الطاهر المُعز – هوامش من الإنتخابات الرئاسية الفرنسية. من يَدْعَمُ اليمين المتطرف؟

هوامش من الإنتخابات الرئاسية الفرنسية. من يَدْعَمُ اليمين المتطرف؟. الطاهر المُعز

يمتلك ستة مليارديرات مجمل وسائل الإعلام الفرنسية، من بينهم شركة عائلة “داسُّو” (صحيفة “لوفيغارو” والطائرة العسكرية “رافال”) و”بويغ” (الإنشاء والبُنية التّحتية وقنوات التلفزيون “تي إف 1” و “إل سي إي”) وفنسنت بولوريه، ممول حملة ساركوزي سابقا وممول حملة زمُّور، وهو صاحب قناة تلفزيونية (سي نيوز) تخصصت في الدّعاية لليمين المتطرف، وصاحب مُقاولات الموانئ والطّرقات والبُنية التحتية في المُستعمرات الفرنسية السابقة بغرب ووسط إفريقيا، ويمتلك المناضل الصّهيوني “باتريك دراهي” (تخلّى عن جنسيته الفرنسية، وحصل على الجنسية “الإسرائيلية”) شركة اتصالات ووسائل إعلام، إلى جانب زميله ومنافِسِه “غزافييه نيل”، صاحب شركة اتصالات ومالك وسائل إعلام، وغيرهم من الأثرياء (مديري المصارف ) الذين يمتلكون صُحُف عريقة، تنشر بروبغندا اليمين المتطرف، منذ فترة الإستعمار المُباشر للجزائر وفيتنام وإفريقيا الغربية…
تمَكّن 12 مُترشّح ( ثُلُثُهُم من اليمين المُتَطرّف) من توفير الشّروط الضّرُورية للمُشاركة في سباق الدّورة الأولى للرئاسيات، واتفقت أهم وسائل الإعلام، ومؤسسات سَبْر الآراء، على الغِشّ وعلى تفضيل بعض المُتَرَشِّحِين، وتقديم نتائج لعمليات “استطلاعات رأي” مُزَيّفة، بمشاركة أقل من ألف شخص، لا يُمثِّلُون بالفعل جميع شرائح المجتمع ولا انقساماته السياسية، ثم يتم تضخيم التّوقُّعات، لِتَبْدُوَ كمرآة (غير صافية) تعكس تَوَجُّهات النّاخبين، وقرّرت وسائل الإعلام وشركات استطلاع الرّأي، قبل أسابيع عديدة من تاريخ الإنتخابات أن الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” و”مارين لوبان”، سليلة أُسْرة الملياردير الإستعماري، رمْز اليمين المتطرف، منذ خمسينيات القرن العشرين، سوف يتسابقان في الدّورة الثانية التي تجري يوم الرابع والعشرين من نيسان/ابريل 2022، لأن أيأ من المترشحين لن يحصُل على 50% + صوت واحد على أقل تقدير، ولما ظَهَرت النتائج، تَبَيَّن أن هذه الشركات الإعلامية قَلَّلَتْ من عدد الأصوات التي حَصَل عليها بعض المُتَرَشِّحِين، من اليسار، بهدف إحباط عزائم من كانوا يعتزمون التصويت لفائدتهم، وضخّمت من حُظُوظ منافسيهم من اليمين المتطرف…
يُعْتَبَرُ واهِمًا من يبحث عن موقف داعم للطبقة العاملة وللمُهاجرين وللشُّعُوب المُضْطَهَدَة، ولقضايانا العربية، من فلسطين إلى سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها، أو داعما لحق شُعُوب إفريقيا في استغلال ثَرَواتها والتّحكُّم بمصيرها، رغم بعض الإشارات – غير الجِدِّيّة – هنا وهناك. لذلك تقتصر هذه الفَقَرات على بعض جوانب الحملة الإنتخابية، منها مسْأَلَة تمويل حملة رُمُوز اليمين المتطرف، فالحملة الإنتخابية مُرتفعة الثّمن وتتطلب جُهُودًا بشرية ومادّية هامّة ليتمكن المترشحون ومرافقوهم من التنقل المُستمر ومن تنظيم الإجتماعات العُمومية وتوفير وتعليق المُلْصقات ووسائل الدّعاية وما إلى ذلك من متطلبات “الدّيمقراطية البرجوازية” التي لا يقدَر على ممارستها سوى المُتْرَفُون…
منذ انتخابات 2002، أي منذ عشرين سنة، اكتشفت البرجوازية الفرنسية الحاكمة خدعةً ناجحة تتمثل في ممارسة الإبتزاز، ووضع النّاخبين أمام خيار زائف، بين اليمين النيوليبرالي (ساركوزي أو ماكرون) واليمين المُتطرف (لوبان الأب والإبنة، أو زمُّور)، ما يَضْمَنُ للشركات العابرة للقارات ولكبار الرأسماليين ضمان مصالحهم، أيًّا كان الفائز. أما التيارات السياسية، من ضمنها التي تَدّعي انتماءها لليسار، فتطلب من المواطنين التصويت بكثافة لصالح مُرَشَّح اليمين النيوليبرالي، بذريعة سَدّ الطّريق أمام اليمين المُتطرّف، وإنقاذ الديمقراطية !!!
Rothschild                                                         عائلة روتشيلد

انتخابات في ظل هيمنة السياسات النيوليبرالية

أدّت خصخصة المرافق والخدمات العامة، وفك ارتباط الدولة بالسياسات الاجتماعية وبالخدمات العمومية والإنفاق الإجتماعي، وزيادة  شُعُور المُواطنين بالظلم الاجتماعي بفعل السياسات الجِبائيّة، وإعفاء الأثرياء من المُساهمة في إيرادات الدّولة وفي التّأمين الإجتماعي، وما إلى ذلك، إلى تعزيز التفاوت الطّبقي، ولم تنل هذه المواضيع حظّها من النّقاش، ولم تُقدّم القوى السياسية المُعارضة برامج وحُلُول لمشاغل جزء كبير من السكان، ومن بينها شُحّ الوظائف والسّكَن، وارتفاع تكلفة إنفاق الأُسَر على الصحة والتعليم، وحجبت الدّولة ومؤسسات البحوث والدّراسات، والمكتبة الوطنية نتائج استشارات عديدة نظّمتها حركة “السّترات الصفراء” (على سبيل المثال) بدعم من باحثين وعلماء اجتماع تقدُّمِيِّين، جَمَعت تَظَلُّمَات المشاركين في التّظاهُرات والمواطنين في الأماكن العامة، وتم تَبْويب جميع هذه المُطالبات وتقديمها إلى مؤسسات الدّولة في المُحافظات وجمعتها مؤسسات الدولة من المُحافظات، منذ سنة 2019، لكنها لم تنشر أي نتائج، ولم تُتِح المكتبة الوطنية ( ولا المركز الوطني للبحث العلمي ) للباحثين والدّارسين الإطلاع على النتائج أو الإستنتاجات.
تعلقت مطالب المواطنين بقضايا العدالة الاجتماعية، وتعزيز التضامن القومي من خلال إعادة توزيع الثروة، ورفع مستوى المعيشة، والحصول على فرص العمل، وزيادة الأجور والمعاشات التقاعدية، وتلبية احتياجات المواطنين كالحصول على السكن بإيجارات تُوافق مستوى الدّخل، وفرض الضريبة التّصاعُدِيّة على ثّروات الأغنياء، واتخاذ إجراءات صارمة ضد الأثرياء المُتهرّبين من تسديد الضرائب، ومُهَرِّبي الأموال إلى الملاذات الضريبية، ويحرمون بذلك الدّولة من المبالغ الضرورية التي يُمْكن استخدامها لتمويل صيانة البُنية التحتية التي يستخدمها الأثرياء أكثر من غيرهم، كالطرقات والمطارات والموانئ، ولتمويل الخدمات العامة والتعليم والصحة والعدالة أو البحث العلمي والثقافة والتّرفيه أو التحول البيئي…

الجدل الزائف عن “الغَزْو” وعن “فقدان السيادة “

كما في العام 2017، اتفقت وسائل الإعلام والإتصال المُسَمّى “اجتماعي” ومؤسسات دراسة اتجاهات الرأي العام (سبر الآراء) إن المُواجهة في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية للعام 2022 تجْمَع إيمانويل ماكرون ومارين لوبان، في وضع يُشبه مباريات المُصارعة، حيث يَغْلبُ التمثيل على حركات وتَصَرّف المُتَصَرِعين، لأن الخلافات تكاد تنعدم بين الأحزاب اليمينية التقليدية والأحزاب اليمينية المتطرفة وأصبح الإختلاف يقتصر على الشّكل ويغيب في جوهر البرامج، ومن الإختلافات القليلة، تشكيك اليمين المتطرف في المُؤسّسات والقوانين الأوروبية، والإجراءات، مثل حرية الحركة (داخل أوروبا) للسلع لتعزيز السوق الموحدة، فيما يعبر اليمين التقليدي النيوليبرالي عن ذلك بطريقة أخرى من خلال الطعن في المنظومة القانونية الأوروبية (التي انبثقت عن مُمَثِّلِي الحكومات، وليس عن البرلمان الأوروبي) واعتبار النظام القانوني الأوروبي أو القوانين العابرة للحدود “تجاوزًا للسيادة”، بشأن حقوق الإنسان أو حرية تنقل السلع ورؤوس الأموال، ويتفق جناحا اليمين على كراهية العمال والفقراء والمهاجرين والشعوب المُضْطَهَدَة والواقعة تحت المهيمنة الإمبريالية، لدا يتم تعويض اختلاف شكل الخطاب، بالإتفاق في المضمون الذي يتخلص في اعتبار “المهاجرين والمسلمين والعرب والسود، مَصْدَرَ مشاكل المجتمع الفرنسي”، ما يجعل من هذه الأيديولوجية المهيمنة القاعدة (تتضمّن بعض الإستثناء) أو القاسم المشترك بين اليمين بأكمله وجزء كبير من القوى التي تدعي أنها “يسارية”.
كان الخطاب الاستعماري والشوفيني واليميني المتطرف شائعًا في فرنسا ودول أوروبية أخرى منذ القرن التاسع عشر لتبرير الاستعمار باسم “واجب الدول المتحضرة لنشر القيم الجمهورية لدى الشُّعُوب المُتخَلِّفَة” (نَشْرُها بالقوة المُسَلّحة)، ويعود هذا الخطاب خلال الحملة الانتخابية، لِيَنْتَشِرَ ولِيُصْبِحَ أكثر وضوحا، ويتمثّلُ في “استغلال الماضي أو التاريخ”، وإضفاء الطابع المثالي على الماضي (الإستعماري)، وإعادة اختراعه أو تكيِيفِهِ مع العَصْر، ومن ثم تسويقه لدى الجمهور الواسع، من خلال وسائل الإعلام المتواطئة، وتجسيدًا لاستغلال التاريخ الإستعماري، يُعْتَبَرُ “إيريك زمور” أحد رُموز اليمين المُتطرّف الذي اكتسب شُهْرَةً ووجاهة بفضل صفحات “لوفيغارو” التي تملكها عائلة “داسو”، مُصَنِّعَة طائرة “رافال”، وبفضل برامج شبكات تلفزيون شركة الملياردير “فنسنت بُلُوريه” ومحطات التلفزيون لشركة “بويغ”، أكبر شركة عالمية للإنشاء، وتم نَشْرُ فيديو إعلان ترشيحه لانتخابات الرئاسة الفرنسية في 30الثلاثين من تشرين الثاني/نوفمبر 2021، على موقع أنشأه على شبكة الإنترنت، حيث ترافقت قراءته للخطاب مع صور وثائقية (خارج السياق)، تُمَجِّدُ التاريخ الاستعماري لفرنسا وتُحَوّلُهُ إلى أُسْطُورَة جميلة، وإلى تلاعُبٍ بذاكرة الشعوب، ضحية الإستعمار الفرنسي (وغَيْر الفرنسي)، وبحسَبِ رواية “إريك زَمُّور”، يمثل الماضي الاستعماري لفرنسا “العصر الذهبي لفرنسا المجيدة والمزدهرة، حيث الحياة جيدة للجميع” (بمن فيهم شُعثوب البلدان الواقعة تحت الإستعمار؟)، أما الاستنتاج أو العِبْرة أو الدّرس الذي يستخلصهُ فهو: تُمَثِّلُ نهاية الاستعمار بدايةَ انحطاطِ فرنسا، بداية غَزْوٍ تمثل في وجود مئات الآلاف من العمال المهاجرين من المستعمرات السابقة، ما أَدَّى إلى تدهور البلاد (فرنسا) وانحطاطها، ونَسِيَ هذا الرّجُلُ الذي ينحدر من أُسْرَةٍ عاشت في الجزائر المُسْتَعْمَرَة، والذي يُريد أن يُصْبِح رئيسًا لفرنسا، أن العُمّال المُهاجرين أعادوا بناء فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى وبعد الحرب العالمية الثانية، ويُمثّل خطابُهُ حنينًا رجعيًّا وعنصريًّا لماضي استعماري، مع استغلال التاريخ وتحويله إلى أسطورة، وتجدُرُ الإشارة إلى أنه يمْتَدِحُ العميل “فليب بيتان” الجنرال الذي تواطأَ مع الإحتلال النّازي وحكم البلاد من خلال قوانين الطّوارئ، خلال فترة الإحتلال…
Le ralliement de Marion Maréchal à Eric Zemmour, pas forcément gagnant - The Times of Israël

 شبكات اليمين المتطرف:

خلال حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2017 ، أعلن إيمانويل ماكرون إنه يريد تحويل فرنسا إلى “دولة/شركة ناشئة” (startup nation )، ولكن، بعد خمس سنوات من رئاسته، تَفَوَّقَ عليه المرشحون اليمينيون المتطرفون في هذا المجال، فكانوا أكثر فاعلية من ماكرون في استغلال الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وتجاوَزُوه فيما يتعلق بوهم “الديمقراطية الرقمية”، وفي مجال الدعاية ، استغل اليمين المتطرف الإنترنت والشبكات الاجتماعية أفضل من خصومه.
استطاعت قوى اليمين واليمين المتطرف، على عكس قوى اليسار، حشد قواعدها لغزو الإنترنت، واستخدام الشبكة الرّقمية لِبَثِّ الأفكار الأكثر يمينِيّة والأشَدَّ تَطَرُّفًا، بفضل تنظيمها الهرمي شبه العسكري، وبفضل رأس المال الذي تحت تصرفهما، وبفضل المُديرين التنفيذيين القادمين من المصارف الكُبْرى وشركات المُحاماة والإستشارات، فالمثقفون اليمينيون الذين يُشَرْعِنُون عدم المساواة الاجتماعية ويبُثُّون سُمُومَهُمْ بين القواعد الشعبية أو النقابية أو السياسية المتواضعة، يُخَطِّطون بإحكام، لاجتذاب المواطنين البُسَطاء واليائسين ليُدْلُوا بأصواتهم ضدّ مصلَحتهم الطتماعية والطّبَقِية، بالتوازي مع إرضاء المواطنين الأكثر ثراءً الذين يصوتون (ويناضلون) لليمين واليمين المتطرف.
تاريخيا، كانت “الجبهة الوطنية” (حزب عائلة “لوبان”) أول حزب سياسي في فرنسا استخدم ودعم وجودَهُ عبر الإنترنت، بالإضافة إلى جيش من المتصيدين الذين يعملون وراء الكواليس، لِنَشْرِ الأفكار اليمينية المتطرفة على نطاق واسع، ما ساعد اليمين المتطرف على تعزيز انتشار أفكاره في جميع أنحاء البلاد، عبر الإنترنت دون الإضطرار للتنقل وعقد الإجتماعات وتوزيع المناشير والقيام بالإتصال المُباشر…
ساعد انتشار الإنترنت اليمين المتطرف الذي أَدْرَكَ مُبَكِّرًا أهمية الشبكة الرّقمية، ما يَسَّرَ انزياح المنظمات السياسية نحو اليمين، وتَحَوُّل الساحة السياسية الفرنسية إلى حلبة صراع بين مختلف فصائل اليمين واختفاء تيارات الدّيمقراطية الإجتماعية والحزب “الشيوعي”، بالرغم من الحراك الإجتماعي الذي أَهْمَلَهُ اليسار ولم يدعمْهُ بشكل يجعل منه رافِدًا أو عاملا من عوامل تعديل ميزان القوى السياسي، فمطالب المُضرِبِين والمُتظاهرين والمُشاركين في عدّة نضالات اجتماعية، كانت مطالب اجتماعية “يسارية”، أي تَطْمَحُ نحو تحقيق العدالة الإجتماعية، لكن نجح اليمين واليمين التطرف في إلهاء المواطنين عن همومهم وصعوبات الحياة اليومية، وحوّل غضَبَهُم المَشْرُوع ليتجه نحو مُفاقَمَةِ كراهية المهاجرين (وأبنائهم، وهم مواطنون فرنسيون)، واتهام المسلمين (أو من يُفْتَرَضُ أنهم مسلمون) ب”الغزو”، وبذلك أصبح المُهاجرون أكباش فداء، لتحميلهم نتائج وَضْعٍ هم أولُ ضحاياه…
لم تكن هذه العقيدة وهذه الأفكار اليمينية العنصرية جديدة، لكن انتشارها تَعَزّزَ جغرافيًا واجتماعيًا، بمساعدة وسائل الإعلام المنتمية إلى مجموعات رأسمالية ، مثل بولوريه (CNews) ، وبويغ (  TF1 و LCI  ) وداسو (لو فيغارو)، وبرنارد أرنو، إلخ، إذ تستفيد هذه المجموعات الرأسمالية من انقسام الطبقة العاملة والفُقراء، بين السكان الأصليين والمهاجرين، بين أولئك الذين يصوتون وأولئك الذين ليس لديهم الحق في التصويت، بين العاملين القَارِّين (المُثَبَّتِين) وأصحاب العُقُود الهَشّة وغير المُسْتَقِرّة، وبدوام جُزْئِي، بين العمال ذوي الأجور القانونية وذوي الرواتب المنخفضة، أو العاملين في الإقتصاد المُوازي، وبين سُكّان المُدُن وأولئك الذين يعيشون في الريف أو مناطق لا تتوفَّرُ بها  وظائف…

تمويل أقصى اليمين

من يمكنه تمويل الحملات الإنتخابية بملصقاتها المُلَوَّنَة والمنشورات ونشر الدّعاية عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتجمعات الكبيرة المنظمة بشكل جيد؟ يمتلكُ المحافظون اليمينيون مواردَ ماليةً تفوق بكثير موارد النقابيين أو المنظمات اليسارية، ولا يمكن المُشاركة في الحملات الإنتخابية في بلدان “الديمقراطية البرجوازية”، دون مال وَفِير، فالمال ضروري للمشاركة في الحياة “الديمقراطية”، لكن قوى اليسار لا تمتلك المال، فيما يحصل اليمين واليمين المتطرف على دعم كبير (غير مُعْلَن في معظم الحالات) من المصارف ومن الشركات العابرة للقارات، ما جعل قُوى اليمين واليمين المتطرف تُتقن (بفضل الموارد وبفضل التّخطيط لافتكاك السّلطة) فُنُون الاتصال عبر الإنترنت، ولديها التمويل اللازم والدعم من الأفراد والمنظمات أو المجموعات السياسية، ويمكنها تسديد رواتب موظفين مؤهلين، وقادرين على التعامل مع برامج التكنولوجيا الفائقة، لكن هيمنة اليمين المتطرف على شبكات الإنترنت تَعْكِسُ التفاوتات الاجتماعية في الحياة الواقعية، بين أولئك الذين لديهم السلطة وأولئك الذين يقعون ضحية عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية …
هناك وسائل أخرى للتمويل القانوني، تستغلها قُوى اليمين المتطرف على أحسن وَجْه، ففي فرنسا ، هناك نص قانوني يمَكِّنُ المُتَبَرِّعين لهياكل وأُطُر ومجموعات مُصنّفة “ذات منفعة عامة” (كالجمعيات والمُنظّمات غير الرّبْحِيّة والكنائس) من اقتطاع 66% من مبلغ التبرعات من التصريح بالدّخل المُقدّم لإدارة الضرائب، وتُقَدَّرُ المبالغ التي لا تحصل عليها إدارة الجباية، من جراء هذه العملية، بأكثر من 2,5 مليار يورو سنويًّا، واستغل اليمين المتطرف هذا القانون أحسن استغلال، واستخدمه كأداة لتمويل نشاطه السياسي، ويُقَدَّرُ متوسّط حجم المبالغ التي يحصل عليها اليمين المتطرف سنويا بأكثر من عشرين مليون يورو من التبرعات المُدْرَجَة ضِمْن نسبة ال 66% المُعفاة من الضرائب، والتي تم دفعها كل عام من قِبَل الأصوليين الكاثوليك، والمَلَكِيِّين أو القوميين المُتطرفين الأثرياء، فضلا عن منظمات أخرى تُتْقِن أساليب التّخَفِّي، وعلى سبيل المثال، تم إرسال أكثر من خمسمائة ألف دولار إلى العديد من الشخصيات الأمريكية اليمينية المتطرفة المتورطة في غزو الكابيتول، وكان من بين المُتَبَرِّعين أثرياء فرنسيون، يدعمون اليمين المُتطرّف، حيثما وُجِدَ، وأورد تقرير صادر عن شركة البحوث والدّراسات ( “Chainalysis”  ) بتاريخ 15 كانون الثاني/يناير 2021، أن العديد من الأثرياء الدّاعمين لليمين المتطرف يُرسلون أموالاً مُقَوّمة بعملة “بيتكوين” الرقمية، بهدف إخفاء هوية المُتَبَرّعين، ونشرت معلومات عن عملية تحويل حصلت في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2020، اجتذبت اهتمام مُحقّقِي مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (إف بي آي) فأطلق المكتب تحقيقًا بشأن مصادر تمويل الحركات اليمينية المتطرفة، واتّضح أن هذا التمويل عابر للقارات، حيث تأتي التبرعات من دُول عديدة لمختلف المنظمات الأوروبية والأمريكية.
نشر موقع المجلة الفرنسية (  Contretemps )، في 21 كانون الأول/ديسمبر 2020، نتائج بحث حول تمويل الصحافة (والاتصالات) التابعة لليمين المتطرف في فرنسا، واتضح أن الصناديق الخَفِيّة (غير المعلنة) لنقابات أرباب العمل الفرنسية والأوروبية مولت مطبوعات ومنشورات ودور النّشر التابعة لليمين المتطرف، قبل وصول ستيف بانون ، المستشار السابق لدونالد ترامب ، الذي بدأ مُهِمَّةَ إعادة هيكلة الدعاية والتواصل لليمين المتطرف، في لمساعدتها على الاستيلاء على السلطة في عدة دول أوروبية.
يتم دعم اليمين المتطرف الفرنسي ماليًا وسياسيًا ومن حيث الاتصال من قبل مجموعات ومؤسسات صناعية ومجموعات صحفية وإعلامية (مجموعة فالموند، مجموعة داسو، مجموعة بولوريه ) أو من قِبَل الشركات ووسائل الإعلام الخاصة مثل بريفينفيست التابعة لأُسْرَة من قيادات اليمين المتطرف اللبناني، أو المجموعات الصيدلانية، أو الشركات القابضة أو المجموعات المالية ( منها “فيمالاك”)، وعلاوة على ذلك، فإن الصحافة اليمينية المتطرفة متنوعة للغاية…
تصنف الأفكار المُعادية للفُقراء والأفكار الشوفينية والعنصرية، الفقراءَ كَفِئَة تَتّكِلُ على المُجْتَمَع، وتُبدّدُ الأموال بدون مُقابل، وتُرَوِّجُ أن الفُقراءَ مُضِرُّون بالمجتمع، وتحصل الصُّحف والمَجَلاّت والإذاعات ووسائل الإتّصال التي تُرَوّج هذه الأفكار الهَدّامة على إعانات قانونية من الدّولة، إذ يعتبرها القانون “صحافة رأي”، أي صحافة غير تجارية، تُرَوِّجُ مبادئ وأفكار سياسية (أو غير سياسية) من حقها الحُصُول على إعانات من المال العام، بالإضافة إلى التبرعات والتمويل من دوائر  البرجوازية الكاثوليكية، والأثرياء الذين يستفيدون من خَصْمٍ ضَرِيبي، كما يمتلك بعض قادة اليمين المتطرف شركات اتصالات تقدم المشورة لليمين السائد والشركات الكبرى، وتدعم منظمات وأحزاب اليمين المتطرف بالمال وبالتقنيات والطباعة والنّشر  وفي مجال العلاقات العامّة والإتصالات، وفي هذا الصّدَد، نشرت محطة إذاعة القطاع العام، “فرنس كلتور” ( France Culture ) يوم السابع عشر من كانون الأول/ديسمبر 2021، تحقيقًا أظهَرَ أن مجموعة من الشباب  من ذوي المناصب الرفيعة، والمصرفِيِّين ومُديري الشركات، يدعمون “إريك زمُّور” ماليا، بِصَمْت ولا يزالون في الظل في الوقت الحالي ، لكنهم كثيرو الشَّبَه بمن كانوا يدعمون الرئيس “إيمانويل ماكرون”، قبل انتخابه سنة 2017، واستنتجت وحدة تحقيق إذاعة القطاع العام “راديو فرنسا” أن العديد من الأثرياء ورجال الأعمال يدعمون أكثر من مترشّح واحد، لينتفِعوا وتنتفع أعمالُهم وشركاتهم مهما كان الفائز بالإنتخابات…
وردَ في تحقيق آخر نشرته صحيفة “ليبراسيون” أن الجمعية المُسمّاة “أصدقاء إريك زمور” تُشرف منذ نهاية نيسان/ابريل 2021، أي قبل سنة واحدة من تاريخ الإنتخابات الرئاسية، على تمويل حملته الإنتخابية، وتتلقى صُكُوكًا من المؤيدين والأصدقاء والداعمين، في عنوان وَهْمِي، وَفَّرَتْهُ شركة ناشئة متخصصة في استشارات الأعمال، ولديها ما يقرب من 800 شقة راقية للإيجار في باريس، ويقع مقرّها المُعْلَن في شقّة تمتلكها شركة أخرى، بالدّائرة العاشرة بباريس، أسّسَها ويُديرها، منذ سنة 2019، أصدقاء أثرياء لإيريك زمّور، ومنهم مصرفي استثماري سابق في المجموعة المالية “روتشيلد “، حيث تخصّص، بعد تخرّجه من جامعة كولومبيا في نيويورك، في عمليات الاندماج والاستحواذ، وأنشأ جمعية للمستثمرين مع مصرفيين آخرين، من أصدقائه المُشْبَعِين بإيديولوجيا اليمين المتطرف…
إن أنصار إريك زيمور هم أثرياء، من نفس فصيلة أنصار “إيمانويل ماكرون”، ومنها الشركات الناشئة والمصارف ومؤسسات الإستثمار التي تُتقن تقنيات الدّعاية والإتصال لجَمْع الإستثمارات، كما لِجَمْعِ التّبَرُّعات، وتُتْقن لغة الإتصال بكوادر الشركات والمصارف، من فِئَة الشباب الطّمُوح والإنتهازي…
شارك بعض المُستشارين والدّعمين لإريك زيمور في حملة مارين لوبان سنة 2012، فيما جاء آخرون من اليمين التّقليدي الذي يَدّعي “الإعتدال”، ومن الأحزاب السياسية التي دعمت نيكولا ساركوزي أو فرانسوا فيلون أو إيمانويل ماكرون، كما يجمع اليمين المتطرف نُخبَةً من المُستشارين، يشغلون مناصب رفيعة: مدراء تنفيذيين بالمصارف الكبرى مثل روتشيلد أو جي بي مورغان، وانكَبَّ هؤلاء على تطوير البرنامج الاقتصادي للمرشح إريك زمّور، وعلى تمويل حملته الإنتخابية، كما حَظِيَ زمّور بدعم مالي من رجال أعمال من اليمين المتطرف بأوروبا وبريطانيا والولايات المتحدة…
تتنزل هذه الفقرات ضمن باب “اعْرِفْ عَدُوّكَ”، فهي لا تتطرّق للنتائج، لأنها عملية “تقنية” تم تحضير الجُمهور لها مُسْبَقًا، وتُقدّم بعض لا يقع ترويجه من كواليس الإنتخابات التي تتطلب أموالاً وجُهُودًا بشرية وغير ذلك من الأسباب التي تجعل من الدّيمقراطية بشكلها الأوروبي والأمريكي مَسْرَحِيّةً مُغْلَقَة مُخَصَّصَة للأثرياء، وذلك شيء طبيعي، لأن الثورة البرجوازية أسّست لهذا الشكل من “الدّيمقراطية التّمْثيلية”، فهل يُعْقَلُ أن تُؤَسِّسَ نظامًا يُزيحُها من السّلطة؟
الطاهر المُعز

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *