الطاهر المعز .كواليس الحرب. الشأن العربي بين روسيا والكيان الصهيوني. 

الطاهر المعز .كواليس الحرب. الشأن العربي بين روسيا والكيان الصهيوني. 

إن التّأكيد على استفزاز حلف شمال الاطلسي لروسيا في عقر دارها، وعلى مَشْرُوعِيّة دفاع روسيا عن سيادتها، لا يعني تجاهل طبيعة النّظام الرّوسي، أو تغاضيًا عن الدّور الرّوسي السّلبي تجاه قضايانا، وعلاقاته الوطيدة، بل المُتآمرة أحيانًا، مع الكيان الصهيوني، لكن لا يمكن مقارنة الحرب الحالية في شرق أوروبا، على حُدُود بَلَدَيْن مُتجاوِرَيْن، بالعدوان الأمريكي على العراق أو الصومال أو أفغانستان وغيرها، وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن “الجيش الروسي لم يوجه أي ضربات صاروخية أو جوية أو مدفعية للمدن الأوكرانية”، وأن القوات الروسية ضربت البنية التحتية العسكرية ومنشآت الدفاع الجوي والمطارات العسكرية والطيران الأوكراني بأسلحة عالية الدقة، وأن “المدنيين ليسوا في خطر”، وأن “حرس الحدود الأوكراني لا يبدي أي مقاومة، وأن أنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية قد تم تدميرها بالكامل… “
نحن كعرب وكتقدّميين معنيون بما يجري في أي مكان من العالم، ومعنيون بهذه الحرب، وبمختل رُدُود الفعل.
أدان الكيان الصهيوني الغزو الروسي لأوكرانيا، باعتباره “انتهاكًا خطيرًا للنظام الدولي”، وأعلن رئيس الاحتلال الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، يوم الخميس 24/02/2022  “إن إسرائيل تدعم وحدة أراضي أوكرانيا ( ) التي تربطنا بها علاقات عميقة”، مع الإشارة أن الكيان الصهيوني يُزَوّد أوكرانيا ودُوَيْلات البلطيق بالأسلحة التي استُخدمت منذ بداية القرن الواحد والعشرين في جورجيا وفي أوكرانيا، وكذلك في دول آسيا الوُسْطى، أي بلدان الإتحاد السوفييتي السابق…
ردّت البعثة الروسية في الأمم المتحدة ب”عدم الإعتراف باحتلال الجولان”، وفي نفس اليوم أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية: “لا تغْيِيرَ في آلية تفادي التضارب مع روسيا بشأن سوريا، رغم تدهو العلاقات بين واشنطن وموسكو بشأن الأزمة الأوكرانية”، ورغم استياء روسيا من موقف الكيان الصهيوني، أكّد سفير روسيا بتل أبيب، يوم 26 شباط/فبراير 2022 “استمرار التنسيق العسكري مع إسرائيل، رغم الإستياء من التصريحات الإسرائيلية بشأن الأزمة الأوكرانية…”، وللتّذكير، بعدما استنجدت حكومة سوريا بروسيا التي تدخّلت عسكريا في بعض أجزاء سوريا، اتفقت روسيا مع الكيان الصهيوني، منذ سنة 2015، على “آلية تفادي التضارب” بهدف منع أي اشتباك خلال العدوانات العسكرية الصهيونية المتكررة على أراضي سوريا كان ذلك التصريح مُقدّمة لما أُعْلِن عنه من الغد (27/02/2022) ويتمثل في مقترح صهيوني للوساطة بين أوكرانيا وروسيا، بينما كان وفد روسي يُفاوض وفدًا أوكرانيا، في مدينة جوميل بروسيا البيضاء…
أكّد رئيس وزراء الكيان الصهيوني يوم 27/02/2022 أن تقديم مقترح الوساطة حَصَل على موافقة الولايات المتحدة التي تم إبلاغها قبل وبعد المحادثة الهاتفية بين بوتين وبنيت، ما يُبيّن ضِيق هامش الحُكّام الصهاينة واندماج كيانهم بالإمبريالية الأمريكية التي ضغطت بقوّة من أجل اتّخاذ موقف أكثر صرامة ضدّ روسيا…
يدعم الكيان الصهيوني المجموعات الإرهابية في جنوب سوريا المُجاور لفلسطين المحتلة، وللجولان السُّورِي المُحْتلّ، ويُنفّذ الجيش الصهيوني اعتداءات متكررة على الأراضي السورية، بذريعة “استهداف مواقع إيران وحلفائها “، تتم بدعم ضِمْني من روسيا التي باعت منظومةَ “أس 300” للدفاع الجويّ، لكنّ روسيا تُعرقل تفعيلها واستخدامها، ما يُؤكّد التنسيق بين موسكو وتل أبيب، على حساب الدولة والأرض السورية والشعب السوري، ولم تردّ موسكو الفِعْل عندما أسقط الجيش الصهيوني (أيلول/سبتمبر 2018) طائرة عسكريّة روسيّة، وقَتل 15 جنديا وضابطا كانوا بداخلها، قبالة السواحل السورية، بل ترسّخت العلاقة، وأمّنت روسيا للكيان الصهيوني حُرّية العَرْبَدَة (في أوطَان الغَيْر) مع الإفلات من العقاب، ولم تتأثّر العلاقات الحميمة بين موسكو وتل أبيب بالصراع بين روسيا والولايات المتحدة.
يستغل الكيان التنافس بين إيران وروسيا بشأن عُقُود إعادة إعمار البلاد بعد الحرب التي دَمَّرت سوريا، ليدّعِي أن العدوان على سوريا يستهدف مصالح إيران وحلفائها.
من جهة أخرى ورغم مُراوغات نظام تركيا برئاسة رجب طيب أردوغان، توطّدت العلاقات العسكرية والتّجارية مع الكيان الصهيوني، وأوصت دراسة حكومية صهيونية بالبحث دائمًا عن الثّمن الأَرْخَص للمحافظة على توازن العلاقات مع روسيا وأوكرانيا، بالتوازي مع تعزيز التقارب مع تركيا لأنها عُضْو مُهِمّ في حلف شمال الأطلسي، ولأنها دولة مهمة وفاعلة في سوريا وفي منطقة البحر الأبيض المتوسّط، فضلا عن تعزيز التطبيع والتعاون مع الدول العربية، من المغرب إلى دُوَيْلات صهاينة الخليج، والمحافظة على العلاقات الوِدِّيّة مع روسيا لضمان موافقتها الضمنية على اختراق المجال الجوي السوري وتنفيذ غارات جوية ضد أهداف عسكرية ومدنية في سوريا، بحسب موقع صحيفة “جروزاليم بوست” (27/02/2022)…
يقيم الكيان الصهيوني علاقات دبلوماسية واقتصادية قوية مع روسيا كما مع أوكرانيا وجورجيا والعديد من دول الإتحاد السوفييتي السابق، وخصوصًا دول آسيا الوُسطى التي تتزوّد منها بالنفط مقابل السّلاح.
تعود علاقات الحركة الصهيونية، ومن ثم الكيان الصهيوني مع روسيا إلى فترة الإتحاد السوفييتي الذي انقلب موقفه، خلال فترة قصيرة، من داعم لحركة التّحرّر الوطني الفلسطيني ضد الإستعمار البريطاني وضد الحركة الإستعمارية الإستيطانية الصهيونية، إلى مُعترف (بِسُرْعة عجيبة) بإنشاء دولة صهيونية في وطن الفلسطينيين، سنة 1948، أي الإعتراف بشرعية الإحتلال والضرب عرض الحائط بمواقف الأُمَمِيّة الشيوعية الثالثة (التي وقع حَلُّها، سنة 1943، في ذروة الحرب العالمية الثانية)، من دعم للإضراب العام للعمال وللشعب الفلسطيني، سنة 1929، ودَعْم ثورة 1936 – 1939، ولم تنقطع العلاقات بين الإتحاد السوفييتي والكيان الصهيوني، رغم توتّرها وتعكيرها إثر العُدوان الثلاثي ( بريطانيا وفرنسا والكيان، سنة 1956) وإثر عدوان حزيران 1967، وتميزت مواقف الأحزاب الشيوعية العربية التقليدية بالتّبَعِية المُفْرِطَة، فاصطَفّت وراء موقف الدّولة السوفييتية من القضايا العربية.
كان الشعب الفلسطيني من أكبر المُتضَرِّرِين من انهيار الإتحاد السوفييتي، سنة 1991، حيث هاجر نحو مليون سوفييتي، ناطقين بالرُّوسية، من يهود وغير يهود، لكنهم من ذوي الكفاءة العِلْمِية والخِبْرة، فعزّزوا استيطان أراضي ووَطَن الشعب الفلسطيني، ودعموا مؤسسات اإحتلال في مجالات البحث العلمي والتقني، وساهمَ هؤلاء الصهاينة من أصل سوفييتي (روسيون وأوكرانيون وغيرهم) في تعزيز العلاقات بين الكيان، ودول الإتحاد السوفييتي السابق، ويحظى حاملو الجنسية “الإسرائيلية” بميزة الدّخول إلى روسيا بدون تأشيرة، بينما لا تسمح لهم الولايات المتحدة بذلك، ويُقَدّرُ عدد اليهود الأوكرانيين الذين يحاول الكيان الصهيوني ترحيلهم، مُستغِلاًّ فترة الحرب، بنحو مائتَيْ ألف، فيما يُقيم بأوكرانيا حوالي ثمانية آلاف شخص يحملون الجنسية “الإسرائيلية”، منهم مُدرّبون عسكريون وفَنِّيُّون يدعمون الجيش ومليشيات اليمين المتطرف بأوكرانيا…
لنعرف موقعنا، كعرب، من هذه الحرب، وجبت مراجعة الوقائع التاريخية والإطلاع على الحد الأدنى من المعلومات المُتاحة:
شكّلت أوكرانيا وروسيا خزّانًا للهجرة اليهودية إلى فلسطين ولتعزيز الكيان الصهيوني وحركة استعمار واستيطان فلسطين، وما فتئت علاقات أوكرانيا تتعزز مع الكيان الصهيوني، خصوصًا بعد الإنقلاب اليميني الذي دبّرته الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، سنة 2014، ضد الرئيس المنتخب، قبل عامَيْن (والفاسد أيضًا) “فيكتور يانكوفيتش” الذي رفض انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، وتم استبدال الحكومة والبرلمان بعناصر من مجموعات  يمينية متطرفة مثل حزب “سفوبودا” و”القطاع الأيْمن”، وهي سليلة المجموعات التي ساعدت جيش ألمانيا النازية على احتلال أجزاء واسعة من الإتحاد السوفييتي، خلال الحرب العالمية الثانية، وأشْرفت وكالة الإستخبارات الأمريكية على تدريب هذه المليشيات الفاشية، كما موّلت الولايات المتحدة، بواسطة وكالة التعاون والتنمية الدولية “يو إس آيد”، العديد من المنظمات العميلة لها والمُتصَهْيِنة التي تُحْيِي ذكرى القادة الصهاينة من مواليد أوكرانيا، منهم رئيسة وزراء العدو، “غولدا مائير” ( 1898 – 1978 ) و “زئيف جابوتنسكي” ( 1880 – 1940 ) وهو من أكثر الزعماء الصهاينة تطرُّفًا، وساهمت هذه المجموعات في فَرْض عميل أمريكا، اليميني المتطرف “بترو بوروشينكو”، الذي ردّ الجميل بتطهير الإدارات الحكومية من التّقدّميين واستبدالهم برجال أعمال صهاينة وبموظفين سامين من أنصار الكيان الصهيوني وحلف شمال الأطلسي، ولما عصفت به الأزمة التي أدّت إلى استعدة روسيا أراضيها الحدودية، أتت الإنتخابات (المُوَجّهة بالمال والإعلام) إلى انتصار “فولوديمير زيلينسكي” (نيسان/ابريل 2019) الذي يدعمه إعلام وشركات إنتاج السينما والتلفزيون المملوكة للأثرياء الصهاينة، مثل “إيغور كولوموسكي” الذي يمتلك العديد من محطات البث التلفزيوني، والمُتّهم بالفساد وغسيل وتهريب الأموال، ومنذ 2019 أصبح رئيس الوزراء وما لا يقل عن أربعة من الوزراء من الصهاينة المعروفين بالدعم غير المشروط للكيان الصهيوني، ومن المُعادين لروسيا ولسكان أوكرانيا الناطقين بالروسية، وتكثف التعاون العسكري مع الكيان الصهيوني، وأصبحت المخابرات الصهيونية تُشرف على حماية الرئيس الأوكراني الذي فتح الباب أمام الأثرياء من اليمين المتطرف ليُسيْطروا على قطاعات التجارة والمال والصناعات الحربية وقطاعات المعادن، وتجارة الحبوب، فضلاً عن ما لا يقل عن ثمانية آلاف صهيوني (من حاملي جوازات السّفر “الإسرائيلية”) يعملون، سرًّا أو علانية، في قطاعات حسّاسة في أوكرانيا…
ما ذكرناه عن نفوذ الأثرياء الصهاينة في أوكرانيا ومُعاداتهم لروسيا، لن يُغَيِّرَ من حسابات النظام القائم في روسيا، بشأن أهمية مليون روسي مُستعمِر لفلسطين، وبشأن العلاقة مع الأثرياء الصهاينة، ولن يُثْنِيَهُ عن دعم الكيان الصهيوني ضد مصالح العرب وضد إيران…
بخصوص المُقارنة بين الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، نورد، مقتطفات من وثيقة صينية، ومن تصريح صحفي لمعمر القذافي.
أعلنت وزارة الخارجية الصينية، يوم 26 شباط/فبراير 2022، أن الولايات المتحدة تُشكّل أكبر تهديد حقيقي، وليس افتراضي أو مُحتَمَل، للعالم، ونشرت بالمناسبة قائمة تحتوي 33 عدوانا عسكريا أمريكيا على دول مستقلة، بين 1950 و 2014 وأسماء عشرين دولة عانت من تدخّل الإمبريالية الأمريكية في شؤونها الدّاخلية…
لا تردّ الولايات المتحدة بالحُجّة والمنطق على خُصُومها، بل تتهمهم بالجنون، وهي “التّهمة” التي وجّهها الإعلام الأمريكية (وتوابعه في كندا وأستراليا وأوروبا، وإعلام صهاينة النفط بالخليج العربي) إلى صدّام حسين وإلى رئيس كوريا الشمالية وإلى العقيد معمر القذافي، وكان هذا الأخير قد أدْلى بتصريح صحفي، يوم 14 آب/أغسطس 2009، يُحَذِّرُ من تَوَسُّعِ حلف شمال الأطلسي (ناتو) نحو الشرق، وضَمّ جمهوريات الإتحاد السوفييتي المُنحَلّ، ما يشكل خطرا مباشرا على مصالح وأمن روسيا، وذلك تعليقًا على زيارة أدّاها إلى أوكرانيا التي تسعى حكومتها إلى الانضمام الى حلف شمال الأطلسي، واعتبر القذّافي أن الحلف لا يضمن أمن هذه الدّول التي تلهث وراء “الناتو”، وأن للقلق الروسي ما يُبَرِّرُهُ…
تعرّضت روسيا، كما الصّين إلى محاولات أوروبية لاحتلالها، منذ القرن التاسع عشر، وهَزمت روسيا نابليون بونابرت، كما هزم الإتحاد السوفييتي الجيش الألماني النازي، ودحره الجيش الأحمر من ستالينغراد إلى برلين (حوالي ثلاثة آلاف كيلومترًا) بدون أي مُساعدة، وحَرّر الجيش السوفييتي المُعتقَلين بالمُحتشدات الألمانية، وكان ذلك الهجوم السوفييتي المُعاكس سببًا مُباشرًا في هزيمة ألمانيا…
لا يمكن مُقارنة الإتحاد السوفييتي بروسيا التي يمكن وصف حُكمها الحالي بتحالف طَبَقِي رأسمالي، قَوْمي شوفيني، لولا ننتظر أن يقوم أي نظام رأسمالي (بما في ذلك نظام الصين أو روسيا) بمساندة الشعوب على أُسُسٍ مَبْدَئِيّة، فقضية فلسطين أو غيرها هي قضية الشعب الفلسطيني أولاً والشعوب العربية ثانيا والقُوى التقدّمية والثورية العالمية ثالثًا، ولا يجب انتظار أي مُساعدة “مجانية”، فالصين أو روسيا تحكمها أنظمة رأسمالية تعمل على خدمة مصالحها الطبقية والقومية، وتطلب مُقابلاً لكل سلعة أو خدمة، ولا ننتظر من روسيا تحرير سوريا من الإحتلال الأمريكي والأطلسي، بل بعدم الطّعن في الظّهر وعدم التّآمُر مع الكيان الصهيوني…
الطاهر المعز

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *