجع الإستثمارات من 17,5 مليار دولارا سنة 1990 إلى 14,8 مليار دولارا سنة 2008، بحسب البنك العالمي، وخفضت الدولة الإستثمارات العمومية، وارتفع حجم التصدير جراء الضغط على الرواتب وانخفاض حصة العمل، مقابل حصة رأس المال، فلا زيادة في الإنتاجية ولا إعادة توزيع، حيث يتحكم صندوق النقد الدولي في عائدات الصادرات منذ عام 2008، ولكنه أبْقَى على ارتفاع العجز في الميزانية وعلى معدل التضخم السنوي بنسبة فاقت 10% وعلى معدّل البطالة بنسبة 10,5% وعلى معدل الفقر بنسبة 20%، ما أدّى إلى ارتفاع عدد المهاجرين والمهاجرات إلى البلدان المجاورة، بحثا عن شُغْل، وإلى انخفاض كبير في عدد السكان تالذين هاجر منهم ما لا يقل عن 15%، في حين تصل نسبة الهجرة إلى 10% من حجم السّكّان في البلدان الفقيرة، كمصر أو المغرب أو تونس، وفقدت أوكرانيا بين سنتي 1990 و 2020، ما يقرب من ثمانية ملايين شخص، وانخفض العدد الإجمالي لسُكّانها من 51,9 مليون إلى 44,1 مليون نسمة، ويعمل المهاجرون الأوكرانيون برواتب منخفضة (بمن فيهم الأطباء والمهندسون)، بعد خصخصة الشركات الصناعية الكبرى التي تم تفليسها عنوةً، بسبب انتشار الفساد على نطاق واسع، ولا تزال موجة الخصخصة وإفقار السكان مُستمرة بإشراف صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لتصبح أوكرانيا “دولةً فاشلة”، يَسْهل إدماجها في مخططات الناتو العدوانية، بحكم حدودها الطويلة مع روسيا، لكن هذه الأطراف لا تستثمر في أوكرانيا، بل تُبْقِيها تحت رحمتها، وقَدَّرَ صندوق النقد الدولي، سنة 2020، أن الانتعاش الاقتصادي يتطلب استثمارات كبيرة لإعادة بناء البنية التحتية والأداة الإنتاجية، وزيادة إنتاجية العمل وتحقيق نمو سنوي لا يقل عن 7%، لعدة سنوات  متَتالية، فيما قدرت دراسة أجراها معهد CEBR البريطاني ( نُشِرت يوم 12 شباط/فبراير 2022) ارتفاع الصادرات بنسبة 38% بين سَنَتَيْ 2015 و 2019، لكنها لم تصل إلى مستواها في سنة 2012، ومع ذلك ظَلَّ الميزان التجاري سلبيًا للغاية ( بنتيجة سلبية قدرها 8% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2019).
يُشرف صندوق النقد الدّولي، منذ العام 2014، على إدارة الاقتصاد الأوكراني، ويقرض الحكومة أموالاً بمعدل فائدة مرتفع للغاية يبلغ 8,5%، ولكن بدلاً من محاربة الفساد الذي تذكره كل تقارير الصندوق كعامل من عوامل كَبْح الإقتصاد، فرضَ الصندوق “استقلالية” المصرف المركزي، ليتمكّن السيطرة على احتياطيات العملة ( المُتأتّية من الصادرات وتحويلات المهاجرين الأوكرانيين في الخارج) وللمحافظة على استقرار العملة، وتسببت سيطرة صندوق النقد الدولي على الاقتصاد الأوكراني في خسارة يقدرها المعهد البريطاني ( CEBR ) بقيمة 280 مليار دولار بين عامي 2014 و 2020، كما فَرَضَ صندوق النقد الدولي خفض الإنفاق الاجتماعي من 20% سنة 2014 إلى 13% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2020، مما أدى إلى ركود الأجور في القطاع العام، رغم ارتفاع معدل التضخم.
تُعَدُّ الزراعة إحدى نقاط القوة في الاقتصاد الأوكراني، إذ تمتلك البلاد نحو 25% من أخصب المساحات، المُسمّاة “الأرض السوداء”، في العالم، ولا يزال 14% من سكان أوكرانيا يعملون في الزراعة، وتُعدّ أوكرانيا أكبر منتج عالمي لزهرة الشمس (عباد الشمس)، لكن قيمة الإنتاج أو القيمة المضافة منخفضة جدًا، مقارنة بالمنتجين المنافسين، بسبب نقص الإستثمارات، واستغلّ صندوق النقد الدّولي مثل هذه الثّغرات (التي ساهم في تفاقمها) ليقترح (ليَفْرِضَ في الواقع) تنفيذ نسخته مما يسميه “إصلاح زراعي”، والتي لا تعدو أن تكون عملية خصخصة واسعة تُشَرِّعُ بيع الأراضي الخصبة للشركات متعددة الجنسيات، الأمر الذي سيؤدي إلى حرمان سبعة ملايين من صغار المزارعين الذين يطورون اقتصاد الكفاف، على عكس الملاك الكبار الذين يحتكرون أراضي الدولة ، ويُعَلِّلُ مستشارو صندوق النقد الدولي مقترحهم بأن “تحرير” حيازة الأراضي من شأنه أن يزيد الإنتاجية الزراعية من خلال تركيز وترشيد الإنتاج، وصادق نُوّاب البرلمان الأوكراني، في آذار/مارس 2020 ، على قانون خصخصة الأراضي، بعد إلحاح صندوق النقد الدولي، لكنهم رفضوا المُصادقة على بيع الأراضي للشركات الأجنبية، لأن أغلبية السّكّان تُعارض بشدّة مثل هذا القرار.
لن تُؤَدِّيَ خصخصة الأراضي الزراعية سوى إلى تركيز مِلْكؤيّة الأرض بين أيدي قِلّة ثريّة، قادرة على شراء مساحات كبيرة من الأراضي وعلى الإستثمار لاستغلالها، بذريعة زيادة المحاصيل الزراعية، ما يُفْضِي إلى مزيد من الهشاشة لسكان المناطق الريفية. أما المسألة الأساسية أو السؤال الأساسي فهو: أين سوف تتوجه عائدات العائدات المتزايدة؟ هل سَتُسْتَثْمَرُ في قطاعات أخرى من اقتصاد البلاد، أم ستذهب إلى الملاذات الضريبية؟
أدى تطبيق تعليمات صندوق النقد الدولي إلى زيادة معدل البطالة إلى أكثر من 10% من السكان النشطين، وإلى الهجرة الجماعية للأشخاص في سن العمل، وإلى إفقار وتهميش السكان الذين يعانون من الفقر. باختصار، أدى صندوق النقد الدولي إلى تفاقم الكارثة الاجتماعية من خلال تفضيله لمصالح الرأسماليين ومنع الدّولة من تنفيذ سياسات تخدم أغلبية فئات المجتمع.
إن الصراع الحالي، الذي أجّجَته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ، لن يؤدي إلا إلى تفاقم الوضع الاقتصادي لسكان البلاد الفقراء، وسوف تُؤَجِّلُ هذه الحربُ أي احتمال لتحسين وضع الفُقراء من سُكّان المناطق الريفية والحَضَرية، لكنها ستفيد الشركات متعددة الجنسيات والمجمع الصناعي العسكري الأمريكي، وطبقة صغيرة من الأوليغارشية المحلية …
*****
لم يتم حَلّ حلف شمال الأطلسي (ناتو) بعد انهيار جدار برلين (1989) ثم انهيار الإتحاد السوفييتي (1991)، بل ازداد نفوذ الحلف العسكري “الغربي” ليضُمّ أربعة عشر دولة من أوروبا الشرقية، لِاَرْبعة منها حدود مع روسيا، ومنذ 2008، بدأت مفاوضات لضَمّ أوكرانيا التي لها حدود يفوق طولها أربعمائة كيلومترا مع روسيا، وكثّف حلف شمال الأطلسي من المناورات العسكرية قريبًا من روسيا، في دُويلات البلطيق وبولندا، وفي البحر الأسود، أي في المجال الحيوي الروسي، فضلاً عن تعزيز البُنية التحتية العسكرية للحلف في أوروبا الشرقية، من مطارات وقواعد عسكرية ومحطات أنظمة الصواريخ، وسفن حربية، ونشر قوات التدخل السريع، وبالخصوص منذ سنة 2014، خلال رئاسة باراك أوباما…
تمكّنت الولايات المتحدة من دَفْع روسيا نحو حرب لم تَخْتَرْ توقيتها، واضطر نظام روسيا (وهو نظام قومي وشوفيني) إلى الدفاع عن الأمن القومي الروسي، والرّد على تسلل حلف شمال الأطلسي (ناتو) إلى حُدُودِهِ، وقد تكون هذه الحرب إعلانًا لهيمنة رأسمالية (على العالم) مُتعدّدة الأقطاب، أهمها القطب الصيني الروسي في مقابل القطب الأمريكي، كما أوْضحت الحرب في أوكرانيا ضعف وهشاشة الإتحاد الأوروبي وتذيُّلِه للولايات المتحدة، رغم تناقض مصالحه هنا مع مصالحها، حيث تتضرر الشركات الأوروبية من الحصار والعقوبات ضد روسيا، كما تضررت الشركات الأوروبية من فرض عقوبات على إيران والعراق وسوريا وليبيا وغيرها…
بدأت الشركات العسكرية الأمريكية تجني أرباحًا هائلة مع ارتفاع صادراتها من الأسلحة (طائرات ودبابات ومنظومات صواريخ) نحو أوروبا وخصوصا دول أوروبا الشرقية (بولندا ودويلات البلطيق ورومانيا وبلغاريا…)، ولشركات المحروقات التي تأمل زيادة صادرات الغاز الصّخري الأمريكي نحو أوروبا التي تتزود بالغاز الطبيعي من روسيا.
تُعتَبَرُ كل من روسيا وأوكرانيا من أهم مُنتجي ومُصدّري الحبوب، وتُقدّر قيمة صادرات أوكرانيا من القمح بنحو 3,5 مليارات دولارا، سنويا، تجني حوالي 40% منها من الوطن العربي، وهي (مع روسيا) من أهم منافسي أمريكا الشمالية وأوروبا، وارتفعت أسعار القمح في الأسواق العالمية، يوم 24 شباط/فبراير 2022، من 316 يورو إلى 344 يورو للطن الواحد، خلال بضع ساعات، وتمتلك أوكرانيا (ثاني أكبر دولة أوروبة من حيث المساحة، بعد روسيا) مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية الخصبة، وتُقَدّر صادراتها بنحو 20% من الصادرات العالمية للذرّة والكولزا، و50% من الصادرات العالمية لعباد الشمس، واستفادت، زمن الإتحاد السوفييتي، من استثمارات ضخمة في الصناعة وفي التعليم وتدريب وتأهيل الفنّيّين والخُبراء، وتمتلك احتياطي ضخم من المعادن، وكميات أقل من المحروقات (النفط والغاز والفحم)، وجعل الإتحاد السوفييتي من أوكرانيا دولة ذات قُدرات صناعية وتقنية هائلة، وهي حاليا من أهم المنتجين للمعادن ولصناعة التجهيزات المعدنية في العالم، كما تمتلك قاعدة صناعية عسكرية هامة، وتنتج وتُصدّر محركات الطائرات ووسائل النقل، والدّبابات، وتوربينات محطات الطاقة، بما فيها الطاقة النّوَوِيّة، لكن تحولت أوكرانيا، من قاعدة صناعية ضخمة ومتطورة، ومستوى عيش مرتفع، زمن الإتحاد السوفييتي، إلى إحدى أَفْقَر دول أوروبا، بدرجة عالية من فساد الإئتلاف الحاكم والرأسمالية المحلية، ونصيب منخفض للفرد من الناتج المحلي الإجمالي، مع ارتفاع معدّلات الفقر، وتحتل الرتبة 74 في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة…
تُعتَبَرُ روسيا أكبر منتج عالمي لمعدن اللليثيثانيوم” الذي تعتمد عليه صناعات الطيران، وتبلغ صادرات روسيا نحو ثُلُث الصادرات العالمية من هذا المعدن الذي تستورده صناعة الطيران الأوروبية من روسيا التي وقّعت عُقودًا طويلة الأمد مع شركات عالمية مثل “إيرباص” الأوروبية أو بوينغ الأمريكية…
أدّت الحرب، خلال يومَيْن إلى ارتفاع أسعار المحروقات (النفط والغاز) في الأسواق العالمية، وخاصة في أوروبا، وفي أسعار الألمومنيوم والنيكل، فضلا عن أسعار الأسمدة والحبوب (القمح والذّرّة) المستخدمة في صناعة الخبز (القمح اللّيّن) والعجين (القمح الصلب) ومشتقاتها التي تؤثر على أسعار علف الحيوانات وبالتالي على أسعار اللحوم والألبان ومشتقاتها، وارتفعت أسعار بذور اللفت (السّكّري) وزيت عباد الشمس ، الذي تسيطر أوكرانيا وحدها على أكثر من نصف الإنتاج العالمي منه…
يُشكّل الذّهب ملاذًا آمنا للمستثمرين (أي الأثرياء)، وأدّى ىانطلاق الحرب إلى ارتفاع سعر أوقية (أونصة) الذهب إلى 1974 دولارًا، يوم الخميس 24 شباط/فبراير 2022، وهو أعلى مستوى منذ أيلول/سبتمبر 2020، وتنتج روسيا أكثر من 330 طنا سنويا، ونحو ألف طنا من الفضة، أو ما يعادل نحو 10% من الإنتاج العالمي للذهب كما للفضة، سنويا…
الطاهر المعز

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *