الطاهر المعز -بإيجاز سريلانكا – التأثيرات الجانبية لكوفيد 19، وللحرب بين روسيا وأوكرانيا

بإيجاز سريلانكا – التأثيرات الجانبية لكوفيد 19، وللحرب بين روسيا وأوكرانيا-الطاهر المعز

 
أعلنت شركة “سيلان بتروليوم” الحُكومية، يوم الجمعة 15 نيسان/ابريل 2022، تقنين بيع الوقود للمَرْكَبَات، ما قد يُفَاقِمُ الأزمة الاقتصادية التي أدّت إلى تظاهر المواطنين، منذ عدة أسابيع، ومطالبتهم باستقالة الرئيس “غوتابايا راجاباكسا”، الذي يتمتع بصلاحيات دستورية واسعة، ومنذ أسابيع، يصطف المواطنون في طوابير طويلة للحصول على الوقود، وعلى غاز الطّهْي، حيث انتشر الجيش منذ يوم 22 آذار/مارس 2022، وعزز انتشاره يوم الثلاثاء 12 نيسان/ابريل 2022، بعدما أدّى التدافع والخُصومات أمام محطات الوقود إلى وفاة ما لا يقل عن ثمانية مواطنين، في ظل أسوأ أزمة اقتصادية عرفتها البلاد منذ استقلالها عن بريطانيا، سنة 1948، إذ يُعاني المواطنون (22 مليون نسمة) من ارتفاع ثمن السلع الأساسية وعبوات غاز الطّهي، ومن غيابها من الأسواق والمَتاجِر، ومن انقطاع متكرر للتيار الكهربائي، ومن انهيار قطاع السياحة، وانخفاض تحويلات المُهاجرين، منذ انتشار جائحة “كوفيد-19″، حيث زاد عدد الفُقراء الذين يعيشون تحت خط الفقر بنحو نصف مليون، ولذلك تتواصل احتجاجات عشرات الآلاف من المواطنين (حتى يوم الجمعة 15 نيسان/ابريل 2022)، غير بعيد من مكتب الرئيس “غوتابايا راجاباكسا”، مطالبين باستقالته بسبب الصعوبات الاقتصادية التي يُعانيها سكان البلاد، البالغ عددهم 22 مليون نسمة، والذين يعانون من انقطاع التيار الكهربائي لفترات تصل إلى 13 ساعة متواصلة يوميا. من جهة أخرى ألغى المواطنون من الديانات البُوذِيّة والهندوسية احتفالاتهم بالسنة الجديدة التي توافق يوم الخميس 14 نيسان/ابريل 2022، بسبب نقص الحليب والأرز الذي يُستخدم في مثل هذه المناسبات.
تأثَّرت المالية العمومية بالإنهيار الإقتصادي، حَدَّ إعلان الحكومة، يوم الثلاثاء 12 نيسان/ابريل 2022، عَجْزها عن تسديد أقساط الدّيون الخارجية التي بلغ مجموعها 51 مليار دولارا، وطلبت الحكومة قَرْضًا عاجلاً من صندوق النّقد الدّولي، كما سعت للحصول على خطوط ائتمان من الهند والصين لاستيراد النفط والغاز والغذاء، بعد انهيار حجم العملات الأجنبية المُتأتّية من عائدات قطاع السياحة (حوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي) وتحويلات المغتربين، واحتداد الأزمة وتوسّع رقعة المُظاهرات، وانهيار النشاط الإقتصادي، خصوصًا بعد إعلان حالة الطّوارئ يوم الأول من نيسان/ابريل 2022، وانتشار الجيش إثر إغلاق المتظاهرين الطُّرُقات في العاصمة “كولومبو”، وإثر عرقلة تنقُّل حافلات تنقل السياح القليلين، وتجابه الشرطة والقُوات الخاصة المتظاهرين بإلقاء قنابل الغاز والرصاص المطاطي وخراطيم المياه، ما أدّى إلى إصابة نحو خمسين متظاهرًا، وأعلنت السلطات يوم الجمعة 15 نيسان/ابريل 2022، اعتقال ما لا يقل عن 54 متظاهرًا، اتهمتهم الشرطة والجيش “بالقيام بأعمال شغب وإلحاق الضّرَر بالممتلكات العمومية”، بحسب وكالة “بلومبيرغ”، ويطالب المتظاهرون باستقالة الرئيس وشقيقه رئيس الوزراء “ماهيندا راجاباكسا”، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني لمعالجة الأزمة الاقتصادية والسياسية، بعد استقالة أعضاء الحكومة يوم الأحد 03 نيسان/ابريل 2022، وبعد استقالة أربعين نائبا برلمانيا من “حزب الجبهة الشعبية” الحاكم منذ سنة 2019، مما جعل الرئيس يحكم بدون دعم الأغلبية البرلمانية، بينما تتهدَّدُ المَجاعَةُ البِلاَدَ، بسبب النّقص الحادّ في السلع الأساسية كالغذاء والوقود والأدوية وبسبب انقطاع التيار الكهربائي وارتفاع نسبة التضخم إلى مستويات قياسية، حيث ارتفعت الأسعار بنسبة 17% بنهاية شهر شباط/فبراير وبنسبة 30% بنهاية شهر آذار/مارس 2022، وعجزت الحكومة منذ سنتيْن عن استيراد الأسمدة اللازمة للزراعة، ما أدى إلى انهيار الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار المواد الغذائية ، وطلبت الحكومة الحصول على ثلاثة مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، لدعم ميزان المدفوعات خلال السنوات الثلاث المقبلة، لكن الصندوق يشترط (كالعادة) إلغاء دعم السلع والخدمات الأساسية وخفض الإنفاق الحكومي، وبالخصوص الإنفاق الإجتماعي، في ظل ارتفاع أسعار المواد الخام، كالطاقة والأسمدة والمواد الغذائية، خصوصًا منذ انطلاق الحرب الروسية/الأوكرانية، وأعرب ناطق باسم منظمة الأغذية والزراعة (فاو) التابعة للأمم المتحدة عن مخاوف المُنَظّمة بشأن انتشار المَجاعة في سريلانكا كما في بلدان أخرى، وأعربت منظمة “يونيسيف” عن القلق على حياة الأطفال بسبب افتقار الأُسَر إلى الحليب والأدوية والأرز…
يحكم الرئيس “غوتابايا راجاباكسا” البلاد بالإعتماد على عشيرته، ويرأس أخوه “ماهيندا راجاباكسا” الحُكُومة، وسبق أن حكمت هذه العشيرة البلاد، لما كان الرئيس الحالي يرأس البلاد من سنة 2005 إلى 2015، وأغرق البلاد بالدّيون الخارجية، التي تُمثل قرابة 80% من الحجم الإجمالي للدّيون الحالية المُقدّرة بنحو 51 مليار دولارا، لم يتم إنفاقها في برامج تنمية، بل في مشاريع استفاد منها الأثرياء، ولما عاد الرئيس سنة 2019، وَعَدَ بمعالجة الأزمة، لكن سياساته وقراراته فاقمت الأزمة الاقتصادية التي تحولت إلى أزمة سياسية حادّة، واستغلت الصّين وضع البلاد للإستحواذ على حصص هامة من اقتصاد البلاد، ووفّرت لحكومة سريلانكا قُرُوضًا بفوائد مرتفعة بنسبة تصل إلى 8%، منذ سنة 2005، لبناء شبكات اتصالات ومشاريع خاصة، مثل الأبراج التجارية، لا تنفع الشعب ولا تخلق الثروة ولا تُساعد على تحقيق التنمية، بل استفاد منها الرئيس وشقيقُهُ وعشيرتهما وبعض النّواب البرلمانيين، في بلد اعتاد على تداخل المصالح العائلية والمصالح الطّبَقِية، الإقتصادية والسّياسية، حيث يتم شراء ذمم الوزراء والنّوّاب من قِبَل الأثرياء المَحَلِّيِّين والشركات والجهات الأجنبية، ويُدْرِكُ المواطنون ذلك، لذا تظاهر عشرات الآلاف منهم في الساحات والشّوارع، ضد هذا النّظام الفاسد، رغم غياب البديل التقدّمي الذي يمكن أن يخدم مصالح الأغلبية الشعبية من الكادحين والفُقراء…  

العبرة من تونس:

كانت انتفاضة فُقراء ومُعَطّلي وكادحي تونس (كانون الأول/ديسمبر 2010 – كانون الثاني/يناير 2011) مُحَفِّزًا لانتفاضات أخرى متفاوتة في مُدّتها وفي زخمها، بالمغرب ومصر والأردن والبحْرَيْن واليمن، وبعد أكثر من عشر سنوات، لم تتمكّن هذه الإنتفاضات التي تفتقر إلى قيادات وإلى برنامج وأهداف وبدائل ثورية، من تغيير الوضع نحو الأفْضَل، بل تَغَيّر شكل أو إسم الحاكم، وبقيت نفس الطّبقات سائدة، مع بعض التّوسُّع أو “إعادة التّرتيب” بين مكونات الإئتلاف الحاكم، وبلغ الأمر إلى بلوغ حافة حالة الإفلاس (الأصح أن نُشير إلى حالة التّوقّف عن السّداد ) في تونس ومصر ولبنان وغيرها، وزادت تخوفات المواطنين والمُؤسّسات المالية الدّائنة، بعد إعلان دولة “سريلانكا” التّوقف عن تسديد الدّيون الخارجية التي حل أجل استحقاقها، ونقتصر على التّذكير بوضع الإقتصاد التونسي (باختصار) بنهاية الربع الأول من سنة 2022…
أدّى اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية إلى ارتفاع قيمة الواردات التونسية من الطاقة والغذاء، فارتفع العجز التجاري إلى 1,4 مليار دولارا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من سنة 2022، ورفعت الحكومة أسعار الوقود ثلاث مرات خلال الربع الأول من سنة 2022، وقد تتخلف الحكومة التونسية عن السّداد (ما يُسَمّى اصطلاحًا “إفلاس” ) وكتبت وكلة “بلومبرغ” أن الدّولة التونسية تخلّفت عن سداد سندات دولية، حل أجل استحقاقها، بقيمة خمسة مليارات دولار، ما أثار مخاوف “المُستثمرين”، خصوصًا بعد إعلان دولة “سريلانكا”، يوم الثلاثاء 12 نيسان/ابريل 2022، وقف المدفوعات المُستَحَقّة لحاملي السندات، ولم تُسفر محادثات الحكومة التونسية مع صندوق النقد الدّولي إلى إبرام اتفاق قَرْض، حتى منتصف شهر نيسان/ابريل 2022، بسبب اختلاف وجهات نظر الطّرَفَيْن بخصوص إعادة هيكلة الديون الخارجية للبلاد، و”الإصلاحات الاقتصادية “، كما يُسمِّيها صندوق النقد الدّولي، أي خفض الإنفاق الحكومي وتجميد الرواتب وتقليص عدد موظفي القطاع العام، وتأخرت الدولة في دفع بعض الرواتب خلال شهر كانون الثاني/يناير 2022، وقد يتكرّر الأمر، بسبب الصعوبات التي تلاقيها الحكومة في جمع حجم الرواتب، واستيراد بعض السلع الأساسية، ولم تبحث الحكومة عن حلول خارج التّداين الخارجي، بينما تأخّر صندوق النّقد الدّولي في الموافقة على قرض بقيمة حوالي أربعة مليارات دولارا، ولن يتم استخدام القرض للإستثمار في مشاريع مُنْتِجة، بل لتمويل ميزانية الدولة للعام الحالي 2022، وتسديد أقساط القُرُوض التي حل أجل تسديدها، و”لِتَجَنُّب انهيار المالية العامة”، ويشترط صندوق النقد الدّولي تنفيذَ “إصلاحات اقتصادية” تتضمن خفض الإنفاق، وهي “إصلاحات” لا تحظى بالشعبية، ولا بموافقة الإتحاد العام التونسي للشغل (اتحاد نقابات الأُجَراء)، لأنها سوف تزيد من معاناة المواطنين، الذين يشكون من نقص سلع مثل السكّر والأرز، وقد تُؤَدِّي الوضع إلى “انفجار اجتماعي”…
الطاهر المعز 

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *