الطاهر المُعز-المكارثية، فَصْل من تاريخ “الديمقراطية الأمريكية”

المكارثية، فَصْل من تاريخ “الديمقراطية الأمريكية”. الطاهر المُعز

 

تدّعي حكومة الولايات المتحدة أنها بطلة حقوق الإنسان والحُرّيات الفردية، وتحاول تقديم صورتها كموطن الحريات، رغم قيامها على جماجم الشعوب الأصلية لأمريكا الشمالية، ورغم استعباد 12 مليون إنسان وقع اصطيادهم وجلبُهُم قَسْرًا من إفريقيا إلى الولايات المتحدة، خلال القرون الماضية، ورغم المَيْز واضطهاد الأقليات واغتيال الشرطة للمواطنين السّود، ورغم ارتفاع عدد ضحايا العُنف ضدّ النساء إلى أكثر من ألف امرأة سنويا، في الوقت الحاضر…

تتناول الفقرات الموالية حقبة واحدة في تاريخ الولايات المتحدة، شُهرت بفترة المكارثية، نسبة إلى السيناتور “جوزيف مكارثي” ( 14/11/1908 – 02/05/1957 ) الذي جَسَّدَ العِداء للفكر الإشتراكي، وللإتحاد السُّوفييتي، الذي كانت الإمبريالية الأمريكية، والإمبرياليات الأوروبية تنتظر انهيارة خلال الحرب العالمية الثانية، واعتقدت أنها تخلّصت منه خلال احتلال جيش ألمانيا النازية لجزء من الإتحاد السُّوفييتي، لكن الصمود والهجوم المُعاكس، رغم ارتفاع عدد الضحيايا إلى حوالي 27 مليون سوفييتي، من ستالينغراد إفلى برلين، انتهى بانهيار الحكم النازي، لكن العقيدة النّازية لم تتوارى بل تأقْلَمَ مُعتنقوها، وتنوعت أشكال تطبيقها في أوروبا وفي الولايات المتحدة وغيرها، وتُعْتَبَرُ “المكارثية” شكلاً من أشكال الفاشية التي تَكيَّفَتْ مع وضع ما بعد الحرب العالمية الثانية.

هناك سوابق في الولايات المتحدة، حيث يوجد تشريع، يعود تاريخه إلى سنة 1799، يُسمّى قانون “لوغان”، وهو تشريع يحظر على المواطنين غير المُخَوَّلِين، التفاوض مع حكومات أجنبية لها خلافات مع الولايات المتحدة، ويمكن اعتبار إعادة نَفْض الغُبار على هذا التّشريع، تعلّة لمطاردة المُعارِضِين، بشكل شبيه بما حدث بنهاية القرن السابع عشر من تصفية المُعارضين للكنيسة تحت غطاء “محاربة السِّحْر والشّعْوَذَة والمُرُوق عن الدّين”، ويمكن إعادة طَرْحِهِ اليوم أو غدًا، وكلّما دعت الحاجة…

في ذروة حملة الإتهامات والملاحقات التي أثارتها “المكارثية” بالولايات المتحدة، أنْهَى الكاتب المسرحي الأمريكي “آرثر ميللّر” ( 1915 – 2005) تأليف مسرحية “البَوْتَقَة” ( The Crucible )، سنة 1953، التي تنتقد “المكارثية”، تحت سِتار السّخْرِية المُرّة من الحملة التي شنّتها الكنيسة ضد أي مُخالف أو ناقد لها، وشكّلت محاكمة نساء (وبعض الرجال) بتهمة ممارسة السِّحْر والشعوذة، واحدة من أشكال الإرهاب الفكري، وكان موضوع المسرحية مُحاكمة ساحرات مدينة “سالم” التي جرت في العقد الأخير من القرن السابع عشر، في مستعمرة خليج ماساتشوستس بين سَنَتَيْ 1692-1693، وحرص “آرثر ميللّر” على أن تكون غالبية الشخصيات شخصيات تاريخية حقيقية، وتُعد المسرحية بمثابة رمزية للمكارثية ، وأثارت عددًا من القضايا، أهمُّها: الخوف والهستيريا الجماعية وإرهاب الخُصُوم والمُتَّهَمِين وتشويه سُمعَتِهم، ودفعهم إلى صراع غير مُتكافئ مع السُّلْطَة، وفهِمَ القُرّاء أن مطاردة الساحرات، تَرْمُزُ إلى مطاردة من يُشتَبَهُ بتعاطفهم مع الفكر الشيوعي، وأشاد النّقّاد والإعلاميون بالمسرحية، فحققت نجاحًا تجاريا كبيرًا، واكتسبت شعبية واسعة لدى جمهور عريض ومُتَنَوِّع، ونال “آرثر ميللّر” جائزة “بوليتزر”، قبل أن يتم استدعاؤه، في حزيران/يونيو 1956، للمثول أمام “لجنة الأنشطة المُعادية لأمريكا” بمجلس النواب…

تعود جُذُور الحملة المُعادية للحُريات وللفكر وللإبداع، إلى يوم التاسع من شباط/فبراير 1950، لمّا أعلن عضو الكونغرس الأمريكي الجمهوري “جوزيف مكارثي” في مدينة ويلينغز (ولاية ويست فيرجينيا ) التي يُمثّلها في الكونغرس: “أصْبَحتْ وزارة الخارجية الأمريكية وَكْرًا لأعضاء الحزب الشيوعي وجواسيس روسيا”، وكان هذا التّصريح بمثابة تدشين حملة لمصادرة الحريات الفردية والجَمْعِيّة، ومصادرة حرية الرأي والتّعبير والإنتساب لأحزاب أو نقابات أو جمعيات قانونية، واتّسعت الحملة لتستهدف آلاف السياسيين المُعارِضين والمُثقّفين والفنّانين، دون أدلّة، وكانت هذه الحملة إحدى أعمدة الحرب الباردة ضد البلدان الإشتراكية، وضدّ أي دولة تحاول ملازمة الحِياد والدّفاع عن مصالحها باستقلالية (مثل مصر أو إيران أو إندونيسيا  آنذاك)، واتّهم النائب “جوزيف مكارثي” 205 موظفًا بوزارة الخارجية الأمريكية، بالتعامل مع الأنظمة الشيوعية، وكان هذا الإتهام إشارة الإنطلاق لحملة شنّها مكتب التحقيقات الإتحادية الامريكية (إف. بي. آي)، للتّحْقيق مع نحو ثلاثة آلاف موظف ودبلوماسي أمريكي بوزارة الخارجية، وبعض المؤسسات الأخرى، ثم توسّعت رقعة التحقيقات لتشمل الفنانين والصحافيين والمبدعين في مجالات الإعلام والفُنون والسينما، منهم “شارلي شابلن”، والباحثين، ومنهم “إلبرت أينشتاين”، ورجال الدّين ومنهم القس “مارتن لوثر كينغ” وغيرهم من الموظفين والنّقابيين ودُعاة السّلام العالمي، وهي نفس الإتهامات والمُمارسات التي لا تزال سارية، بل توسّع نطاقها لتشمل أي مُعارض غير أمريكي، ومتواجد خارج الأراضي الأمريكية، وتَطَوَّر التّهديد ليصل إلى الإغتيال عن بُعْد، بواسطة الطائرات الآلية (درونز)، فضلا عن تدمير البُلْدان وتهجير الملايين من مَواطِنِهِمْ…

امتدت تحقيقات إف بي آي لتشمل جميع قطاعات المجتمع الأمريكي في زمن مكارثي، وتم الزّج بأكثر من مائَتَيْ شخص في السجون، وتم طرد ما لا يقل عن عشرة آلاف موظف، تم التنكيل بهم وفق اتهامات زائفة ومُلَفّقة ومُخْتَلَقَة، ولكن لم تندثر “المكارثية”، بل تغَيَّرت مظاهرها، فعادت في صيغة قوانين استثنائية، مثل “باتريوت آكت” وما شابهها من القوانين التي تهدف تشديد الرقابة على كل المخالفين لإيديولوجيا السّائدة، من المثقفين والإعلاميين ومن موظفي الدّولة أو من المنتسبين إلى نقابات وجمعيات ومنظمات أخرى، وتُوجّه لهم الحكومة وشُرطتها ومُخابَراتها وإعلامها اتهامات تطال شَرَفَهُم ومعنوياتهم، وتحرمهم من وظائفهم ومن دخْلِهِم، بهدف إقصائهم وتهميشهم، ما قد يُعْتَبَرُ اغتيالاً معنويا ومادّيًّا، وخنقًا لأصوات الخصوم السياسيين والمُخْتَلِفين مع سياسات الحكومة، من خلال تلفيق الاتهامات واختلاق الفضائح، كما تعود “المكارثية” من خلال إحياء قوانين قديمة (فضلاً عن القوانين الجديدة بذريعة “مكافحة الإرهاب”)، وإعادة إحياء لجان مثل لجنة الأنشطة غير الأمريكية بمجلس النواب التي تم تفويضها، منذ 1938، أي قبل أعلان الحرب العالمية الثانية، ولمدّة فاقت الثلاثة عقود، للتحقيق في النشاط “التخريبي” داخل المجتمع الأمريكي، وهي اللجنة التي أعاد إحياءها “جوزيف مكارثي”، ويمكن إحياؤها في أي حين، لتوزيع اتهامات لا أساس لها من الصحة…

ادّعى “جوزيف مكارثي” أن الشيوعيين تسللوا إلى أعلى المراكز وكافة مستويات المجتمع بالولايات المتحدة لتنفيذ مُؤامَرَة عالمية، ويكمن خطر نَشْرِ هذه الأكاذيب على نطاق واسع في خَلْق جو من الريبة والتّشكيك في الجيران والأقارب وزملاء العمل، وأصبح كل شخص عُرْضَةً لإثبات “براءته من التّعاطف مع الفكر الشيوعي ومع الإشتراكية”، وتم اعتقال الآلاف ممّن صنّفتهم الشرطة “شيوعيين”، وتمّت مُحاكمتهم بتهم باطلة، منها “مُحاولة الإطاحة بالحُكْم بالقوة، وباستخدام العُنف لافتكاك السّلْطة…”

لم يَبْتَكِرْ “جوزيف مكارثي” العداء للشيوعية، بل استغلّ تراثًا إيديولوجيًّا قائما، وشاركه في ذلك “رونالد ريغن” وهنري فورد وبعض الشخصيات السياسية والصناعية والمالية والفنية، وأعاد إحياء حملة العداء التي أسْفرت عن مُحاصرة الإتحاد السوفييتي، حال انتصار الثورة الإشتراكية وبدل أن تُسَرّح جُيُوش الإمبريالية الأوةروبية والأمريكية الجنود وإعادتهم إلى المزارع والمصانع، وإلى أُسَرِهم، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، تم توجيههم لمحاصرة الثورة الإشتراكية، من 1918 إلى 1922، ما اضطر قادة الثورة إلى إعلان سياسات اقتصادية جديدة، شكّلت تراجعًا تكتيكيًّا في تطبيق الإشتراكية، وخوفًا من انتشار الأفكار الثورية الإشتراكية في أرجاء العالم، شنّت سُلُطات الولايات المتحدة منذ سنة 1919، حملة مداهمات واعتقالات وترحيل الآلاف نحو أوروبا، وكانت مُحاكمة العامِلَيْن الإيطالِيَّيْن “نيقولا ساكُّو” و “برتُولُومِيُو فنْزيتي”، اللّذيْن أُدينا باطلاً وأُعْدِما يوم 23 آب/أغسطس 1927 واحدة من مظاهر هذه الحملة الدّامية، وما حملة “مكارثي” عبر لجنة مجلس النواب للتحقيق في الأنشطة المُعادية لمصالح أمريكا (المعروفة باسم – HUAC –  ) سوى إحياء أو تَحْيِين أو تَكْيِيف لمحتوى الحملات السياسية ذات الطّابع الفاشي، وطالت الإتهامات التي يُوَزِّعُها “مكارثي” (كمُمثّل لتيار فاشي أمريكي) الجنرال “جورج مارشال” قائد الحملة العسكرية بأوروبا، خلال الحرب العالمية الثانية، ووزير الحرب، كما طالت وزير الخارجية “دين أتشيسون”، وتكثّفت هذه الحملة خلال العدوان الأمريكي على كوريا، وتقسيمها وتركيز بعض أضخم القواعد العسكرية بها، وطالت الحملة الجيش الأمريكي الذي ادّعى جوزيف مكارثي أنه “يأوي الكثير من الشّيُوعيين”، خلال حرب كوريا، وخلال رئاسة “دوايت أيزنهاور” الذي يُعتَبَرُ بطلاً عسكريا، وكان استهداف الجيش بداية النّهاية ل”جوزيف مكارثي” الذي تحالف ضده (سنة 1954) تياره الرئيس أيزنهاور وقيادات الجيش والعديد من نواب وأعضاء حزبه (الحزب الجمهوري)، وظَلّ مكارثي نائبًا بمجلس الشيوخ إلى أن توفي يوم الثاني من أيار/مايو 1957، لكن ذلك لم يُضْعِف التيارات الأمريكية اليمينية المتطرفة التي لا تزال، بعد سبعة عُقُود، تخدم مصالح مُجَمّع الصناعات الحَرْبِيّة، وتُحَرّض على إطلاق المزيد من الحُرُوب العدوانية ضد البلدان الفقيرة، ذات الثروات الهامة، أو ذات الموقع الإستراتيجي، ومنذ أكثر من عِقْدٍ ارتفعت حِدّة التّحرُّش الأمريكي ( أو بواسطة حلف شمال الأطلسي، أحيانًا) بدول مُنافسة، مثل روسيا والصّين، ويُعدّ هذا التّحريض شكلاً من أشكال المكارثية الجديدة، التي جَرّبت إثارة الرأي العام ضد العراق وليبيا وسوريا، قبل أن تنتقل إلى استفزاز وتهديد روسيا والصّين…

 

خاتمة:

أشار الكاتب الإيطالي “فاليريو إيفنْجيليستي” في روايته بعنوان ( Noi seremo tutto )، أو ما يمكن ترجمته ” نحن كل شيء “،  المنشورة سنة 2004 والمُترجمة إلى العديد من اللغات، إلى بعض وقائع فترة الملاحقات “المكارثية”. أما عنوان الرواية فهو مُقتَبَسٌ من المقطع التالي من “نشيد الأُمَمِيّة”:

لا مزيد من قيود التقاليد تقيدنا

قوموا أيها العبيد. كفى! لا مَزِيدَ من العبودية!

لترْسُوَ الارض على أُسُسٍ جديدة

لقد كنا لا شيء، وسنكون كلّ شيء

نَقَلَ الكاتب ما نشرته صحيفة يمينية محلية تصدر ب”سياتل”، بعنوان ( Seattle Post – Intelligencer )، في الأسبوع الأول من كانون الثاني/يناير 1954، بشأن الكارثة الناتجة عن الملاحقات، خلال ثلاث سنوات (حتى نهاية سنة 1953)، ومنها مُحاكمة ما لا يقل عن 96 من قادة الحزب الشيوعي الأمريكي، بتهمة “مُعاداة أمريكا”، ولم تُبرّئ المحكمة سوى ثلاثة منهم، ووصلت الأحكام بالسجن إلى عشر سنوات، كما تم إقصاء كل من يُشتَبَهُ في “شُيُوعِيّته” أو تعاطفه مع الفكر الإشتراكي، بدون أي حاجة لإثبات “التهمة”، من أي وظيفة لها علاقة بالإنتخابات أو بالقطاع العام وحرمانهم من التوظيف في كافة مستويات الحكومة والمؤسسات النيابية وكافة المؤسسات العامة، حتى البلديات، وطَرْدُ من تم توظيفه سابقًا، أي تطبيق القرار بمفعول رِجْعِي، ومُنع “المُتّهَمُون” (أي المُشتَبَه بهم، بدون محاكمة أو إدانة) من الحقوق المدنية ومنها حق التّصويت في أي مستوى من الإنتخابات، في 32 ولاية أمريكية، ومُنِعُوا من تحمل أي مسؤولية نقابية، وحلَّت السلطات الأمريكية ما لا يقل عن 250 جمعية، ووضعت الشرطة ما لا يقل عن 2,3 مليون موظف عمومي، على مستوى اتحادي أو محلي، تحت المراقبة، وكذلك 4,5 ملايين عامل في قطاع الصناعة، وحقق مكتب التحقيقات الإتحادي (إف بي آي) مع 1,5 مليون عامل بالقطاع الصناعي، بشأن ميولاتهم السياسية، وأجبرتهم الشرطة على التصريح بكل مُطالعاتهم من صحف ومجلات وكُتُب، وبأسماء الأشخاص الذين يلاقونهم، صدفةً أو عن موعد، بمن فيهم أفراد عائلاتهم وأقاربهم، وبعنوان الكنيسة أو المَعْبَد الذي يُصلُّون به، وما إلى ذلك من معلومات شخصية…

لقد قامت الولايات المتحدة على ارتكاب المجاز وعلى الإبادة واستعباد البشر، ويعسُرُ التصريح بمثل هذه الحقائق في مجتمع بناه المُستعمِرون المستوطنون الأوروبيون من خلال اغتصاب وطن وممتلكات السّكّان الأصليين، لذا فإن بناء الدّولة الأمريكية كان على أُسُسٍ احتوت جماجم ودماء أصحاب البلاد الشّرْعِيِّين، وتم تلقين الأجيال اللاّحقة ثقافة الإستعلاء المُؤَسَّسَة على “شَرْعية” (ومَشْرُوعية) قتل واستعباد البشر، وهي تربة خصبة لنمو الأفكار اليمينية المتطرفة، والإستعمارية، لذلك فاقت الولايات المتحدة، في مجال قَمْع حرية الفِكر والرأي والتعبير، وقمع العمل السياسي والنقابي والثقافي، كافة دكتاتوريات العالم، مُجتمعة، ومع ذلك تشن على خُصُومها ومنافسيها حملات تشويه، بذريعة “قَمع الحريات”، وتفرض حصارا و”عُقُوبات” على العديد من البلدان، بنفس التِّعِلّة، وبلغ الأمر حَدَّ شن الحُرُوب العدوانية واحتلال بُلدان عديدة، باسم الدّفاع عن الحُرّيات وعن الدّيمقراطية، وباسم مناهضة الدّكتاتورية!!!

 

الطاهر المُعز

 

 

 

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *